الاقتصادي

أوروبا وأميركا اللاتينية تعززان التحالف في قمة تشيلي

صورة جماعية لعدد من الرؤساء المشاركين في قمة تشيلي (رويترز)

صورة جماعية لعدد من الرؤساء المشاركين في قمة تشيلي (رويترز)

سانتياجو (رويترز، د ب أ) - يشارك نحو أربعين من قادة الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية في قمة افتتحت أول أمس في العاصمة التشيلية سانتياجو، مع طموح لإقامة شراكة «استراتيجية» بين أوروبا التي تعاني من الأزمة ومجموعة دول تريد التحدث الند للند مدفوعة بنموها الاقتصادي.
ودعا رئيس تشيلي سيباستيان بينيرا إلى تعزيز التحالف الاستراتيجي بين مجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي (سيلاك) والاتحاد الأوروبي في العاصمة سانتياجو.
وقال بينيرا «حان الوقت لبناء تحالف استراتيجي حقيقي». وأضاف «لدينا مسؤولية ضخمة ليس فقط مع بلداننا ولكن مع العالم ككل». وشاطر مسؤولو الاتحاد الأوروبي بينيرا ذلك الهدف الطموح.
وقال رئيس المجلس الأوروبي هيرمان فان رومبوي خلال مراسم افتتاح القمة «معا نستطيع إحداث فارق لمجتمعاتنا وعلى صعيد الشؤون العالمية وينبغي لنا ذلك».
وذكر رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروسو أنه «لا توجد منطقتان في العالم أقرب لبعضهما» تاريخيا وثقافيا من أوروبا وأميركا اللاتينية والكاريبي.
وفي صورة جماعية للقادة وقفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بين أقوى نساء أميركا اللاتينية رئيسة البرازيل ديلما روسيف ورئيسة الأرجنتين كريستينا فرنانديز دي كيرشنر. ووقفت ميركل مرتدية معطفها البرتقالي فيما كانت كل من روسيف وكيرشنر ترتديان الأسود.
وتجمع القمة التي تعقد تحت شعار «تحالف من أجل تنمية مستدامة: تعزيز استثمارات الجودة الاجتماعية والبيئية» في مركز إسباسيو ريسكو للمؤتمرات، قادة أو نواب القادة في 60 دولة يبلغ عدد سكانها مجتمعة 1,1 مليار نسمة وتمثل ثلث إجمالي الناتج المحلي العالمي.
وعقد قادة من بينهم ميركل ورئيس الوزراء الأسباني ماريانو راخوي وروسيف والرئيس المكسيكي إنريكي بينا نيتو اجتماعات مغلقة، لمناقشة قضايا منها التجارة والحمائية والأمن القانوني للاستثمار وسبل زيادة التعاون الاقتصادي والقدرة التنافسية.
يذكر أن هذه القمة هي السابعة بين الاتحاد الأوروبي ودول أميركا اللاتينية والكاريبي منذ عام 1999، وهي الأولى أيضا التي سيجتمع فيها قادة أميركا اللاتينية مع شركاء أوروبيين تحت مظلة مجموعة «سيلاك» التي تأسست أواخر عام 2011.
علاقات اقتصادية
وترتبط دول أميركا اللاتينية منذ فترة طويلة بعلاقات اقتصادية وثيقة مع أوروبا، التي تستثمر في هذه المنطقة أكثر من استثماراتها في الصين وروسيا والهند مجتمعة.
وكان هناك غياب واضح لبعض القادة من كلا الجانبين، حيث لم يحضر كل من رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند هذا التجمع، فيما يتعافى الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز من جراحة لإزالة ورم سرطاني ويكرس الرئيس الاكوادوري رافائيل كوريا وقته حاليا لحملة من أجل إعادة انتخابه الشهر المقبل.
وتقدم القمة فرصة نادرة لرؤية الرئيس الكوبي راؤول كاسترو، الذي لا يحب عموما مثل هذه المناسبات. ولكنه يدعم بنشاط «سيلاك» كمنتدى للأميركتين والذي يستثني الولايات المتحدة وكندا. وستتولى كوبا الرئاسة الدورية للتكتل عندما تعقد «سيلاك» قمتها الخاصة اليوم الاثنين في سنتياجو.
وهذه القمة التي اختتمت أعمالها مساء امس تتناول خصوصا الاستثمار والاندماج الاجتماعي، ومكافحة الاتجار بالمخدرات والمسائل المرتبطة بالاحتباس الحراري.
وأثناء المناقشات شدد الاتحاد الأوروبي على ضرورة تشجيع حرية التجارة والأمن القضائي بغية زيادة الاستثمارات في أميركا اللاتينية، وهو مطلب تدعمه خصوصا تشيلي وأعضاء آخرون في تحالف المحيط الهادي.
ودعت الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف التي تحادثت هذا الأسبوع مع رئيسي المجلس الأوروبي هرمان فان رومبوي والمفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو، إلى «الإسراع» في إبرام اتفاقية حرية التبادل بين الاتحاد الأوروبي ومجموعة مركوسور، السوق المشتركة لأميركا الجنوبية.
لكن رئيس الوزراء الفرنسي جان مارك ايرولت حرص من ناحيته على الطمأنة على صحة اقتصاد الاتحاد الأوروبي داعيا إلى «تعميق» العلاقات «المتوازنة» بين الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية والكاريبي.
أما على الصعيد الاقتصادي فتجد المنطقتان نفسيهما في أوضاع متغايرة. فالاتحاد الأوروبي يواجه إحدى أكبر الأزمات في تاريخه بينما تمر أميركا اللاتينية في مرحلة طويلة من النمو الاقتصادي مع تسجيل ارتفاع بنسبة 4,5% كمعدل وسطي لإجمالي الناتج الداخلي في 2010 و2012.
إلا أنهما يؤثران بطريقة مغايرة جدا على الاقتصاد العالمي، فالاتحاد الأوروبي يشكل اكبر تكتل اقتصادي في الكوكب، ما يمثل سوقا موحدة لأكثر من خمسمئة مليون نسمة أي ربع إجمالي الناتج العالمي.
وتعد أوروبا اكبر مستثمر في أميركا اللاتينية، إذ إن 43% من الاستثمار المباشر الأجنبي في دول سيلاك يأتي من الاتحاد الأوروبي (385 مليار يورو في 2010).
إلى ذلك، قرأ وزير الاتصالات الفنزويلي ارنستو فيليغاس بيانا على هامش القمة حول وضع صحة الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، جاء فيه أن الأخير «تغلب على الالتهاب الرئوي» الذي أصيب به في جهازه التنفسي اثر العملية الجراحية الرابعة التي خضع لها في هافانا، حيث يتعالج منذ اكثر من شهر ونصف الشهر لاستئصال ورم سرطاني، ويمكن أن يعود إلى كراكاس «بعد بضعة أسابيع». ومن المتوقع توجيه تحية له الاثنين وكذلك إلى الرئيس البرازيلي السابق لويس ايناسيو لولا دا سيلفا والرئيس المكسيكي السابق فيليبي كالديرون.
محادثات تجارية
حصل زعماء الاتحاد الأوروبي على وعد من الأرجنتين والبرازيل أمس الأول باستئناف المحادثات التجارية، بشأن إبرام اتفاق للتجارة الحرة يمثل جائزة كبرى لأوروبا مع خروجها من أزمة، ولكن الخلافات بشأن قضايا رئيسية تعني أن تحقيق انفراجة مازال أمرا بعيدا.
وقادت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل الأوروبيين خلال اجتماع قمة عقد في سانتياجو عاصمة تشيلي في حملة جديدة من المفاوضات مع كتلة ميركوسور التجارية لدول أميركا الجنوبية التي تضم الأرجنتين والبرازيل وباراجواي وفنزويلا واوروجواي.
ويبدو أن مثابرة ميركل آتت ثمارها بعد اجتماعها مع نظيرتيها البرازيلية والأرجنتينية وتحذيرهما من اللجوء إلى نفس نوع الإجراءات الحمائية التي أدت لتفاقم الكساد الكبير في الثلاثينيات.
وقال كاريل دي جوشت المفوض التجاري للاتحاد الأوروبي لرويترز خلال القمة إن «جهدا عظيما بذل لضخ زخم جديد في المناقشات».
وبعد خمس سنوات من الأزمة المالية العالمية ومع دخول منطقة اليورو ثاني كساد لها منذ عام 2009 يحتاج الاتحاد الأوروبي اقتصاديات أميركا اللاتينية المزدهرة. ولكن سياسات البرازيل والأرجنتين لحماية صناعاتهما المحلية تصيب الاتحاد الأوروبي بالإحباط.
واتفق الجانبان الآن على تبادل العروض بحلول نهاية العام بشأن إلى أي مدى سيكون الجانبان مستعدين لفتح قطاعات تتراوح بين الخدمات والزراعة، وقال دي جوشت إن الاتحاد الأوروبي سيرد على عروض ميركوسور بالمثل.
وقالت ميركل في اجتماع لرؤساء شركات «نحتاج لفتح الأسواق فيما يتعلق بالتجارة الحرة وليس الإجراءات الحمائية».
وبدأت المفاوضات بشأن إبرام معاهدة تجارية مع ميركوسور في التسعينيات وأعيد إطلاقها في 2010. وفي حالة نجاحها ستضم الاتفاقية 750 مليون نسمة وتجارة سنوية يبلغ حجمها 130 مليار دولار. ولكن المحادثات لم تحقق بعد تقدما حقيقيا بسبب خلافات بشأن الدعم الزراعي الأوروبي وتحركات البرازيل والأرجنتين لحماية صناعاتهما المحلية من الواردات الأرخص المصنوعة في الخارج.
ولمزيد من التعقيد أصبحت فنزويلا عضوا في ميركوسور العام الماضي. ويعد رئيسها هوجو تشافيز من المنتقدين بشدة للتجارة الحرة. في الوقت نفسه وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات للتجارة الحرة مع عدد من دول أميركا اللاتينية من بينها المكسيك وبيرو وتشيلي مما كشف النقاب عن خلاف بين المؤيدين للتجارة الحرة على الجانب المطل على المحيط الهادي في أميركا اللاتينية، والاقتصاديات الأكثر انغلاقا مثل البرازيل والأرجنتين وفنزويلا على الجانب الآخر من القارة.
وتريد أوروبا الاحتفاظ بنفوذها في منطقة قامت بغزوها قبل 500 عام، ومازالت تعد أكبر مستثمر أجنبي فيها في الوقت الذي تعزز فيه الصين استثمارها في قطاعي التعدين والطاقة.
وبعد عقود من التضخم المرتفع والأزمات المالية أصبحت الآن الأوضاع الاقتصادية لأميركا اللاتينية افضل من الأوضاع الأوروبية، ومن المتوقع أن ينمو الناتج الاقتصادي لأميركا اللاتينية بنحو 4% هذا العام في حين قد تنكمش منطقة اليورو التي تضم 17 دولة.
وذكر بنك التنمية بين الأميركتين أن إجمالي الناتج المحلي للفرد في أميركا اللاتينية قد يزيد إلى المثلين بحلول 2030، مما يعني أن أوروبا سيكون لديها مزيد من المشترين المحتملين لسياراتها وسلعها الكمالية وخدماتها المصرفية ومنتجاتها الصيدلانية.