تقارير

العودة الثانية لسيلفيو برلسكوني!

تميزت الحياة السياسية لسيلفيو برلسكوني بالسريالية الدائمة، ولكن ربما لم يظهر ذلك من قبل مثلما يظهر الآن. فمع الاقتراب الوشيك، لموعد الانتخابات العامة في إيطاليا في الرابع من مارس القادم، نرى رئيس الوزراء السابق، البالغ من العمر 81 عاماً، الذي يمكن القول إنه هو -تقريباً- مخترع الشعبوية الحديثة في الغرب، وهو يقدم نفسه على أنه سياسي معتدل للغاية، وليس فقط مناوئاً للشعبوية، وإنما هو أيضاً مؤيد عالي الصوت لأوروبا! وليس فقط ليبرالياً صاحب وعي اجتماعي، وإنما هو أيضاً رجل من محبي الحيوانات! رجل أبعد ما يكون عن الوصف الذي نعت به أكثر من مرة، وهو أنه قد «انتهى سياسياً»، حيث ينظر إليه الآن، على أنه مرشح بقوة للفوز في الانتخابات الإيطالية القادمة.
وكل هذا قد يبدو غريباً لكل من درس الحياة السياسية والعملية لهذا الرجل على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، أي فترة ربع قرن تقريباً. ثم، ألم يكن هو، في الأساس، الرجل الذي كتب «الكتالوج المناهض للمؤسسة» الذي يسير الرئيس دونالد ترامب على نهجه؟
أوليس برلسكوني هو أيضاً الرجل الذي أنشأ حزباً من لا شيء في عام 1994، مستنداً إلى سلسلة من الحملات الانتخابية، التي صاغها حول رسالة تقوم على تحدي الأعراف، ونقد سياسات ما بعد الحرب الباردة، ومناوأة الحزبية. والربط بين ذلك كله، وبين نجاحه الشخصي كرجل أعمال، ورائد رياضي، وعبقريته كشخصية تلفزيونية. ولم يكتف بهذا فحسب، بل كانت له وصفاته السياسية والاقتصادية التي لا تقل عن سيرته إثارة للجدل، وقد بشر بوصفة مكونة من خليط من الضرائب المنخفضة، وتقليص حجم الحكومة، وأيضاً بما يتمتع به كزعيم من كاريزما شخصية، وسلطة.
وعصر برلسكوني، الذى انقسم بشأنه الإيطاليون، وحير الأجانب، امتد من عام 1994 وحتى عام 2011، ويمكن أن يوصف بأي شيء آخر سوى بأنه عهد معتدل. ويبدو ذلك بوضوح في نشوب العديد من الفضائح السياسية، والمتاعب القانونية التي واجهها برلسكوني، والاتهامات التي وجهت إليه، والتي تتراوح بين الفساد، وإقامة علاقة مع فتيات قاصرات. وكان عدم الاعتدال هذا واضحاً أيضاً في علاقاته المتوترة مع نظرائه في أوروبا، الذين لم يكونوا مفتونين بأسلوب إدارته لاقتصاد بلاده بعد الأزمة المالية العالمية التي بدأت في نوفمبر 2008.
قد يكون تحول برلسكوني، جزئياً على الأقل، قد جاء في فترة متأخرة من الحياة باتجاه المواءمة السياسية، وربما يكون أيضاً تحرراً، في نهاية المطاف، من بعض جوانب شخصيته الجامحة والنارية، ولكنّ ما لاشك فيه هو أنه يمثل أيضاً أحدث تعبير عن فطنته وحنكته التكتيكية. فقد استفاد ذات مرة من الاستخفاف بمؤسسة الاتحاد الأوروبي، ولكنه الآن يرى ميزة في التودد إلى «البيروقراطيين» في بروكسل. وهو يقدم نفسه اليوم كرجل معتدل، لأنه أدرك أن توجهات السياسة الإيطالية ذاتها، قد تغيرت.
وفي التسعينيات، كان برلسكوني، جنباً إلى جنب مع ساسة حزب «رابطة الشمال» الإقليمي، هما الشعبويون الحقيقيون الوحيدون في البلاد. أما الآن، فقد جرى تطويق برلسكوني، من قبل سلسلة جديدة كاملة من الحركات المناوئة للسياسة، أقواها «حركة الخمسة نجوم» وهي عبارة عن تجمع ينشط عبر الإنترنت، ويتكون، بشكل رئيس، من الشبان الذين لم تسبق لهم المشاركة في الحياة السياسية من قبل. وهذه الحركة التي يقودها الممثل الكوميدي السابق «بيبي جريلو» نجحت في استثمار السخط الذي يشعر به كثير من الإيطاليين تجاه الطريقة التي كانوا يُحكمون بها، وقد استعارت أساليب برلسكوني الشعبوية، وعملت على تحديث تكتيكاته.
ولكن في حين شق برلسكوني طريقه إلى السلطة باعتباره أحد أساتذة فن توظيف التلفزيون، نرى أن حركة «الخمسة نجوم»، تستخدم الإنترنت كوسيلة دعاية أساسية. ويضاف إلى ذلك أن هذه الحركة مناوئة للسياسة، بمفهومها التقليدي، على نحو أقوى بكثير مما كان عليه حال برلسكوني في السابق. وهي تدعي أنها لا تنتمي إلى اليسار أو اليمين، وأنها ترفض جميع التحالفات السياسية من الأساس.
وفي الوقت الراهن يقول برلسكوني للجميع، إنه يمثل الحصن الحقيقي الوحيد ضد انتصار حركة «الخمسة نجوم»، الذي من شأنه إذا ما تحقق فعلاً أن يسبب مصدر قلق لبقية دول أوروبا، نظراً لسجل الحركة الطويل من التصريحات المناوئة لأوروبا. ولعل الشخصية الأكثر دينامية، وإثارة للمخاوف، في السياسة الإيطالية اليوم، هي شخصية ماتيو سالفيني، زعيم «رابطة الشمال»، الذي بادر بنقل رسالة حركته السابقة من الإطار الإقليمي إلى الإطار الوطني (الذي يشمل الأمة ككل)، مع التركيز بشكل خاص على النفخ في كير الدعاية المتشددة، بل والمتطرفة، ضد الهجرة، وهو ما يلقى قبولاً من جانب بعض الإيطاليين، الذين يشعرون بالإحباط لأن بلدهم، نظراً لحدوده الطويلة على البحر الأبيض المتوسط، يتحمل لوحده وطأة أزمة دفق الهجرة المتواصل من سوريا ودول أفريقيا.
وكون برلسكوني يستفيد الآن من خلال المقارنة بين اعتداله وبين صعود الفاشيين الجدد، أمر مثير في الحقيقة، لأنه كان هو أول زعيم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، يعيد تأهيلهم خلال التسعينيات. ولكن يبدو أيضاً أنه قد حسب الآن حساباته جيداً، معتمداً على أن الشعب الإيطالي سينسى -أو يغفر له على الأقل- مواقفه السابقة بدءاً من التوترات مع القادة الأوروبيين، إلى مغازلة تيار كراهية الأجانب، إذا ما قدم لهذا الشعب عدداً كافياً من الصور الجديدة على تلفزيوناته، توحي بالتزام صارم جديد بمواقف أخرى عكس مواقفه الحقيقية.
لقد فهم برلسكوني طبيعة التحالفات السياسية دائماً، ونجح في تعظيم فرصه مرة أخرى، بأدنى جهد ممكن، استعداداً للانتخابات القادمة. ولكن ربما يلزم هنا أن نكون حذرين هذه المرة. فمن المستبعد أن يشغل برلسكوني منصب رئيس الوزراء مرة أخرى، أو حتى المنصب البروتوكولي للرئيس الإيطالي، لأن شخصيته المثيرة للانقسام قد تحول دون ذلك، ولأنه أيضاً ما زال يحمل على عاتقة الكثير من الأوزار الشخصية، والتبعات القضائية.
وعلى رغم أن تحالف برلسكوني قد يتقدم في الانتخابات، إلا أن النظام الانتخابي الجديد في إيطاليا مصمم لتحقيق نتيجتين رئيسيتين. الأولى، من المؤكد تقريباً أن هذا النظام سيحرص على إبعاد حركة «الخمسة نجوم» من السلطة. فهذه الحركة ستكون في حاجة إلى تحقيق نتيجة استثنائية في الانتخابات، وهو أمر صعب للغاية نظراً لعدم وجود حلفاء لها. والنتيجة الثانية هي احتمال عدم فوز أحد، بشكل حاسم، في الانتخابات.
وهناك بالطبع احتمال أن يفوز ائتلاف برلسكوني في الانتخابات، ولكن من المستبعد جداً أن يفوز بما يكفي من المقاعد لكي يتولى الحكم وحده، وهو أمر يتماشى مع الوضع القائم في أوروبا، بشكل عام، حيث تحكم عادة ائتلافات أحزاب. وفي إيطاليا، ستكون هناك حاجة للدخول في ائتلاف، مع الحزب الديمقراطي المعتدل (الذي عانى سلسلة من الانقسامات)، على الأرجح. وتدل استطلاعات الرأي تدل أن الأصوات التي سيحصل عليها حزب برلسكوني في صناديق الاقتراع قد تكون في حدود 17 فى المئة فقط، وهي نسبة بعيدة كل البعد عن النسب المذهلة التي حصل عليها في التسعينيات، وفي عقد الألفية.
ومن الواضح كذلك، أن موقفه «المعتدل» الجديد ليس صادقاً تماماً. فمن المعروف أن برلسكونى كان قادراً دائماً على أن يقولب نفسه وخطابه مع المزاج العام للناخبين، وهذا ما يفعله هذه المرة أيضاً، حيث يقدم سلسلة من الوعود الانتخابية في برنامجه الحالي للإيطاليين الذين تعبو ا من التقشف، والخصخصة، والتخفيضات.
والسؤال، أخيراً: هل سيتمكن برلسكوني من تحقيق وعوده؟ بالطبع لا. فهو لم يفِ بأية وعود من قبل. ولكن، بمعنى من المعاني، ربما لا يكون هذا مهماً في حد ذاته الآن. فبالنسبة لبرلسكوني، وطيف من الطبقة السياسية الإيطالية الأوسع نطاقاً، فالشيء المهم، كان على الدوام هو التمسك بالسلطة، أي السلطة من أجل السلطة ولا شيء غيرها. وفي هذه الجزئية، على الأقل، أثبت بعض السياسيين الإيطاليين كفاءة عالية، عبر السنين.

* أستاذ التاريخ الإيطالي الحديث
بجامعة بريستول
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»