دنيا

أوهام ومخاطر «الصداقة الافتراضية» تهيمن على «الإنترنت»

قيل قديماً: «الرفيق قبل الطريق».... وليس هناك أبلغ من قول الحق سبحانه وتعالى في تحذيره من خليل السوء، عندما قال: (.. ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا). معلم البشرية الأول ينبهنا إلى أهمية انتقاء الصديق، عندما يقول عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»، بل يمعن في تجسيد تأثيره في تشبيه بليغ رائع، ويقول صلاة الله وسلامه عليه: «الصديق مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما يحذيك، وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق بدنك وثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة».

(أبوظبي) - هل يمكن أن تعوّض «الصداقة الافتراضية» الصداقة الواقعية؟
كثيراً ما يتم التعارف بين شخصين أو أكثر عبر «الإنترنت»، وفي جانب آخر نجد الصور والتعليقات والمنشورات والآراء التي تمتلئ بها صفحات «الفيسبوك». هم أصدقاء رغم عدم تلاقيهم، فالمسافات لم تفصلهم، ويقضون ساعات طوالا في التحدث والتواصل، بل تتكون درجة وطيدة من الارتباط النفسي والنقاط المشتركة فيما بينهم.
هل كل هذه الأعداد في احتياج حقيقي لذلك النوع من الصداقة الافتراضية التي صنعت في عالم من الخيال، يمكن له أن ينتهي بضغطة زر أو عند انقطاع التيار؟.
هل سيأتي اليوم الذي تختفي فيه الصداقة الحقيقية؟ أو يكون الصديق المفضل هو الذي يطل علينا من نافذة «الإنترنت»؟ وما هي سلبيات هذا النوع من الصداقة؟
تحذير
تحذر الحملة الوطنية «لا.. لأصدقاء السوء» وتنبه إلى خطورة «صديق السوء الافتراضي»، الذي يوجد خارج حدود المكان الذي يوجد فيه الشخص المستهدف، وغالباً ما يقبع ذلك الشر المتربص بالصبية والمراهقين والشباب خلف الأسلاك، ووراء شاشات أجهزة المحمول والكمبيوتر، حيث يستهدفون ضحاياهم بطرق وألاعيب مخفية، ويستدرجونهم ويبتزونهم بأكثر من وسيلة، ويجرونهم إلى كثير من الممارسات والانحرافات الأخلاقية، ومن ثم توريطهم بالسقوط في براثن الإثم والانحلال والجريمة بكل صورها، حيث أعلنت الأجهزة الأمنية في الدولة أكثر من مرة أنه تم رصد بعض السلوكيات الخاطئة التي ظهرت على بعض الشباب ومن بينهم فتيات، من خلال التأثيرات السلبية لـ «صديق السوء الافتراضي».
ومن ثم تجري وزارة الداخلية حالياً دراسة شاملة حول تأثير أصدقاء السوء الافتراضيين على الشباب بجنسيه، وتشمل 3500 طالب وطالبة من مراحل التعليم الثانوي والجامعي، حيث تهدف الدراسة إلى التعرف على السلوكيات الطارئة على المجتمع بسبب التواصل الافتراضي، ومدى انتشارها، والوصول إلى حلول للحد منها.
علامة استفهام
تراوح عدد الأصدقاء الحقيقيين - لعشرين طالباً وطالبة في عمر المراهقة تم سؤالهم، ما بين 3 و5 أصدقاء، فيما كان متوسط أصدقائهم الذين يتواصلون معهم بصفة دائمة عبر «الشات» و«الفيسبوك» ما بين 8 و13 صديقا، وكان متوسط عدد الساعات التي يقضونها في الحديث والدردشة والتواصل أكثر من 3 ساعات يومياً، في الوقت الذي لا يقضون فيه مثل هذا الوقت مع أصدقائهم الحقيقيين إلا في بعض أيام عطلة الأسبوع، أو اقتصارها على ساعات الدراسة في مدارسهم.
عمرو فاضل «الصف الثاني عشر»، يقول: «لقد تعرفت بأصدقائي عبر «الإنترنت»، وعادة ما نتحدث لبعض الوقت كل يوم، وقد يطول ذلك إلى أكثر من ثلاث ساعات يوم الجمعة، وكثيراً ما نتبادل الآراء والهوايات، والأخبار، والنكات، وكثيرا من الاهتمامات، وغالباً ما نكون على توافق مشترك فيما نناقش من موضوعات».
وتضيف رشا فيصل «الصف الثالث عشر»: «لدي أكثر من صديقة بالمدرسة ومن الجيران، وتعرفت إلى صداقات من الجنسين عبر «الفيسبوك»، وربما نتحدث معاً بحرية أكثر في موضوعات لا نناقشها معا نحن الصديقات الحقيقيات، وأنا أظن أن مساحة الحرية في الحوار هي التي تعمق هذه العلاقة، ونستطيع أن نتناول في مناقشاتنا كل الأمور التي لا نستطيع أن نناقشها حتى مع أسرنا».
أما ماجد الجنيبي، «جامعي»، فيرى أن صداقة الإنترنت ليست أعمق، مقارنة بالصداقة الحقيقية، لكنها تتيح فرصاً أوسع للحوار والمعرفة بشكل أكثر حرية، وخارج حدود الرقابة الأسرية والمجتمعية، وهي صداقات نختارها بمحض إرادتنا، لكن الأمر لا يخلو من السلبيات، وقد نتعرض لنماذج سيئة، لكن من السهل أن نتخلى عن هذه الصداقة، وفي النهاية هو أمر متروك لحرية وقناعة الشخص نفسه، لكنني لا أنكر تأثيراتها السلبية في أشياء كثيرة».
اكتشاف الصديق
علياء المزروعي، موظفة، وأم لثلاثة صبية، وفتاة، تبدي حنقها من هذه الظاهرة التي باتت تشغل الأبناء، وتتساءل: ماذا أفعل عندما أكتشف أن ولدي يتحدث مع صديق جديد له منذ فترة؟ وما هي ردة الفعل المناسبة عندما أكتشف أن ابنتي تتحدث إلى صديق غير موجود في الحقيقة؟ أو أنها ظلت تتواصل مع فتاة في مثل سنها لا نعرف عنها شيئاً؟ أو عندما تكتشف أن صديقتها تلك ما هي إلا شاب سيئ السلوك وأراد أن يغرر بها؟ الآباء والأمهات حيارى أمام هذا الاجتياح الوبائي للإنترنت و«الفيسبوك»، ولا نعرف كيف تكون السيطرة والأمان، ولا نعرف لماذا كل هذا الانجذاب، لقد سيطرت التكنولوجيا على عقول أبناء هذا الجيل.
وتضيف المزروعي: «تربطني علاقة صداقة بأناس كثيرين على «الفيسبوك»، لكن تبقى علاقتي بهم سطحية، إننا يمكن أن نكون صداقات لكن تبقى افتراضية، وتنقطع بانقطاع «الإنترنت»، أو بمجرد إغلاق الجهاز، وأحاول جاهدة أن تكون علاقتي بهم محدودة لا تتجاوز مناقشات الأفكار وبعض المواضيع. لكن هل نأمن على الجيل قليل الخبرة من التعرض لسلبيات وتأثيرات خطيرة كالتي نسمع عنها؟
تكمل فاطمة المرزوقي «موظفة»: «هل تحدث المراهق أو المراهقة مع صديق خيالي أمر طبيعي؟ إنني ألاحظ أنه في بعض الحالات، يصبح الصديق الخيالي جزءاًً من حياة الفتى أو الفتاة اليومية، وسرعان ما يختفي بعد بضعة أشهر، في البداية، يظن معظم الأهالي أن وجود هذا الصديق الخيالي أمر ممتع ومضحك، لكن سرعان ما يشعرون بالقلق حين يصبح وجوده محور حياة الابن، أو عندما يلاحظون تغيراً سلبياً في سلوكياته. هناك فرضيات محتملة عديدة، إن تفسيري لذلك أن المراهق قد يحتاج إلى هذا الصديق الافتراضي ليتقاسم معه اهتماماته وهواياته وأفراحه، ربما يساعده على تفريغ انفعالاته والتعبير عن أحاسيسه والتغلب على اللحظات الصعبة، لكن قد يؤدي هذا الوضع أيضاً إلى أن المراهق يعيش في حالة من الوحدة والعزلة، فإذا كان يشعر بالملل أو يعاني من غياب دور الأهل، فيمكن أن يعوّض عن هذا النقص العاطفي من خلال اختراع صديق وهمي يرافقه في حياته اليومية.
خبرات سلبية
يشير ناصر عبيد سالم، «موظف» إلى مشاكل التواصل غير الآمن عبر الوسائط الإلكترونية المتعددة، وإلى أنه لديه خبرة جيدة في التواصل مع الأصدقاء على «الفيسبوك»، و«الشات» و«الماسنجر»، ويحرص على أنها لا تتعدى كونها صداقة افتراضية، لأنني ـ يقول ـ أؤمن بأنها مجرد وهم، فمن شروط الصداقة مقابلة الصديق وجها لوجه وليس وراء الجهاز. لهذا علاقتي بهم محدودة جدا وتتمثل في طرح بعض الأفكار والاتجاهات والهوايات والقضايا العامة، لكنني أحذر الصبية والمراهقين والشباب من الانزلاق في متاهات الابتزاز والتوريط والاستدراج، ومن ثم الوقوع في الخطأ، أو اقتباس عادات وسلوكيات سلبية وغير أخلاقية، أو التأثر بثقافات هابطة وانحلالية، وأنصح الآباء والأمهات بأن يكونوا على درجة جيدة من التواصل مع أبنائهم الصغار والمراهقين، وأن يحتاطوا ويعلموهم كيف يكتشفون ويقاومون مثل هذه العناصر والنماذج الفاسدة، فلا سبيل للوقاية من تلك المخاطر سوى التحصين النفسي والتوعية الذاتية، وتبصير الطفل أو الفتى بكل المخاطر أو الأساليب الملتوية التي يمكن أن يصادفها خلال تواصله مع الأصدقاء الحقيقيين أو الافتراضيين».
بيع الأوهام
يقول شوكت قابل، «مهندس اتصالات»: «لا أمانع في إقامة صداقة على «الإنترنت» شريطة أن تتطور هذه الصداقة الافتراضية وتصبح واقعاً، لأن الواقع يجعلنا ندرك حقيقة الشخص الذي أمامنا، لكن الإنسان خلف شاشة الكمبيوتر يمكنه تقمص أكثر من شخصية إيجابية كانت أم سلبية، فهو لا يكشف عن حقيقيته، وغالباً ما يلجأ للكذب ليجمل من نفسه أو لغاية ما في نفسه، وأن الخطر الأكبر من تلك الصداقات، أنها تغرق أصحابها في أحيان كثيرة في الوهم، وأنها وسيلة غير آمنة للاستغلال الجنسي، واستدراج مرضى النفوس، وذوي الإضرابات والأمراض النفسية للصبية والأطفال الأبرياء، وبيع الأوهام لهم، وتوريطهم في كثير من الجرائم، أو استغلالهم من خلال أساليب قذرة، لا يكتشفون أبعادها إلا بعد فوات الأوان».
كذلك تضيف سلمى حوراني «معلمة»، إنني أحذر كثيرا من الصبية والمراهقين والشباب الذين يستخدمون الصور والكاميرات، ووسائل الصداقة الإلكترونية بغرض تمتين هذه الصداقة وإعطائها طابعا واقعياً، هي وسائل تتعدى الحديث والكتابة، كالصوت والكاميرا وتبادل الصور والأفلام، وقد يرون في مرحلة معينة أن التواصل مع الشخص عن طريق الكتابة فقط لا يكفي لمعرفته واكتشاف شخصيته لهذا من الضروري معرفة شكله والحديث معه، فالصوت والصورة يعطيان بعداً إنسانياً قوياً، ويحدثان تقاربا بين الناس، وهُناك بالمقابل نجد كثيرين ممن يرفضون هذه الوسائل تماماً خصوصا تبادل الصور، لأنها مجازفة وخطوة غير حكيمة لأن الصديق «الافتراضي»، شخص مجهول ولا يجب ائتمانه، وقد سمعت قصصا كثيرة حول استغلال الصور والكاميرات في أمور مشبوهة، ذهب ضحيتها أشخاص كثر، وتسببت في تدمير أسر بكاملها».



مغامرات في عالم افتراضي

الدكتور محمد الجارحي، استشاري الطب النفسي، يرصد ويحلل ظاهرة «الصداقات الافتراضية» عبر شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت، ويحذر من مخاطرها التي تتمثل في جوانبها السلبية على الأطفال والصبية والمراهقين.
ويقول: «لقد فرضت «الصداقة الافتراضية» الإلكترونية نفسها على واقعنا الاجتماعي، وتعددت أشكالها وأهدافها بتعدد مواقع التواصل الاجتماعي من فيسبوك، ويوتيوب وتويتر إضافة إلى المنتديات ناهيك عن الماسنجر بأنواعه.
ورغم اختلاف اللغة والجنس والمعتقد غير أن الجميع تجمعهم شبكة الإنترنت التي تقرب المسافات وتسهل عملية التواصل الاجتماعي فيما بينهم.
هُناك هيمنة للمواقع الاجتماعية على الشبكة العنكبوتية، وبغض النظر عمّا إذا كانت صداقات واقعية أم وهمية يبقى الشخص يجد راحته في استخدامها، حيث يمكن له أن يفضفض عن نفسه ويشكي همومه لأشخاص يجهلهم، ويمكنه أن يتناقش معهم في مواضيع حساسة يخجل من مناقشتها مع أصدقائه في الواقع، مما يجعله أكثر راحة في الحديث دون قيود أو خوف من استغلال هذه المعلومات ضده، ناهيك عن دواع أخرى كالفضول في معرفة طريقة التفكير عند أشخاص من بلدان مختلفة واكتشاف عاداتهم وتقاليدهم.
إضافة إلى كســب الخبرات والتفقه في مواضــيع مختلفة كان يجهــلها في الأمــس القريب، من خلال فتح المجال للنقـاش حول مواضيع متنوعة في شتى المجالات.
ويضيف الدكتور الجارحي: «عادة لا يدرك الطفل أن الكذب أمر خاطئ بل إنه يخترع الأمور أحياناً، والصديق الخيالي هو وسيلة جيدة كي يخوض الطفل بعض المـغامرات ويخـتبر تجارب مختلفة يُمنَع من القيام بها في عالم الواقع، إذا بالغ في اختراع الأكاذيب،
ويجب تقييم الوضع بموضوعية إنما من دون توبيخه بصرامة بل عبر إقناعه بضرورة القيام بالنشاطات بنفسه بدل الاتكال على ذلك الصديق وتشجيعه على الاعتراف بأكاذيبه وأخطائه.
ويجب أن يحرص الأهل على إحاطة الطفـل بأصدقاء «حقيقيين» خشية أن ينعـزل عن محيطــه، وليس هناك أجدى من توعيته وتحصـينه ذاتياً حتى يتمكن من اكتشاف والتعرف على أية محـاولات إساءة أو استغلال».