دنيا

الترتيب الثاني سعاد جواد:



suad-jawad@hotmail.com

هل يعقل هذا؟ الزمن يلف ويدور وأبقى أنا كما أنا، الثانية في الترتيب! يا إلهي! هل أنا واهمة أم أن هذا هو قدري؟
منذ أن وعيت على هذه الدنيا وأنا أجد نفسي الثانية في الترتيب· فأختي جاءت قبلي وكانت قد استحوذت على اهتمام أمي وأبي· هي البكر، ولها الأولوية دائما، الكل يخاف على مشاعرها، الكل يحسب لها ألف حساب· الهدايا التي يحضرونها تعرض عليها أولا لتختار ما يعجبها ثم يترك لي الخيار الثاني· الملابس والطعام وجميع الأشياء، هي تختار وأنا علي أن أقتنع بالباقي· حتى لو رفضت، فلا أحد يكترث، ولا أحد يتحسر على بكائي، أو يحاول إرضائي· يتركونني أبكي على راحتي ثم بعد أن أتعب من كثرة البكاء أرضى بنصيبي وأسكت·
أحيانا يزعجهم بكائي ورفضي فيتهمونني بأنني مزعجة لا يعجبني العجب· تمنيت لو أنني أختار أولا ما يعجبني على ان يكون الشيء الذي لا أريده لها، عندها سيسمعون زعيقها ونحيبها، فهل سيقولون عنها إنها مزعجة ولا يعجبها العجب؟ بالطبع لا··· فأنا الثانية وهي الأولى في كل شيء·
كبرت أختي وأصبحت لها اهتمامات غير الألعاب· دخلت مرحلة المراهقة، وأنا لازلت طفلة، فهل أصبح الاختيار لي في تلك المرحلة؟ كلا لم أتمتع بذلك الوضع الفريد إذ أنجبت أمي طفلا ذكرا، فأستحوذ على الاهتمام والهدايا والإنفاق وكل شيء· أما أنا فبقيت في القائمة الثانية التي لا يكترث لها أحد·

حياة أخرى

كنت في العاشرة من عمري، عندما اشتعلت نيران الغل بداخلي تجاه هذا الوضع غير العادل في أسرتي· كرهت حياتي معهم وتمنيت أن يكون لي بيت آخر أكون الوحيدة فيه بلا منازع أو منافس يأخذ الاختيارات الأولى ويحتكرها لنفسه··· وحيدة لا يفرض علي ما يرفضه غيري·
فكرت كثيرا··· كيف السبيل إلى ذلك الحلم الغريب؟ كانت لي جدة طيبة القلب تحبني كثيرا وهي تعيش مع جدي لوحدهما· فقلت لنفسي: هذا هو المكان المناسب لواحدة مثلي··· في بيت جدي سألقى الاهتمام الأول والأخير بلا منافس·
تحدثت مع جدتي في الأمر فباركت الفكرة ورحبت بها كما توقعت، ولكن أمي وأبي فوجئوا بطلبي وصعقوا به، كيف تفضلين العيش بعيدا عن عائلتك، أنت فعلا فتاة غريبة الأطوار، لا بل أنت معقدة· نعم أنا معقدة، هل يعجبكم هذا؟ أريد أن أعيش مع جدتي وجدي، أحبهما كثيرا وأتألم لأنهما يعيشان وحيدين بلا أنيس·
بعد جدل ونقاش وتردد، تمت أخيرا الموافقة على انتقالي للعيش في بيت جدي· وكم كانت سعادتي كبيرة عندما علمت بأنهما قد خصصا لي غرفة خاصة بي وجهزاها بكل ما احتاج إليه، إذن فقد تحقق حلمي أخيرا، وسأكون أميرة ذلك المنزل بلا منافس·
السعادة لا تكتمل، فبالرغم من توحدي في منزل جدي إلا أن الاهتمام كان في طريق آخر، فكل ما يهم جدتي هو العناية بشؤون جدي المريض ومراقبته باستمرار، والحديث بينهما لا ينتهي وأنا لا أشكل في هذا الوضع إلا جانبا بسيطا من حياتهما· شعرت بأنني أشكل عبئا عليهما عندما أطلب أشياء فيعجزان عن توفيرها لي· يا لغبائي، حرمت نفسي من هدايا كثيرة كان والدي يشتريها لنا باستمرار، وأطعمة طيبة كانت تحضرها لنا أمي بين فترة وأخرى، ولم أعد أتمتع بالذهاب إلى المطاعم وأماكن الألعاب بصحبة والديّ· كم أنا غبية وتعيسة وأنا آكل طعاما خاصا يصنع للمرضى بلا نكهة ولا طعم·
كنت أفكر بالتراجع عن قراري ولكن هذا غير وارد، فالانتقال من مدرسة إلى أخرى يتطلب إجراءات كثيرة لا تتم بسهولة، وقد هددني والدي بعدم التراجع إلا بعد اكتمال العام الدراسي، لذلك فقد صبرت على ما أوقعت نفسي فيه وبقيت أعد الأيام كي ينتهي هذا العام وأعود لبيتي·

منافس جديد

ما زاد الطين بلة هو اضطرار خالتي للسفر بغرض العلاج وقد تركت ابنتها عند بيت جدي هي الأخرى، فساء الوضع أكثر مما هو سيء، لأن ابنة خالتي هذه دلوعة جدا وقد استطاعت بحركات الدلع أن تستحوذ على اهتمام جدتي فأعطتها الكثير من الاهتمام والرعاية والدلال، أما أنا فعدت للصف الثاني كما أنا دائما· فساءت حالتي النفسية وأصبحت كئيبة ومنعزلة·
جدتي أعلنت بأنها لا تريدني في منزلها لأنها خائفة على صحتي بسبب عدم إقبالي على الطعام، ولأنني طفلة غير عادية لا أحب اللعب واللهو كما تفعل بنت خالتي التي صارت تملأ البيت مرحا وعبثا وشقاوة· هذا ما قالته جدتي، وقد آذاني قولها، فأنا لا أجد نفسي معقدة، وأجد ابنة خالتي هذه بمنتهى السخافة والعبط· كل ما لديها هو شيء من الحيل لجذب الجدة واكتساب اهتمامها، حتى أنها أثرت عليها تأثيرا شديدا جعلها تردد باستمرار هذه العبارة الغريبة: ما شاء الله عليها فلانه··· أخاف عليها من الحسد··· إنها طفلة نادرة·
تقول ذلك وتنظر إلي بطرف عينها، كأنها تقارنها بي ولا تجد وجها للشبه أو المقارنة، إن هذا ليس عدلا ولا إنصافا بحقي·

العقدة المتأصلة

كبرت وكبر معي ذلك الهاجس، لقد خلقت لأكون الثانية في جميع الأولويات، وقد تراكمت المواقف في حياتي لتؤكد هذا الهاجس، فكلما دخلت صفا أجلسوني في المقعد الثاني، وأسمي يأتي دائما في الترتيب الثاني، كذلك معدلي هو دائما الثاني· إذن هذا هو نصيبي في الدنيا، الترتيب الثاني فقط·
عندما وصلت للمرحلة الجامعية، شعرت لفترة بميل أحدهم لملاحقتي· كنت أتغاضى عن نظراته ومتابعته لي باستمرار، فلست من النوع الذي يقيم العلاقات العاطفية التي غالبا ما تسيء لسمعة الفتاة وتؤذي مشاعرها إذا لم يكن الطرف الآخر جادا، وقلما يتواجد الشاب الجاد الذي ينوي الخير· عموما، لم ألتفت له مع أني كنت مستغربة لمواصلته في متابعتي على الرغم من أنني لم أعطه أية إشارات تدل على الرضا والتشجيع·
بعد مدة طويلة من الملاحقة أخذني الفضول للتحدث مع هذا الإنسان، فتشجعت واتصلت به· أخبرني بأنه لا يريد العبث وأن قصده شريف وهو فقط يريد أن يتأكد من رضاي وقبولي له، سألته بلا وعي مني··· هل أنا الفتاة الأولى في حياتك؟ سكت طويلا ثم أجاب: بصراحة لست الأولى··· وتوجد أخرى قبلك··· ولكن الأمر قد انتهى بيننا وإلى الأبد··· صدقيني· أقفلت الخط وألغيت رقم الهاتف وتجاهلت ذلك الإنسان حتى مل وتعب من ملاحقتي·
هل هذا معقول؟ حتى في الحب والزواج أكون أنا الثانية؟ ما هذا الحظ؟ لن أقبل بمثل هذا الشيء أبدا·
أكملت دراستي الجامعية وتوظفت، أتدرون ما هي وظيفتي؟ مساعدة لرئيسة القسم· هل تعرفون ما معنى هذا؟ إنه الترتيب الثاني، فهل تصدقون ما يحدث؟
أردت أن أرفض هذه الوظيفة فأتهموني بالجنون فأنا مجرد خريجة جديدة، وليس عاديا أن أحصل على مثل هذا المنصب· فقلت في نفسي: يجب أن لا أضيع الفرصة من يدي، فالوظائف ليست سهلة في هذا الزمن· فبدأت معاناتي وعذابي في مجال العمل· أنا أتعب وأجهد نفسي ولرئيسة القسم الشكر والتقدير· أنا أقضي يومي كله منهمكة في إعداد الدراسات والتحضير لكل صغيرة وكبيرة، وهي تحضر المؤتمرات وتأخذ حيز الاهتمام لوحدها· ويا ويلي إذا أخطأت في شيء، فالدنيا كلها ستنقلب على رأسي جحيما مرا لا يطاق·
قررت ترك العمل والجلوس في المنزل، لست بحاجة للمال· الوضع المهين الذي عانيت منه شيء لا يمكن التعايش معه، سأبحث عن عمل آخر·

حتى في الزواج

في تلك الفترة تقدم أحدهم لخطبتي وكان مطلقا فرفضته، لأنني لا أريد المرتبة الثانية في الزواج أيضا، فهذا الشيء صار يدمرني بقوة·
مرت سنتان كئيبتان وأنا بلا عمل أو هدف، عندها قررت أن أقتنع بهذا الترتيب المكتوب على جبيني وفي كل نواحي حياتي· قررت أن أرضى بأي عمل حتى لو تأكدت فيه هواجسي وكنت الثانية، وقررت الرضا بأي خاطب حتى لو كنت الزوجة الثانية، فالتعايش مع هذه الفكرة أفضل من الجلوس في المنزل بلا هدف·
بعد بحث طويل وجدت عملا في أحد البنوك، قسم للسيدات لا توجد فيه سوى موظفة واحدة، وبالطبع فأنا الثانية، لا يهم، المهم أن أعمل· الموظفة الأخرى أقدم مني، الكل يعرفها، الكل يحبها، وأنا موظفة جديدة لا أحظى بأي اهتمام أو تقدير· عموما،هذا ما يجب أن أتقبله أيضا، لأنني قررت أن أتغلب على هاجسي وأن أطوع نفسي للرضا بما قسمه الله لي·
حاولت كسب صداقة زميلتي فكان لي ما أردت، فأصبحت تلك الزميلة أعز الناس إلى نفسي، وقد ساعدتني كثيرا على تعلم كل ما كان ينقصني، فوجدت بأنني سعيدة ومرتاحة البال، ففكرت بأنني كنت مخطئة طوال الوقت في طريقة تفكيري، فالرضا بما يقسم لنا هو السر في سعادتنا، سواء أكانت لنا الأولويات أم كانت لغيرنا، المهم أن نرضى ونسعد بما لدينا·
هذه الفكرة أنعشتني وأبعدت عني التعاسة والكآبة التي لازمتني سنين طويلة·

الأمر الواقع

لم استغرب أبدا عندما تقدم لخطبتي أحد زملائي في العمل وهو متزوج من امرأة أخرى· زميلتي كانت متفاجئة··· هل هذا يعقل؟ ترضين به وهو متزوج؟ قلت لها: هذا هو نصيبي وأنا أعرفه جيدا فلماذا أرفض؟ بقيت مستغربة لا تفهم ما أقصده·
أهلي أيضا استغربوا لموقفي، قالوا: جاءك رجل مطلق ورفضته، كيف تقبلين برجل متزوج؟ قلت لهم: التفسير المناسب لهذا هو أنني محبوسة في الرقم اثنين، لست أنا من فعل ذلك··· القدر هو الذي حبسني في هذا الرقم وأنا راضية بما قدر لي·
بعد أن تزوجت، صرت أبحث عن مكامن السعادة المخبأة في هذا الزواج، فوجدت الكثير· فزوجي إنسان رائع وطيب بكل معنى الكلمة، وزوجته لا تقل عنه في حسن الخلق، وقد كانا متفقين على أن يتزوج من أخرى بسبب عدم قدرتها على الإنجاب، فقررت أن أكسب صديقة أخرى وأن أجعل حياتي سعيدة كما فعلت في عملي· رضيت أن نسكن سويا، واتفقت معها على الصداقة وعدم إثارة المشاكل فوجدتها متجاوبة معي وسعيدة جدا بأفكاري·
سرعان ما أصبحنا كيانا جميلا لا يفترق، أنا وهو وهي، الكل مستغرب، لا أحد يصدق· نأكل معا، ونتنزه معا ونقضي أوقاتنا كلها سويا بسعادة ومرح·
كنت متوجسة وخائفة بسبب تأخر الحمل بعد أن مرت سنة كاملة على زواجي ولم يحدث ما ننتظره نحن الثلاثة بفارغ الصبر، طفل يملأ حياتنا بالأمل والفرح· كنت أتساءل، ترى هل إذا كتب لي عدم القدرة على الإنجاب، هل سيفكر زوجي بالزواج من ثالثة؟ هذا ما لم يكن واردا في أفكاري، تجرأت يوما وسألته، فضحك وقال: لا تسلم الجرة في كل مرة، فإذا أكرمني الله بزوجتين طيبتين وطمعت في الثالثة فسأجني على نفسي وعليكما· الأفضل أن أرضى بنصيبي واقتنع بما كتبه الله لي، فحياتنا سعيدة ولا أريد أن أعكرها، وسأبقى أدعو ربي أن يمنحني طفلا منكما·
بعد سنة وثلاثة أشهر حدث الحمل، وكانت مفاجأة سعيدة لثلاثتنا، ذهبنا على إثرها للاعتمار في مكة المكرمة شكرا لله· وكم كانت فرحتنا ونحن نهيئ لهذا الصغير القادم أشياءه وحاجاته، وأنا في غمرة فرحي وسعادتي، طلبت من زوجي وشريكتي أن ننتبه جميعا لعدم التفضيل بين الأطفال أثناء التربية، فهذا من شأنه أن يولد العقد النفسية لدى الصغار، فالكبار لا يعلمون مدى حساسية هذا الطفل أو ذاك وقد أوصانا نبينا عليه الصلاة والسلام بالعدل بين أولادنا حتى بالقبلة، فإذا قبلنا أحدهم يجب أن لا ننسى الآخر والا فإنه سيتأذى وسيشعر بأن أهله يفضلون أخاه عليه وأنه ليس في الترتيب الأول من ناحية الحب والاهتمام وإنما هو في الترتيب الثاني كما حصل لي·