كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر - 2

- النظارة الشمسية الكبيرة الداكنة، على الوجوه الباسمة أو العابسة هي الأجمل كما يراها «مدحت باشا»، فهو يصر مع الطبقة الغنية الجديدة أن يلبسها «بنمرتها» الذهبية، ويستعملها أحياناً دونما أي حاجة، مثلما يفعل في «المول التجاري» أو بهو الفندق المظلم، «مدحت باشا» يرى ويعتقد أن تلك النظارة تعطي أهمية مبهمة للشخص، فهي بسم الله، ما شاء الله، آخر موضة، وكله على «التاتش»! - الهاتف النقّال أصبح هو الأعز على الإنسان، البعض منهم لا يستطيع أن يستقيم في مشيته إذا لم يحمل «السيليللور» في يده، ورغم التنبيه المستمر بقفل الموبايلات في السينما وقاعات المحاضرات وفي دور العبادة وفي مجالس علية القوم، فإن أحفاد «بيل غيتس» يخافون أن تفوتهم الصفقات التجارية، فيصرّ كل واحد منهم على أن يسمعّك رنة هاتفه، أما الولهانات أمهات كحل وقصّة واقفة على الجبين، فإلى أن تفتح شنطتها الغالية فتحتاج لخمس دقائق، تكفي لكي يشاهدها الجميع ويعجبوا بها وبشنطتها الماركة، أما الغباء بعينه، فحين تكون على متن طائرة جاهزة للإقلاع، فيرّن نقال بعضهم، مثل ذلك العاشق الولهان، التلفان الذي رنّ هاتفه والطائرة بالكاد على المدرج، ليفاجأ الركاب المتحفزون والمتوترون خلقة، بصوته الرخيم: «أيه شيري، لا.. لا.. أنا بعدي في التيّاره..» تلفت نحوه الجميع، وكلهم شوارب واقفة، ولم يقل واحد منهم: «لو سمحت أو من فضلك أو لو تكرمت، لقد نفضّوا سلسفيل شيري تبعوه وكثرّوا..»! أحد هؤلاء الذين كانوا يعدون نقودهم كلما وصلوا السكن، ولا ينامون إلا وهم مطمئنون أنها نائمة تحتهم، هو شخص ظريف لكنه شحيح، مرات كثيرة ونحن عائدون من الحرم المكي أطلب منه أن يرافقني إلى السوق، ويتعجب ماذا كان يعجبني في السوق؟ ويتضايق من مشترياتي الكثيرة، كنا وأثناء مرورنا بالسوق نصادف شحاذاً محطماً يمشي على ركبتيه ويديه، ورجلاه مرفوعتان خلف ظهره، كنت أسرب له ما تيسر من فكة المال، غير أن رفيقي كان ينظر إليّ بعين فيها العجب، كنا كل يوم تقريباً نراه، أدفع له، ورفيقي مرات كثيرة يطلب مني عدم إعطائه، لأنه يظن أنه محتال، فقلت له: أنت في الحج، والحسنات هنا أضعاف مضاعفة، تصدّق عن صحتك وعافيتك وأهلك، فقال: أستطيع أن أثبت لك أن هذا الشحاذ محتال، لقد كنت أراقب قدميه في كل مرة كنت تدفع له فيها، فوجدتهما متسختين وسخ المشي، ولو كان كما يدعي، لا يستطيع المشي، لكانتا نظيفتين، لذا لا تجوز عليه الصدقة، فعرفت من يومها أن للبخل ذكاء بلا حدود، لكنه يصب في مصلحة صاحبه فقط!

الكاتب

أرشيف الكاتب

خميسيات

قبل 5 ساعات

مهن جائرة

قبل يومين

«باس»

قبل 3 أيام

خميسيات

قبل 6 أيام

يرضيها ما يفرحها

قبل أسبوع
كتاب وآراء