دنيا

القطيعة والحوار بين الأجيال

تتردد أحياناً مقولة عجز كل جيل عن فهم الآخر، ويعتبر البعض أن حوار الأجيال ضرورة لملء فجوة تكبر باستمرار بين الأجيال لأن جيل الشباب يتمرد على الأكبر منه و«لا يسمع» له ولأن جيل الكبار لا يعرف كيف يخاطب الشباب. ليست هناك معايير علمية واضحة تحدّد مقدار هذه الفجوة أو المشكلة خاصة وأن تحديد وجود قطيعة أو حوار كافٍ يتعلق بالعديد من العوامل والمستويات، من الأسرة إلى البيئة الاجتماعية والثقافية (والإعلامية) وآليات التواصل ونقل المعرفة وصولاً إلى الكيان السياسي ككل. كما أن لا مجال لمقارنة موضوعية تجعلنا نقول بأن الهوة بين الأجيال تكبر أو تصغر، لأن ذلك يتطلب رصداً لفترات تاريخية متباعدة. ومع ذلك، ورغم إشكاليات المفهوم أيضاً، لا بأس من الحديث عن أهمية تعزيز الحوار بين الأجيال وأسبابه.
من المظاهر التي يستند إليها البعض في هذا المجال اعتبار مشاكل المراهقين مع الأهل مثلاً تعبيراً عن وجود فجوة بينهما، أو التأفف من «هذا الجيل» الخطير أو «المنحل» الذي لا مثيل له (أو لا يحترم أحداً، كما يتردد شعبياً أحياناً)، أو التشكّي من جيل الكبار العاجز عن استيعاب الأفكار والاتجاهات الجديدة للشباب الصاعد.
المنطق والملاحظة يسمحان بالقول إن من أهم شروط الحوار الصحي بين الأجيال إتاحة بيئة حاضنة له ووجود ثقافة تؤمن بأن التغيرات الدائمة في الُبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية (والنُسق المعرفية على ما يقول مُنظّرون) تنعكس بصورة أو أخرى على كل جيل، وتعطيه سمات خاصة. إن تفهم هذا «التغيّر الطبيعي» من شأنه أن يسدّ الطريق على القطيعة وحالات الغربة بين الأجيال، ولا يتناقض مع الإيمان بثوابت راسخة حول الكون والوجود. ففي ميزان هذا الإيمان يكون التغير مقدراً له. كما أن فهم التغير من هذه الزاوية يوفّر الكثير من الجدل (العقيم) والصدام حول الموروث، سواء من حيث قيمته لزمنه أو احترامه باعتباره تجربة واجتهاداً على الأقل.
من مثل هذه المفاهيم يمكن بناء حالة تصالح حضارية بين التاريخ والحاضر والمستقبل، وبناء عليها تصبح العلاقة بين الأجيال تحصيل حاصل، حتى في حالة الفجوة بينها يصبح الردم أو التجسير سهلاً. التغيير يبدو سلساً (أكثر من سلمي) ولا يحتاج لصدام.
الأسس السليمة للحوار بين الأجيال إذن، مسألة أكبر بكثير من إرساء تفاهم بين الشباب والآباء والمجتمع، أكبر بكثير من شعارات الاهتمام بقضايا الشباب وطموحهم وإبداعاتهم، فهي أقرب إلى ثقافة تأسيسية ترسي قيم التقبّل أو الاحترام بأبعاده المختلفة: البعد الأفقي ( التواصل الفعال بين الفئات والاتجاهات في جيل واحد) والبعد الزمني (من جيل إلى آخر)، والبعد التراكمي الحضاري الذي يكون حصيلة تراكم إنجازات لم تكن لتتحقق بدون هذه القيم.
قبل أن أتوصل لمثل هذا الفهم أو التصور كنت أعجز عن تفسير مرضٍ ووافٍ لأسباب المرارة التي نستمر في عيشها على مختلف المستويات. الفجوة بين الأجيال تعبير عن أزمة عامة تتكرر من زمن وفي مجالات شتى، أي لا يمكن معالجتها جزئياً إذا لم نتأمل فيما حصل ويحصل من حولنا من توليد فجوات عديدة أخرى وهذا القدر الهائل من الصدامات.



barragdr@hotmail.com