وجهات نظر

هل من عودة للمشروع النهضوي؟!





يعيش الوطن العربي في حقل من الصراع الدامي، إضافة إلى ظهور حالة من الاضطراب والهلع، وهو ما يعيد مجدداً التساؤل المرير بل الملفّع بالدماء والكآبة: هل وصل الوطن العربي إلى نقطة الحسم، التي تعني الكثير الخطير، في منظور الفلسفة السياسية والدراسات التاريخية المجتمعية؟! وعلى سبيل توسيع الرؤية التاريخية المنهجية، يطرح الأمر نفسه وكأنه تذكر للمشكلة العظمى، التي كانت تظهر في مراحل معينة، كإشارة إلى نهاية الدورة الكونية وبداية دورة أخرى لا يُدرى كيف ستضبط بكيفية دقيقة صارمة، ونعني بداية العالم «الآخر»، عالم الدمار والنفاق والاحتضار! ولعلنا نضيف إلى ذلك أن هذا الذي يحدث الآن يبدو وكأنه «خاص» بالشعوب العربية أولاً وبعالم الإسلام ثانياً، بمثابته عالماً يسعى «الآخرون» إلى تحويله لفتيل نار حارقة للجميع!

وفي هذا السياق نضع يدنا على مسألة ذات أهمية قصوى، ونعني بذلك الإجابة عن التساؤل الإشكالي التالي: لماذا يبرز الموقف من الدين، لدى البعض، إشكالياً، معقداً وملتوياً وقابلاً للخديعة؟.. وبكلمة، لقد أخفق التحديث السياسي العربي تحت وطأة النظام السلطوي العربي، أي «الدولة السلطوية» في كثير من الحالات.

لقد ودّعنا القرن التاسع عشر، وعشنا القرن العشرين بمثابته امتداداً له، والأول كان شاهداً على سؤال النهضة الحديثة بأسئلتها الشائكة، ولكنْ اللامعة والمثيرة، والثاني أسّس لفكّ الأواصر بين الاثنين: النهضة وأسئلتها، بفعل الاستعمار الغربي ومؤسساته الاستشراقية خصوصاً. فكمْ كان القرن التاسع عشر مبنياً للنهوض والتنوير، وموطِّئاً لمشروع عربي يملك بعض جدارته، إلى أن راح الغرب الاستعماري يشكك في ذلك، أي يعيقه بعوامل من الداخل العربي، وخصوصاً ما راح يُغرس في عقول النهضويين العرب من إيديولوجيات غربية تحت راية «الاستشراق». وقد أفضت مرحلة الاستعمار إلى ربط الفكر العربي بـ«الغرب» ومقولات «الاستشراق»، الذي سيعلن على الملأ موت حصيلة الغرس إياه.. والسؤال: لماذا، وما الفواعل الكامنة وراء ذلك؟

للإجابة عن هذا التساؤل نرى أنه وفق البنية الإيديولوجية للغرب الاستشراقي نفسه، كان من المحتمل أن يسد الأبواب على الشعوب «الأخرى- المتخلفة» برأيه، بقدر ما كان ينطلق من نزعته العرقية، التي جعلته «يؤسس» لمفاهيم عالم جديد: التقدم والحداثة والتفرّد وامتلاك الزمن والمستقبل، في هذه الحاضنة التي جسّدت أكثر الإيديولوجيات الثقافية ظلامية وعرقية، حتى حينه، وقد صاغ الشاعر الإنجليزي كيبلنغ قصيدته الشهيرة التي يرى فيها ما عممّته الأيديولوجيات المذكورة، حين قال إن: الشرق شرق، والغرب غرب، ولا يلتقيان!

وفي مقالة لي هنا في صحيفة «الاتحاد» بعنوان: «بين الحرية والاستبداد» (نُشرت في 5-4-2011)، أشرتُ إلى أن «الحروب الصليبية» كانت إحدى مرجعيات تلك المقولة العنصرية الفاسدة، مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة تتمثل بـ«الثلاثية» التالية: التخلف البيولوجي، والاضطراب الدائم الفاعل، والقصور الدائم. وإذا كنا في حينه، قد تحدثنا عن حال العالم العربي «بين الحرية والاستبداد»، فإننا الآن نرى أن «الدائرة» تكاد تكون قد اكتملت. فالعنوان المذكور لتلك المقالة انضاف إليه ما كان خبيئاً بقدر ما، وقد أصبح واضحاً كالشمس عبر التشخصات الأخرى، مثل حمّى الطائفية ليس الإيرانية فحسب، بل كذلك العربية في بعض الأحيان، وهيمنة قانون الاستبداد الرباعي، وبيْع الأوطان للأغيار الأجانب، والعودة إلى الشيعية الفارسية، والتهجير الكوني للنساء والأطفال والشباب، وظهور «داعش» بمثابته رمزاً عالمياً للإرهاب، وهيمنة «الدولة السلطوية»، واشتعال الحروب الكونية وبالوكالة، وقبرْ المشروع العربي النهضوي الديمقراطي.. الخ..

لقد فُرّط بكل أحلام النهوض الوطني والقومي، وها هي تخاطبنا «من وراء حجاب» أن انهضوا وعودوا إلى شرفكم، فهو وحده الذي يمنحكم قرار الوجود الكوني، أو ابحثوا عن مسوّغات تسمح باستمرار وجودكم! لقد فرّطتم بالكرامة البشرية، التي تجعل البشر بشراً، وتسمّى البشر بمسمياتهم، وتخلع الحجاب عمّا اقتُـرف اليوم من العار ما يعادل كل ما حدث في التاريخ.

--------------

* أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟