الاقتصادي

الشركات تعيد التفكير في التعهيد

بعد أن تقلص إنتاج الكمبيوترات الشخصية في أميركا على مدى الثلاثين سنة الماضية وتركزت معظم صناعات الكمبيوترات المحمولة في آسيا، وبعد إغلاق شركة «ديل» لاثنين من أكبر المصانع في أميركا في العامين 2008 و2010، يشير المصنع الجديد للكمبيوترات الشخصية في ولاية كارولينا الشمالية، إلى عودة أميركا لهذا النشاط مرة أخرى.
ولا تعود ملكية المصنع لشركة أميركية، بل يتبع لشركة «لينوفو» الصينية التي تُعد الآن أكبر شركة لصناعة الكمبيوتر الشخصي وأسرعها نمواً في العالم. وتمثل هذه الخطوة آخر تحول في قصة العولمة التي استمرت منذ ثمانينات القرن الماضي.
وتكمن الفكرة الأساسية وراء التعهيد، في توفير الشركات الغربية ذات تكلفة العمالة المرتفعة، إلى مبالغ ضخمة من خلال تحويل نشاطاتها إلى بلدان تتميز بقلة الأجور والتكاليف الأخرى، وتعني الكلمة نقل النشاط والوظائف خارج البلد الذي يقع فيه مقر الشركة. وبعد عقود من نجاح هذا التوجه، بدأت الشركات في إعادة التفكير في وجودها الخارجي في الوقت الحالي.
وتبحث الشركات في الوقت الحالي عن البقاء بالقرب من المستهلك، لإنتاج السلع التي تناسبه وللاستجابة السريعة للطلب المحلي المتغير، بصرف النظر عن حجم التكاليف. وتعزو «لينوفو» كشركة صينية، أسباب نقل بعض منتجاتها إلى أميركا، للمقدرة على تلبية طلب المستهلك الأميركي وسرعة الاستجابة لهذا الطلب، فضلاً عن خفض تكاليف الشحن.
ومن منطلق هذا المفهوم، من المتوقع أن تجذب أميركا وأوروبا بأسواقهما الضخمة، العديد من الاستثمارات الجديدة الكبيرة. وليست شركات الدول الغربية هي الوحيدة التي تسعى لإعادة إنتاجها لأسواقها المحلية، لكن توجد موجة من شركات الأسواق الناشئة مثل «لينوفو» و»تاتا»، تبحث عن الاستثمار في العلامات التجارية وزيادة السعة وفي الأيدي العاملة الغربية.
ولم تقتصر هذه التغييرات على الصناعة فقط، بل تعدتها للخدمات أيضاً. وربما تقوم الشركات أما بتعهيد نشاطات مثل تقنية المعلومات والخدمات المكتبية على الصعيد المحلي أو العالمي، أو نقلها لفروعها في الخارج. ومن أول النشاطات التي تبدأ حركة الانتقال، مراكز الاتصال والبرمجة ومراكز إدارة البيانات، تتبعها نشاطات أكثر تعقيداً مثل التشخيصات الطبية وتحليل عمليات البنوك الاستثمارية.
وصاحب تعهيد تقنية المعلومات والخدمات المكتبية التي كانت تتم في الداخل، خيبة أمل كبيرة. كما أصبحت بعض النشاطات التي كانت تعتبر هامشية بالنسبة لأرباح الشركات مثل إدارة البيانات، رئيسية في الوقت الراهن وليس من المتوقع أن يُعهد بها لطرف ثالث.
ولم تتخلف «جنرال اليكتريك» كغيرها من الشركات، عن ركب تحويل وجهة نشاطها. ويُذكر أنها كانت من أول الشركات التي تعهد ببعض نشاطها في الخارج في تسعينات القرن الماضي، عندما أنشأت مراكز للخدمات في مقاطعة جورجاون بملكية هندية خالصة. وكانت نصف عمليات الشركة في تقنية المعلومات حتى السنة الماضية، تتم في الهند. وعند اكتشافها لفقدان الخبرات وسرعة الاستجابة، أضافت «جنرال اليكتريك» مئات المهندسين في مراكز داخل أميركا.
ووفر ذلك فرصاً كبيرة للدول الغنية وقواها العاملة، لاستعادة بعض الصناعات والنشاطات التي فقدتها خلال العقود القليلة الماضية. ومع ضيق فجوة تكاليف العمالة، لم تعد قلة الأجور في الدول الناشئة، مبرراً لخسارة البلدان المتقدمة. وعلى هذه البلدان المنافسة بحدة أكثر في عوامل أخرى غير تكاليف العمالة، مثل الخبرات المتقدمة والتدريب إضافة لتحفيز العاملين ووفرة سلاسل التوزيع والنظم الراشدة.

نقلاً عن: ذي إيكونوميست
ترجمة: حسونة الطيب