وجهات نظر

احتفاء البشرية بطفولتها العراقية

كم تشبه حياتنا حكايات الأساطير السومرية، براءات طفولتنا، وشيطنة مراهقتنا، وأول قصص الحب، وسذاجة فتياتنا اللعوبات، يتطلعن بفضول، كما في أحيائنا الشعبية، من سطوح المنازل إلى الاستعدادات الجارية للفرح، ولا يعرفن أنه عرسهن. «إنانا» بطلة أقدم الأساطير في التاريخ تثير فضولها أحجار كريمة يجلبها «تموز» لشراء منزل فتسأله: لمن المنزل، فيخبرها: إنه منزل عرسنا، فتبتهج بزواج «من تحب، بقامته الممشوقة ولحيته الفاتنة». وتبدأ «غوايات النساء» قبل العرس، وخلاله وبعده، يراودها فتطرده، «إنها فتاة محترمة، وليست فاسقة من بنات الشوارع»، وكما حدث لمعظمنا يمر الزواج بمراحل مختلفة، وتقتحمه كوابيس حروب كونية، شهدها العراق والمنطقة والعالم. وكأن أفلام الرعب السينمائية عن الأكوان المجهولة وصور مخلوقاتها الرهيبة منقولة حرفياً، ومستنسخة عن الرسوم السومرية المرفقة بنصوص الأسطورة، وتداخلات أحداثها، وتغيرات مصائر أبطالها، وصراعاتهم، وتناقضاتهم.

وفي الأسطورة «إنانا» ملكة السماء، وملكة الضياء، والحب، والحياة، والخصب، تنزل إلى العالم السفلي لتحرير زوجها الحبيب «تموز» الذي أسرته شقيقتها وعدوتها اللدود «أريشكيغال» ملكة الظلام والكرب والموت. وتتزين «إنانا» بأرديتها الملكية وجواهرها، وتحمل صولجانها، وتطرق بوابة «أرض الصّد ما رَدْ»، كما يقول حارس البوابة، ويقوله العراقيون حتى اليوم، مدّعية المشاركة في مراسيم دفن زوج شقيقتها التي تلطم كالعراقيات الثكالى فخذها، وتأمر حارس بوابات العالم السفلى السبع أن يجردها عند كل بوابة قطعةً من أرديتها الملكية. وتنصاع «إنانا» للمعاملة المهينة، وتدخل عارية على أختها التي تأمر بقتلها، وتحويلها إلى «قطعة لحم نتنة معلقة بالخطاف».

«صاموئيل كريمر»، أشهر علماء الآثار المختصين بالحضارة السومرية، يروي في كتابه المثير «إنانا ملكة السماء والأرض»، قصةَ تدخل «رب الأرباب» (آنو) لبعث الحياة في ابنته «إنانا»، حسب الأسطورة التي عُثر عليها نحو عام 1750، وتقاسمها الباحثون الأتراك والأميركيون. ويتابع «كريمر» تجميع مدونات الأسطورة في الألواح الطينية التي بقيت مدفونة ومنسية تحت الأرض نحو أربعة آلاف عام في أطلال «نيبور»، المركز الثقافي والديني للحضارة السومرية جنوب العراق.

لكن لماذا تحتفي البشرية بالأساطير السومرية؟ «صفاء أبو سدير»، كبير معدِّي الأخبار في «بي بي سي» (لندن)، يجد نفسه وسط مجموعة «بوذية» تسرد الأسطورة السومرية باستخدام خيال الظل والدمى، ومشاركة الحاضرين في ترديد أغان، وحوارات الأسطورة كنوع من الطقس التطهري البوذي، ويكتب «أبو سدير» في صفحته على «فيسبوك» إن «للأسطورة قوة تأثير إنسانية كبيرة تستمدها من قوة الخيال فيها، والتحرر من قوانين الزمان والمكان، وإلا فما الذي يدعو بريطانيين، أو من جنسيات عالمية أخرى يعتنقون البوذية، إلى استحضار أسطورة سومرية وتجسيدها بصورة أقرب إلى الطقس الديني؟».

الافتتان العالمي بأسطورة «إنانا» قديم قدم الأسطورة نفسها، التي تؤرخ لأكبر انقلاب في تاريخ البشرية، من نمط الصيد والرعي إلى الزراعة وبناء المستوطنات السكنية والقرى وأول المدن والإمبراطوريات في التاريخ.

وطفولة الحضارة البشرية عراقية. تفاصيل ذلك في كتاب «كريمر» المشهور، «التاريخ يبدأ في سومر»، حيث ولدت أول القوانين، وأول أنظمة الحكم والضرائب، وأول التعليم والفلسفة والأخلاق، وأول كتابة مدونة، وأول أغان عاطفية تضاهي بروعتها وجمالها وجرأتها أشهر الأغاني.

«الراعي الذي يملك الكثير لن أتزوجه، أنا العذراء سأتزوج الفلاح، الفلاح الذي يجعل المزروعات تنمو وفيرة، الفلاح الذي يجعل الحبوب تنمو بوفرة»، وتتعرش النباتات حُبَّ «إنانا» و«تموز»: «ليلة أمس كنت، أنا الملكة، أشرق بالضياء، وكنت مشرقة بالضياء أرقص، وأغني مباركة الليل القادم، وسيدي تموز متهيئ، والنباتات والأعشاب في حقله استوت. آه يا تموز، امتلاؤك سعادتي».

الكاتب

شارك برأيك

 هل تعتقد أن إعلان ترامب حول القدس وضع نهاية للدور الأمريكي في عملية السلام؟

هل تعتقد أن إعلان ترامب حول القدس وضع نهاية للدور الأمريكي في عملية السلام؟