الإمارات

أبناء محفوظ دم ولحم وورق وزمن


القاهرة - محمد عزالعرب:

نجيب محفوظ أب من نوع خاص فهو أب لابنتيه ''فاطمة وأم كلثوم'' برابطة الدم واب لأعمال ادبية وسينمائية تجاوزت الخمسة والخمسين وأب لادباء ومشاريع ادباء بالمئات ولا يزال ينجب الابناء حتى بعد وفاته· وفي ندوة بعنوان ''أبناء نجيب محفوظ'' بالقاهرة قال د· جابر عصفور إن الحديث عن أبناء محفوظ يثير مشاكل قديمة حيث كتب الاديب رجاء النقاش مقالا في مجلة ''المصور'' في السبعينيات يطالب فيه الابناء بالتمرد على الاب واثار ازمة خاصة وان هناك دعوة لتمرد ادباء السبعينيات على ادباء الستينيات وجوهر هذه الدعوة لم يكن صحيحا· وذكر ان هناك جيلا من الادباء يحترم قلم وعقل محفوظ الابداعي وكلمة ابناء محفوظ لا تعني بالضرورة صورة طبق الاصل من الاب لأن ذلك سيكون نوعا من التقليد الأعمى ويصبح ابداعهم بلا قيمه لكن الأبناء بالمعنى الابداعي لابد أن تكون لهم سمات خاصة ويبدأوا من حيث انتهى الأب·
واكد عصفور أن أبناء نجيب محفوظ لا يقتصرون على مصر وانما ينتشرون في الدول العربية والطبقة الوسطى كانت دائما محور أعماله واختار ابطاله وعاش مشاكلهم من البداية الى النهاية وكانت أعماله مركزة في القاهرة وتحمل اسماء أماكن عاش فيها مثل ''زقاق المدق، والسكرية وبين القصرين'' واحتلت الاسكندرية مكانة هامة في حياة محفوظ في السمان والخريف ومن ثم فإن الفضاء الروائي لكتابات ما بعد الستينيات مختلفة عن الفضاء الروائي لكتابات محفوظ·
وقال إن الحديث عن البنوة يفرض ثورة الأبناء على اختيار الأماكن والأزمنة التي تدور فيها أحداث الرواية المحفوظية مضيفا أن ثورة جمال الغيطاني على محفوظ وصلت الى ذروتها في ''الزيني بركات'' في حين ابدع محفوظ اول روائعه بالتركيز على الجانب التاريخي·
واشار الى أن هناك ظاهرة في روايات محفوظ وهي رواية ''الأجيال'' ولم تتم معالجة الأجيال في الثلاثية فقط وانما تطرق لهذه الظاهرة في ''الحرافيش والباقي من الزمن ساعة وحديث الصباح والمساء''·
ويرى أن ثلاثية محفوظ جذبت الروائيين العرب الذين هم أبناء محفوظ وابرزهم الاديب الليبي احمد ابراهيم الفقيه في روايته ''الثلاثية'' والكاتب السعودي تركي الحمد في روايته ''الحياة في السعودية'' وهي روايات تهتم بأثر الزمن على حياة الشخوص·
وخلص الى ان محفوظ يتميز بالتسامح الأبوي ازاء التجارب الفكرية المغايرة والاعمال الابداعية المخالفة خاصة من جانب الأدباء الشباب لأنه يؤمن بعراقة الفن وضرورة تواصل الاجيال·
رب الأسرة
واشار د· صلاح فضل - استاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة - الى مكانة محفوظ في الوعي الجمعي لتاريخ الأدب العربي حيث صار محفوظ رب الأسرة السردية وهذه العمادة لاسرة الروائيين والقصاصين لم يتوج بها دفعة واحدة وانما سبقه اساتذة مؤسسون للرواية العربية لكنهم مجرد ممهدين لظهور محفوظ، مسلطا الضوء على كوكبة الأدباء الذين صاحبوا محفوظ في تألقه في منتصف القرن الماضي وكان معظمهم اصغر منه باستثناء يحيى حقي ومن ابرز هؤلاء احسان عبدالقدوس ومحمد عبدالحليم عبدالله ويوسف السباعي ويوسف جوهر وعبدالرحمن الشرقاوي ويوسف الشاروني وعلي احمد باكثير وعبدالحميد جودة السحار لكن محفوظ ظل رمزا ومضمونا·
وقال د· فضل إن التيارات الابداعية التقت حول محفوظ ليس في مصر فحسب وانما في العالم العربي وكانت المرة الثالثة التي يظهر فيها عملاق ادبي في القرن العشرين عام 1927 عندما توج العالم العربي احمد شوقي أميرا للشعراء وفي الثلث الثاني نصبوا طه حسين عميدا للادب العربي ثم توجوا نجيب محفوظ عميدا للرواية العربية ورائدا ليس في الثلث الأخير من القرن العشرين ولكن استمر حتى الآن ففي الثلث الاول كان العميد شاعرا وفي الثاني ناقدا وفي الأخير روائيا ولا نعلم من سيأتي عميدا في الفترة القادمة·
وسلط د· فضل الضوء على تجدد نجيب محفوظ المذهل والرؤى والاتجاهات التي يختزنها ابداعه، وصياغته لافضل الروايات التاريخية كما افتتح الرواية الواقعية ووصل الى الذروة في رائعته ''الثلاثية'' وفي عام 1957 استأنف عمله في رواية ذات طبيعة مختلفة هي ''اولاد حارتنا'' التي تقدم رؤية مخالفة ليس للواقع المصري وانما للتاريخ الكوني، ومنذ مطلع الستينيات مزج محفوظ واقعيته بعناصر رمزية ووظف تقنيات فنية جديدة وجرب اشياء اسطورية وعاد الى الاحداث التاريخية وكتب الرواية السياسية ''الكرنك ويوم قتل الزعيم'' وختم هذا الترحال الروائي بـ ''اصداء السيرة الذاتية واحلام فترة النقاهة''·
التيارات الأدبية
واكد ان كل جيل الستينيات هم ابناء محفوظ وخرجوا من عباءته لكنها كانت فضفاضة فتمردوا عليه وهذا التمرد ضرورة لأي عمل ابداعي، لكن الغريب ان محفوظ تأثر واستفاد من التيارات الأدبية الجديدة مثلما افادوا منه وامتص تجربتهم بعمق فالأب يتعلم من ابنائه والابناء يصرون على قتل الأب·
ويرى ان اسلوب نجيب محفوظ درامي يجعل العمل الابداعي يتوهج بالشعرية وادوارد الخراط خرج عن هذه الصيغة وكان له سرد غنائي دون رعاية لتقاليد الرواية العربية بالاضافة لتوظيفه التقنيات الحديثة وخيري شلبي له استاذيته المستقلة وطقوسه الابداعية التي تبدأ من بئر الحكمة الشعبية اما بهاء طاهر فهو اقرب الأدباء لنجيب محفوظ من حيث الميل الى الاسلوب الدرامي وافاد من كل تطورات الفن وحساسية الاجيال الجديدة وقدم رؤية مخالفة· وبرغم الالتصاق الشديد والعلاقة المديدة التي جمعت جمال الغيطاني بأديب نوبل لكنه شق طريقا معاكسا يستلهم التراث ويخلق عوالم مختلفة وصنع الله ابراهيم يقف منفردا مع الاسلوب التسجيلي والايديولوجي المتماسك ومحمد البساطي يصنع تاريخه وعوالمه بعيدا عن دنيا محفوظ·
الإعجاز الأدبي
وقالت الكاتبة نوال مصطفى إن أبناء محفوظ لهم اكثر من شكل ولون وهم ابناء الدم ابنتاه وابناء رواياته هم الشخصيات التي جسدها وابناء الادب وهم بالالاف في العالم العربي· وأضافت إن محفوظ وصل في رواية ''اولاد حارتنا'' الى مرحلة الاعجاز الادبي، وتجاوز اي ابداعات أخرى له ولا يمكن قراءتها من منظور فلسفي وادبي ونقدي فقط، ولكنها تتناول ابعادا أخرى مثل الايمان والروح والحياة موضحة ان المرحلة المهمة في حياة محفوظ الاديب هي ''احلام فترة النقاهة'' التي حاول فيها ان يعطي عصارته الادبية بطريقة مكثفة·
وقال الاديب الليبي احمد ابراهيم الفقيه ان شخصيات محفوظ ستظل باقية مهما اختلف المكان وطال الزمان لانه صاحب اكبر انتاج روائي في العالم العربي ومهد طرقا كثيرة حتى خرج ابناؤه من الادباء وبدأ بالرواية التاريخية ثم انتقل الى الرومانسية وتناول الواقعية واشار الى الاشتراكية ووضع بذور شجرة الرواية التاريخية في العالم العربي وابدع في روايات الاجيال وابرزها ''الحرافيش'' علاوة على غرامه بالقضايا الفلسفية وغوصه في اعماق النفس البشرية·
واوضح انه عندما كتب روايته ''الثلاثية'' لم يقترب من هذا النوع من الأدب الذي يكتبه محفوظ بسبب اختلاف البيئة في المجتمع الليبي الصحراوي الذي يفصل بين الرجال والنساء لكنه التزم بالطريقة المحفوظية التي تصر على استمرار العقد الاجتماعي مع القارىء حيث اثار تفكيره وجذب انتباهه·