كتاب الاتحاد

نريد طريقاً.. لا خريطة طريق

خريطة الطريق في بلدان الثورات، أصبحت بتضاريس وعرة، مكفهرة، مغبرة، متعثرة، مبعثرة، مجاهرة في المستحيل الذي لا يميل إلا للويل وعظائم الأمور والغي والثبور.. الآن وفي كل بلد عربي، عصفت به الثورات والفورات، تاهت البوصلة وضاعت المراكب، واشتدت النواكب، وشحت السواكب، وارتعدت المناكب، وصار البحث عن حل، كمن يبحث عن إبرة في كومة نفايات في يوم عاصف.. خرائط الطريق لا تنفع ولا تشفع، ولا تأتي بحل لأن النفوس تورمت، والعقول تأزمت، والقلوب تفحمت، والأرواح تفاقمت، ولم يبقَ من حل سوى النبش في قبور الأموات والبكاء على ما فات، والسعي حثيثاً نحو غايات مبهمة، وأهداف مدلهمة، وموانئ يسكنها شيطان الغي والأغواء.. الإنسان البسيط يبحث عن طريق يدله إلى لقمة العيش، وأمان المستقبل ومصير الجياع والمعدمين من صغار فتحوا أعينهم على نظريات لا تبقي ولا تذر، تائهة في غياهب التأطير والتسطير دون جدوى وبلا معنى.. الإنسان البسيط في بلدان الثورات، يفرك جفونه في الصباح ولا يجد رغيف الخبز الذي يطعم به الأبناء، بينما المنظرون غارقون في حومة الوغى، يحرضون ويؤلبون هذا ضد هذا ولا يخسر غير الوطن ولا تضيع غير الحياة.
خريطة طريق منذ سنوات عجاف ضيعت فلسطين إذ يتقاتل الأشقاء الأعداء، في حين المساومات حول الحل تدور رحاها، ولا طحين ولا عجين، ولا خير في خريطة طريق، تقودها مراكب مهشمة الألواح، محطمة الأرواح، فارغة إلى درجة الغثيان وها نحن نرى ونسمع عن خرائط أخرى أشبه بـ«الخريط» في كل بلد عربي عجز فيه المختلفون عن حل التفتوا إلى خريطة الطريق، وكأنها عصا موسى، وموسى براء من أمة ضاعت وضيعت، واعتنقت فكرة الطوفان كحل والتطرف وسيلة لانتزاع الحل.. خريطة طريق، مشوهة بالدم، ملوثة بصرخة الذين قضوا جراء العنف والعنف المضاد.. خريطة طريق موسومة، بالغموض، لأنها بلا خطوط طول أو عرض، خريطة طريق مشحونة بالصخور، والجبال الشاهقة، والمحيطات الهائجة، ولكن المعسرين، يصرون على الاتكاء على الفراغ، والبحث عن اللؤلؤة المفقودة، من تحت الركام، وبين الزحام، ولا جدوى، ولا فائدة، سوى زكام المراحل المبثورة، والزمن الرديء، والنفوس المشوبة بالأنانية والبغضاء والحقد.. وبين خريطة طريق وأخرى تذهب ضحايا وينكسر وجدان وتتقهقر أوطان، ويفقد الإنسان معنى الإنسانية، والعالم يتفرج، ويضحك لأنه عالم لا يحترم إلا الأقوياء والذين يحبون أوطانهم بشرف.. والشرف في بلدان الثورات شيء من الخرافة.. أو الخدعة البصرية.


Uae88999@gmail.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء