عربي ودولي

مفكِّر اعتنق الإسلام في مواجهة السياسات الإسرائيلية



عرض: د· رسول محمد رسول:

عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، وضمن سلسلة ''حوارات''، صدر مؤخراً كتاب (هذه وصيتي للقرن 21)· ضمَّ الكتاب أربعة عشر حواراً أجراها الصحفي شاكر نوري مع ''جارودي'' خلال أعوام عدة امتدت لعقدين من الزمان، كما ضمَّ أيضاً وقائع الجلسات الأربع للمحاكمة التي جرت لجارودي في فرنسا، والتي انفرد شاكر نوري ـ-حسب قوله- في تسجيلها وترجمتها إلى اللغة العربية·

قبل إيراد الحوارات قدَّم المؤلف مداخل متعدِّدة للوصول إلى عالم روجيه جارودي، فقد تحدَّث نوري عن الطريق الذي قطعه إلى جارودي لأجل الحوار الأول والثاني والثالث، حتى الحوار الأخير الذي أجراه معه في العام قبل الفائت بباريس· كما تحدَّث عن زوجة جارودي السيدة ''بوليت'' التي تعرَّفت إلى جارودي عام 1952 عندما كانت أرملة توفي زوجها المحارب في الحرب العالمية الثانية، وترك ولداً تبناه جارودي بحب عارم· وتحت عنوان ''محاكمة مفكِّر'' تحدَّث المؤلف أيضاً عن تعرض جارودي إلى هجمة شرسة قادها اللوبي الصهيوني في فرنسا الذي أوصل الفيلسوف إلى قاعة العدالة الباريسية· ومن ثم تساءل نوري: هل يُعد روجيه جارودي فيلسوفاً؟ وهو السؤال نفسه الذي طرحه ''روبير ريديكير'' في صحيفة ''اللوموند'' الفرنسية (العدد 16524 الصادر في 13 مارس/آذار 1998)، الذي ناقش فيه قرار الحكم الذي صدر بحق جارودي، ووصفه بأنه '' أيديولوجي مشكك'' ولم يطلق عليه تسمية ''فيلسوف''· إلا نوري، واستناداً إلى روبير ريديكير، يعتبره فيلسوفاً بامتياز ولا خلاف على ذلك·
رابعة العدوية
اتخذت الحوارت طابعاً سياسياً أكثر منه فكرياً، لذلك اجترَّت أغلب أفكار روجيه جارودي السياسية القديمة بل والتقليدية، فكان الحوار الأول قد تحدَّث عن كتاب جارودي الجديد (الإرهاب الغربي)، وموقف جارودي من الغرب الأميركي معروف في عدائه الحاد تجاه السياسة الأميركية، كما تحدَّث عن موقفه من احتلال العراق، ومن محاكمة صدام، ومن العراق الذي وصفه بأنه سيكون قاعدة لاحتلال الشرق الأوسط بكامله· ولن يتغير الأمر في الحوار الثاني الذي حمل عنوان (من إمبراطورية الشر إلى محور الشر)، ولا فرق في موقف جارودي من الأمر فهو يكيل العداء لمحور الشر الأميركي ولأهله، لكن نوري تداخل مع جارودي في شأن محاكمته من قبل اليهود المُتصهينين· إلا أنه سرعان ما ينتقل إلى مسألة ارتداد جارودي عن الإسلام الذي نفاها قائلاً بدهشة: (لا أرى أي ارتداد في حالتي، أنني في عمر السادسة والثمانين، وبقيت مخلصاً لأحلامي عندما كنتُ في العشرين، ويعني ذلك ربط الإيمان الإبراهيمي، اليهودي ـ المسيحي ـ الإسلامي بالفعل السياسي)·
لكن أسئلة نوري التي بدت مغامِرة في طرحها تناولت موقف جارودي من المرأة التي أثاره أنموذجها فقال جارودي: (إحدى أهم رائدات الصوفية رابعة العدوية في البصر، وما هو مهم أننا نجد عندهن موضوعات كما نجدها عند النساء الكبيرات في المسيحية، فثمة سمات مشتركة بين رابعة العدوية والقديسة تيريس دليلا، كما هناك سمات مشتركة بين شعر ابن عربي وشعر القديس جان لاكروا، وفي إسبانيا المسلمة أعتقد أن الإسلام الأندلسي كان الأكثر انفتاحا، نجد الشاعرة ''ولادة'' التي كانت تدير أكبر صالون أدبي عندها، أعرف أنها عبارة عن استثناء لأنها ابنة خليفة، ولكن شعرها كان جريئاً للغاية، خصوصاً علاقتها مع الشاعر ابن زيدون حيث التبادل الشعري بينهما كان مذهلاً·
الإسلاموية وركود الإسلام
ويسأل نوري عن الإسلاموية فيما إذا كانت مرضاً للعصر؟ فيقول جارودي: نعم، الإسلاموية مرض الإسلام عندما تختلط ''الشريعة'' بـ ''الفقه''، بمعنى الخلط بين قانون الله الخالد والشمولي وبين التطبيقات التي يمارسها السياسيون أو القانونيون في كل مرحلة من مراحل التاريخ· ولا بد من العودة إلى نماذج من التراث الإسلامي؛ لقد أعطى أبو حنيفة، الذي توفي في عام 767 ميلادية''مثالاً نموذجياً لهذا المنهج الفكري الذي أخلص لروح القرآن وواصل الإبداع في آن واحد· فالشريعة بإمكانها أن تصبح خميرة لحياة المجتمع وتطوره في كل مرحلة من مراحل التاريخ· ومما لا شك فيه، يقول جارودي، إن هناك أسباباً خارجية أدت إلى ركود الإسلام وتراجعه· فقد تمَّ سحق أكبر مركزين من مراكز إشعاع الثقافة الإسلامية، وهما: بغداد وقرطبة، حيث استولى المغولي هولاكو حفيد جنكيزخان على بغداد في عام ،1258 كما استولى فيرناند كاستيل الثالث على قرطبة في عام ·1936 إلا أن الأسباب التي ساهمت في انطفاء روح الإبداع العلمي تولدت من الداخل، ومنها: الشك اللاهوتي إزاء تجديد الاجتهاد لصالح التقليد والانطواء على الذات والعزلة والاكتفاء·

المحاكمة
لقد سيطرت موضوعات السياسات الأميركية على وعي المحاور بشكل لافت حتى انها أخذت حيزاً كبيراً من صفحات الحوارات، وعلى عكس ذلك بدت ترجمة شاكر نوري لوقائع المحاكمات التي تعرَّض لها جارودي أكثر تساوقاً مع موضوعها· ففي غضون ستة عشر عاماً تقريباً، تعرّض جارودي إلى محاكمتين: الأولى في عام ،1982 والثانية في عام ·1989 وبين الأمس واليوم، لم تتغير الصورة التي رسمها هذا المفكِّر -كما يقول نوري- عن السياسة الإسرائيلية التي تجسَّدت في خرقها لأبسط حقوق الإنسان، ولم يغيّر موقفه منذ مقاله الشهير (بعد المجازر في لبنان: معنى الاعتداء الإسرائيلي)، حتى كتابه (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) الذي حوكم عليه· وفي مقالته في صحيفة ''اللوموند'' الشهيرة في عام ،1982 شرح جارودي أبعاد المجازر في لبنان، والمعاني البعيدة للاعتداء الإسرائيلي، ولخّص ذلك كما هو آت: الهدف هو التوسّع بلا حدود، وسائل إرهاب الدولة، تمويل إسرائيل، جدلية نقاش الهولوكست، الجدل التاريخي للتوراة، والعنصرية· وكتب جارودي معلقاً على قرار المحكمة الذي صدر عام 1987 قائلاً: لم يكن هدفهم إزالة مخاطر انتقال العدوى بشكل مؤقت بل دفننا في الصمت وكمُّ أفواهنا وحرماننا من كل وسائل الإعلام؛ من الصحافة المكتوبة حتى دور النشر· وكانت ذريعتهم المختارة لوضعي في طيّ النسيان هي الصفحة التي كتبتها في صحيفة ''اللوموند'' بتاريخ 17 يونيو من عام ·1982 فقد حصلت من مديرها ''جاك فوفيه'' على موافقة بنشر صفحة كاملة مدفوعة الثمن، حررتها مع الأب لولونج والراهب ماتيو، بعنوان'' بعد المجازر في لبنان، معنى الاعتداء الإسرائيلي''، وقد تسلمت عن طريق الرسائل من مجهولين والمكالمات التليفونية، تسعة تهديدات بالقتل· لقد رفعت (الرابطة العالمية لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية) دعوى قضائية ضدي متهمة إياي بـ ''العداء للسامية والتمييز العنصري''· وقد ذكر محامي جاك فوفيه، رئيس تحرير صحيفة '' اللوموند'' آنذاك، أنه لا يمكن الخلط بين الجالية، وبدرجة أقل مع معتقداتها وبين دولة إسرائيل التي أدان ممارساتها في لبنان عدد من الشخصيات اليهودية الراقية من أمثال مانديس فرانس وناحوم غولدمان· إن دفاعنا، مع الأب لولونغ والراهب ماتيو، ينبعث من النص ذاته، ونحن نذكر أن حياتنا مدينة إلى إيمان الأنبياء اليهود· أما السياسة الصهيونية فإنها استبدلت إله إسرائيل بدولة إسرائيل، وسلوكها في لبنان وفلسطين نشأ عنها خليط كريه وشنيع لا يشرِّف الديانة اليهودية في أعين العالم· إن صراعنا ضد الصهيونية السياسية إذن لا ينفصل عن صراعنا ضد معاداة السامية·
ثم يمضي شاكر نوري بإيراد كامل نصوص وقائع المحكمة التي جرت لجارودي في المرحلتين، معززا كتابه بمجموعة من الصور الشخصية لمضيفه في منزله·