وجهات نظر

ملتقى الفجيرة.. وإعلام «لمح البصر»

تواصل «ملتقى الفجيرة الإعلامي الثامن» على مدى يومي 24 و25 أكتوبر المنصرم، الذي تُنظمه «هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام» بعنوان: «وسائل التواصل بين السلب والإيجاب». تراوحت الآراء فيه بين أقصى التفاؤل وأقصى التشاؤم، فبفضل تكنولوجيا التواصل الاجتماعي أصبح بإمكان أي إنسان أن يكون له ما كان محتكراً من قبِل الدول والأحزاب، والخطورة أن الفكرة، مهما كانت، تجتاز الآفاق بطرفة عين، في الوقت الذي كانت لا تُنشر، في صحيفة أو إذاعة، إلا بعد البت بصلاحيتها. غير أن أكثر المخاوف التي قُدمت في الملتقى المذكور هو ما عُبر عنه بـ«الغزو الثقافي»، وكأن منطقتنا لم تعد جزءاً من العالم وقد أصبح قريةً كبيرةً، والعبارة لقائلها: «والكون أصغر والمسافة أقصرُ».

تَشعرُ عند المشاركين في المنتديات الإعلامية، التي تعرضت لوسائل التواصل الاجتماعي، انبهاراً بهذه الصناعة، فمن المعلوم أنها تكنولوجيا لا علاقة لنا بإنتاجها، وهذا ينطبق على التكنولوجيا كافة، لكن لم يتعرض أي نوع منها للجدل مثل وسائل التواصل الاجتماعي التي قلبت الطاولة على الوسائل التقليدية، مع سرعة التجديد فيها، فلم يعش الفاكس متفرداً إلا بضع سنوات، ليظهر سكايب، وفيسبوك، وتويتر، وواتساب، ثم الانستكرام، فاسنابشات، وسيأتي ما هو أعجب.

كان ما حققته التكنولوجيا مجرد أحلام في ذهن الإنسان، حَلم باستخدام الريح والفضاء، ويومها عندما حاول اللغوي إسماعيل الجوهري (ت 396هـ) الطيران نُعت بالجنون، فقيل أصابت عقله لوثة، لأنه أتى بأمر غريب على عصره، ولما كان معجمه «الصحاح» أحد أبرز مفاخر التأليف، ختم حياته بمحاولة ظنها مفخرةً أيضاً: شدَّ على ذراعيه جناحين من خشب ورمى بنفسه من علوٍ، وقال: «أيها الناس، إني عملتُ في الدنيا شيئاً لم أُسْبَق إليه، فسأعمل للآخرة أمراً لم أُسبق إليه. وضمَّ إلى جنبيه مصراعي بابٍ وسَّطَهما بحبلٍ، وصعد مكاناً عالياً من الجامع، وزعم أنه يطير، فوقع فمات» (الحموي، معجم الأدباء).

كان مكان نشاط الملتقى الإعلامي مطلاً على قلعة الفجيرة التاريخية، وسلسة الجبال، ومسجدها الجميل (مسجد الشيخ زايد) المبني على الطراز العثماني، إلى جانب سلسة من الأبراج والعمائر الحديثة. كم تشبه إمارة الفجيرة مدينة عدن، ساحل بحر تشرف عليه جبال غير ذي زرع؟! ومع ذلك لا تخلو من جمال الوديان وزخارف الكهوف. كان الشبه محسوساً، لمَن عرف المدينتين، فالجبال شكلت قوساً حولهما، وتنتصب على طرفيهما قلعتان تاريخيتان: صيرة، والفجيرة، والأخيرة شكلت تاريخ الإمارة السياسي منذ نحو خمسمئة عام. شُيدت كدار حكم، وحصناً من غزاة البحر، حكمها آل الشرقي قديماً وحديثاً، ونهضوا بها مع نهضة دولة الإمارات، والتي بدأت مجتمعة منذ عام التأسيس (1971). انفردت الفجيرة، من دون شقيقاتها الست المطلة على الخليج العربي، بإطلالتها على خليج عُمان. تتخلل وديانها وسفوح جبالها قرى حديثة، مع مزارع للنخيل متفرقة، وشق الطرقات وتشييد العمائر مستمر على سفوحها.

ولعل «دبا» التي وردت عند محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) هي دبا الفُجَيرة نفسها، التي تقع في طرفها على البحر، بعيداً عن مركز المدينة بنحو ثلاثين كيلو متراً، حيث وقوع معركة فاصلة في عام (11/12هـ)، فالوصف ينطبق عليها، وورد: «ودبا هي المَصرُ والسُّوق العظمى» (تاريخ الأُمم والملوك). وذكرها ياقوت الحموي (ت 626هـ) في معجمه بعبارة مقتضبة «الفُجَيرة.. اسم موضع»، ولم يزد، على أن الاسم نُحت من انفجار عيون الماء وسط جبالها القاحلة. تجمع طبيعتها بين الجبل والبحر، وامتداد قليل إلى الصحراء، تحافظ على هدوء مريح، بعيداً عن صخب المدينة وسكون القرية، تشعر بوداعة أهلها وتواضعهم.

أمام هذا المشهد احتدم النقاش وبحماس بين متفائلين بإعلام جديد كاسح، ومتشائمين من زوال الإعلام التقليدي، لكن الفريقين لم يدركا أنهما أمام ظاهرة لا يملكان الزيادة أو النقصان فيها، ومن يخشى الغزو الثقافي عبرها، أقرب له تغيير مجاري أنهار الأرض، من أن يمنعها ويعتزل العالم. إنه عصر «لمحة البصر»، ظل في مخيلتنا ومخيلة أجدادنا مرتبطاً بفعل الجان، وإذا بالتكنولوجيا تجعله واقعاً من فعل الإنسان.

ها هي تكنولوجيا التواصل الاجتماعي تحقق حلمَ «هدبة بن الخشرم» (توفي نحو 50هـ)، باستخدام الريح لإيصال الخبر، كإعلام «لمحة البصر»، فهو القائل: «ألا ليتَ الرياح مُسخراتُ/ بحاجتنا تُباكرُ أو تؤوبُ/ فتخبرنا الشِّمال إذا أتتنا/ وتخبر أهلنا عنا الجنوبُ »(البغدادي، خزانة الأدب). حلمنا وحققوا حِلمنا، بصحوة استبدل بها خطاب العلم بخطاب الحرب بين الأديان والمذاهب. أما صحوة شرقنا، التي أعطت ثمارها علقماً في حوادث (1979)، فعادت بنا إلى الوراء بلمحة بصر أيضاً، صحويون يريدون استخدام أرقى ما توصل إليه عقل الإنسان، ولكن بشرط غفوتنا!

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟