وجهات نظر

حنين الأماكن لأهلها

«هناك أمكنة تُعّلِمُ، وتعطي دروساً، أمكنة تشفُّ ألوان الأزمنة التي مرت عليها وتركت فيها أسرارها، أمكنة ظلت قابعة في داخلي كأنها سر ثمين، ولم أرجُ منها غير التعلم والنضج وسد حاجاتي الأولية، أمكنة فيها شيء من بغداد التي سجلتها في طابو خيالي باسمي، جميلة تلهم وتهيّج جنون الإنتاج، جمالها ذكرى تقلق وتؤرق. وجع جميل». هكذا يمرق المهندس المعماري العراقي «معاذ الألوسي» عبر ثمانين عاماً من عمره في كتابه «توبوس» منذ لحظة ميلاده في محلة «رأس الكنيسة» في قلب بغداد، على يد القابلة «سليمة»، ورعاية الصبية «سويدة» أول ربيبة في حياته، المحظوظة بـ«ربيبات» من مختلف البلدان.

و«أنا منسوج من بغداد، وها أنا أرتّق وأعيد النسيج مع الألم، مع عدم الاعتراف الجدي بأي بديل عن مدينتي، وأي بديل عما أحببته فيها». وكتاب «توبوس» - التي تعني باللغة اليونانية المكان المسجل بالطابو - دليل حميمي لمعالم بغداد التاريخية والمعمارية والأهلية. «وبغداد عندي على طارف لساني، على البال أينما حللت، كل متعة تذكرني بها، كل تلذذ يذكرني بلذة بغدادية قديمة». ولا يسرد «الألوسي» الذكريات بل يعيشها، ويناقش أحداثها، ويخاصمها، يذكر بعضها فرحاً، ويأسى لبعض، ويشتم أخرى.

وكل مهندس حقيقي شاعر حقيقي. و«الألوسي» يعيش الشعر في أبنية يصممها، وبلدان يسكن إليها، وفي أنماط حياة، وأكل، وشرب، وصداقات، وغراميات. وذاكرته هندسية خارقة في استعادة تفاصيل مشاهد وأشخاص وأحداث، وحتى وجبات طعام، في بلدان، ومدن، عاشها، وشاد أبنية فيها، وصوّرها فوتوغرافياً، في العراق، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، ولبنان، وتركيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليونان، وأرمينيا، وقبرص، حيث يعيش في مدينة «ليماسول» للثلاثين عاماً الأخيرة.

وذخيرة «الألوسي» الثقافية والمعمارية موسوعة أممية، حيث درس في جامعات تركية وألمانية، وكلية «أي أي» البريطانية الشهيرة. والكتاب زاخر بأسماء وحكايات عن عشرات الأشخاص، خصوصاً مدرسيه، يذكرهم بالعرفان، ويتحدث عنهم بظرف بغدادي سمح، دون تعالٍ، أو ترفع، ولا ادّعاء، أو فخر، أو خطابية، تشحن نفسها بالغيض كي تنطق. فهو يتحدث عن الأماكن كأقرباء «خالتي بيروت، وأمي بغداد». وصوره الفوتوغرافية تغطي العراق، من البصرة و«أم الخصيب»، جنوباً، وحتى «سولاف»، و«بنجوين»، و«صلاح الدين» والقرى النائية شمال العراق. ولا يبني «الألوسي» للحصول على زبائن، بل يحصل على زبائن ليبني. «الطرف الآخر الذي ندعوه بالزبون هو الأخ الإنسان، وهو الجمال بعينه، يعاند لكنه قابل للمفاوضة، جميل عندما يريد أو لا يريد. القباحة توجد دائماً في العمل الغث السيئ، في سوء النية والكذب والصلافة والظلم والقسوة والاضطهاد».

وسألتُ مرة «زهاء حديد» عن أهم ما ورثته من بغداد فقالت حكاية القصص التي أرويها بتصاميمي المعمارية. وحكايات «الألوسي» تنساب كمياه دجلة في بغداد، حيث «النهر هو الذي ينسّق ما بين الطابع المعماري للبيوت وامتداداتها وتجاوزها، فهو أشبه بالمايسترو الذي يقود فرقة سمفونية، ويضم الأجزاء والنسيج المعماري في كل متلون. تمتد جميع دور المنطقة لأكثر من كيلومتر ونصف طولاً، على امتداد جريانه وفضائه المترامي، وانعكاسات الضوء على سطحه. ومثل ما أن للنهر هنا سلطة عليا، ومناخاً مهيمناً، إلاّ أن الحس الجمعي وعناصر الذوق والتناغم والأناقة البغدادية كانت تهيمن على القيم التصميمية للنسيج كله».

وفي أماكن «ألف ليله وليله» يعيش البغداديون قصصها الطريفة، التي فتح «الألوسي» عينيه عليها، كحادث اختفاء ابن عمته «نيازي» أثناء لعبة «الاختباء» على سطح حمام نساء مُقّبَب. «بحثنا عنه ولم نجد له أثراً، إلى أن اكتشفنا أنه سقط من إحدى القباب بعد تهشم الزجاج الذي ضغط عليه بجسمه للاختباء. ولحسن حظه سقط في حضن إحدى المستحمات السمينات التي فوجئت بالحدث وراحت تصرخ».

الكاتب

شارك برأيك

 هل تعتقد أن إعلان ترامب حول القدس وضع نهاية للدور الأمريكي في عملية السلام؟

هل تعتقد أن إعلان ترامب حول القدس وضع نهاية للدور الأمريكي في عملية السلام؟