الاتحاد

الملحق الثقافي

ألسنة فضائحية علنية···

يعالج الباحث اللغوي والألسني الدكتور نادر سراج في مؤلفه الصادر حديثاً عن ''دار الريس للكتب والنشر'' في بيروت، تحت عنوان ''خطاب الرشوة''، ''مسألة لغوية اجتماعية تتصل بعوالم الإدارة والمؤسسات الخدماتية، وما ينشأ عنها من تعامل يومي له جوانبه المالية التسهيلية''· ويتجنب الباحث سراج مقاربة هذه المسألة ''على أنها مجرد معطيات لغوية مجموعة وموثقة وذات طبيعة سكونية''· فهي من وجهة النظر اللسانية، وبحكم اعتبارها مدوّنة لغوية، ومكوناً أساسياً من مكونات ثقافتنا الكلامية الشائعة، باتت ناقلة أمينة لنبض مستخدميها، نظراً لما تحمله من خصوصيات تعبيرية ترتبط بشكل وثيق ببناهم الثقافية الاجتماعية، وتعكس رؤيتهم لذواتهم وللآخر وللعالم من حولهم· فاللغة الإنسانية ـ يقول سراج ـ عموماً، ليست مجرد آلة ناسخة تنقل إلينا الصور والمشاهد بأمانة، بقدر ما هي مرآة عاكسة، لبنانا الذهنية التي تعيد تشكيل هذه المشاهدات وصوغها، مفهومياً، وبصرياً، وفق خلفياتنا الثقافية الاجتماعية''·
غموض لغوي
ومن نافل القول، إن غاية الباحث من وضع هذه الدراسة المهمة،''لم تتمثل في إعداد قاموس كلاسيكي أو متخصص، ولا بالخروج بجرد عام لمفردات خطاب الرشوة وتعابيره، ولا بإعداد''مضبطة إتهامية'' بحق ممارسيه ومسهليه والمتغاضين عن سريانه'' وإنما تمثلت هذه الغاية في توصل الباحث إلى ''إماطة اللثام عن الغموض اللغوي والغموض المفهومي المحيطين بخطاب الرشوة''· لا سيما وأن الفساد الاجتماعي والاخلاقي يبدأ من الغموض اللغوي ـ يرى سراج ـ أو بالأحرى بالاستتار خلف غوامض القول وكناياته ولغته المجازية، وما أكثرها في لغة الضاد''·
خمسة فصول أساسية، تضمنها الكتاب للإضاءة على ''الأبجدية'' الخاصة بخطاب الرشوة، بدءاً من ''كنايات الرشوة وتوصيفاتها وأشكالها''، مروراً، بخطاب الراشي، وخطاب المرتشي، وخطاب الرائش· وصولاً إلى نوعيات الرشاوى والهدايا وقيمتها، فضلاً عن تسجيل أمثال شعبية وأقوال سائرة، وتحليل لدينامية استخدام بعض الضمائر في البنى اللغوية·
يقول نادر سراج: ''إن ما شدني إلى الاستقصاء تداعيات هذا النمط بعينه من الفساد الاجتماعي ذي الوجه التعاملي اليومي هو الفيض الكلامي المتنامي الذي طرق مسمعي، وتناهى إلى ناظري، واستقطب اهتمامي· فاللساني يمتلك عيناً ثالثة إذا صح التوصيف، ويتميز بسمع مرهف يمكّنه من التقاط تعابير الناس الناقلة لأوجاعهم اليومية· ومن جملة القدرات التي توفرت لي، ويسرت من ثم هذا العمل البحثي، فضيلة الإصغاء للآخر المختلف واستيعاب مضامين رسائله والتجاوب مع دلالاتها، ومبادلتها بأخرى تطمينية وإبلاغية، الأمر الذي سهل لي اكتساب ثقة أهل الكلام''·
بالمقابل، تظهر مدونات هذا الكتاب، أن الطرف الثالث المسمى رائشاً، أو وسيطاً أو متدخلاً أو شريكاً مضارباً، سيان كان حاضراً ـ لحماً وشحماً ودوراً ـ أو مغيباً لغاية في نفس يعقوب، انه ''دينامو'' المساومات، ومحور المقايضات، والمشجب الذي تعلق عليه الآمال والارتقابات· وهو من حضر ـ بالأصالة عن نفسه أو بالنيابة عن المرتشي ـ إبان الخطاب، وأوحى بحجم ''الأتعاب'' المطلوبة واختزل بالقول المرام· ومن غاب أو غيب ف''تسعيرته'' معلومة، و''جاروره مفتوح'' باعتباره واحداً ''من فوق''، فهو ''واسطة العقد''، ولا تكتمل الأفراح، أو يتم ''تزييت المعاملات'' إلا تحت ناظره، أكانت إفراجاً عن معاملة مركونة في درج، أم توقيعاً، أم إيماءة بالموافقة، أم مجرد ''مسد كول'' أو رسالة نصية SMS ، يعلم بواسطتها ''من يهمه الأمر، موافقته العلية''·
فيض مصطلحي
إن محور هذا الكتاب، ينصب في رصد ''التطور المفهومي والفيض المصطلحي لمسألة الرشوة في مجتمعاتنا العربية، والتداعيات اللغوية الذهنية، في تعاطيها مع هذا الداء الاجتماعي المزمن، هي لب بحثنا الحالي ـ يقول سراج ـ ومن باب أولى القول إن مفهوم الرشوة التقليدي، المتمثل في مال نقدي غير مشروع يتم تداوله بين طرفين معنيين، بغية تسهيل أمر ما، أو جلب منفعة غير مشروعة، أو استغلال نفوذ لإحقاق باطل، ألخ··· لم يعد هو المعبر الحقيقي عن مسألة الارتشاء في وضعها الراهن، أي من مطلع الألفية الثالثة· فدفع المعلوم، والتماس الإكرامية، وإرسال الهدية، وقضاء الحاجة، باتت عناوين لخطاب متوار أصبح من مخلفات الماضي التعاملي· فما هو متداول اليوم ومعمم في الأذهان، بشكل احترافي، يدخل في باب العمولات، والقومسيون والنسب المئوية، والتسهيلات، ونفقات ترويج الأعمال والبزنس، وما إليها· وهي في المفهوم الحديث، مصطلحات مهنية و''محترمة'' ومعترف بها وتستخدم علناً بغية تسهيل سير أعمال الشركات الكبرى''·
إن خطاب الرشوة، هو في محصلة الأمر، خطاب فضائحي ـ يضيف سراج ـ تحولت تعابيره اليوم إلى شبه خطاب متكامل بعد أن كان يماثل أو يتوازى سابقاً مع توصيفات تتصل بمواضيع السرقة والتزوير ونهب المال العام والدعارة، وسواها من الموبقات الاجتماعية· أما اليوم، فقد أصبحت توصيفاته تتصل بمفاهيم الشطارة وحسن التخلص و''الفلهوية'' و''التزبيط''، كما يقول اللبنانيون، ويشاطرهم أشقاؤهم العرب في إضفاء توصيفات قطرية من ''العيار'' نفسه·
الباحث تناول دراسته المنهجية المتكاملة، من وجهة نظر لسانية اجتماعية، تعكس الخطاب المعاصر في الإرتشاء، وتتكئ على الخطاب ذاته بإرتداداته التاريخية والتراثية قي الوقت عينه·كما تناول المصطلحات وأشكالها المتداولة في الرشوة، ليس فقط على صعيد لبنان، وإنما على صعيد الدول العربية كافة، على الرغم من اختلاف المفردة، باختلاف اللهجات المحلية من بلد إلى آخر·
نذكر بين المصطلحات، التي رصدها نادر سراج في دراسته هذه، وقد بلغت حتى منتصف العام2007 (تاريخ إنجاز هذا الكتاب) مئتين وسبعة وخمسين مصطلحاً، ما يلي:
''البرطيل، الخرجية، حق فنجان قهوة، تحلاية، حلوينة، نحنا بحسابك، سمحة نفس، شوفة خاطر، إكرامية، تعريفة، المعلوم، الفراطة، الأتعاب، البراني، حبة مسك، عيدية، ملح وبهار، فازلين، البخشيش، تحت الدف، مزيتة، حبة بونبون أو ملبسة''·

اقرأ أيضا