صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

المحبطون في الأرض

المحبطون كائنات مفلسة، جف معينها واكتسحت الرمال أرضها الزراعية، وطغى الملح على تربتها، وانهالت عليها أحجار الليل البهيم، هؤلاء هم الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب، هؤلاء متذمرون ساخطون، منقبضون، مكتئبون، سوداويون، عابسون مكفهرون، يمضغون قراطيس الذكريات البالية، ويلوكون لبان الأحزان المر ويفضلون أن يعيشوا دائماً بين الحفر، وفي شقوق الأفكار المقفرة، وكهوف الخيالات البائسة، ولا يرون في الحياة غير كسوف الشمس، وخسوف القمر، وحتوف الصور الباهتة، هؤلاء لا يعرفون الحب، وهؤلاء يقطنون خارج نطاق النجمة المبهرة داخل محارة الأسى، هؤلاء يعانون من أنيميا ثقافية، ما يجعلهم يرفضون الاقتراب من ضوء الشمس، ولا يحفلون بالآخر، لكونه لا يشكل بالنسبة لهم إلا نصلاً حاداً يخشون من وضع اليد على حده. هؤلاء جاؤوا من مناطق نائية من خريطة الماضي، ويريدون أن يثبتوا أقدامهم على كرة أرضية لا تتحرك خشية الوقوع، أو هكذا يعتقدون، أن حركة الأرض مساوية لحركة العالم، وبالتالي هم متوجسون، جفلون، واهمون، مطاردون من الداخل من قبل عقل باطن مشحون بالهواجس مفعم بالأشباح، مكتنز بالصور الرهيبة. هؤلاء أشخاص لا يستطيعون أن يذهبوا مع الركب إلى حيث منابع العذوبة، هؤلاء، لا يمكنهم المشي من دون التلفت خوفاً من أن تلاحقهم عيون الناس، هؤلاء يخافون من الآخر، ولا يتجرأون الوقوف معه وجهاً لوجه، فهم يرون في هذا الآخر وحشاً كاسراً، سوف ينشب مخالبه في أعناقهم، والآخر الذي يخافونه هو عقلهم الباطن، هو ذلك اللاشعور المهيمن على مشاعرهم، هو ذلك اللاوعي المسيطر على كيانهم المستولي على حاضرهم ومستقبلهم، بعد أن سطا على ماضيهم. كل هذا يحدث لفئة من الناس التي تصبح عائقاً في طريق التقدم، وتصير أسلاكاً شائكة تعرقل الآخرين الذين يشتركون معهم في المكان والزمان. المحبطون، طحالب تلتصق في ألواح مراكب السفر، فتعيق طموحاتها في شق طريقها نحو الأفق البعيد، المحبطون، أعشاب شوكية وخازة، تمنع الحطابون من جني الثمار، من غابة الحياة، المحبطون غبار سام يمنع التنفس ويحرق الصدور، بسعار الهواء الملوث. المحبطون ماء ضحل غير صالح للشرب، ولا حتى لغسل المواعين. المحبطون يشيعون حالة من الوباء المدمر في أي مكان يحلون فيه، لأنهم لا يملكون غير الزفير المضمخ برائحة الكافور، وهذا لا يصلح إلا لأكفان الموتى، والمجتمعات تريد الحياة، الناس يحبون أن يعيشوا خارج الدوائر المغلقة، بعيداً عن ضجيج الأحزان التاريخية، والبؤس المؤبد، وإذا كان الموت حطاباً، فالغابة خالدة.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء