عربي ودولي

باكستان.. وتفكيك الترسانة النووية

اسلام أباد - الاتحاد - خاص:

منذ أيام ظهر الرئيس الباكستاني برويز مشرّف في العديد من العواصم العربية، وكانت تل أبيب تنتظر أن تكون في إطار العواصم التي يزورها في المنطقة· الرجل حذر، وإن ألمح في وقت سابق إلى إقامة علاقات مع الدولة العبرية·
الجولة أتت، فيما الرئيس الأفغاني حميد كرزاي يتهم إسلام آباد بمساعدة مقاتلي حركة ''طالبان''· هل الاتهام بضوء أخضر أميركي، لاسيما وأن هناك في واشنطن، كما في تل أبيب، مَن يقول بتفكيك الترسانة النووية الباكستانية خشية أن يفضي الموزاييك السياسي هناك إلى إمساك الأصوليين بالسلطة؟
استطراداً، هل وجّه أحد العرب سؤالاً إلى مشرّف حول الأمور الملتبسة في بلاده؟ ولكن أليس الالتباس سمة العديد من دول العالم في هذا العصر؟
بلاد الأطهار
خلال جولته العربية الأخيرة، وهي الأولى من نوعها، ربما كان هناك من طرح عليه هذا السؤال: ''لماذا أيها الرئيس برويز مشرّف تبدو الأمور ملتبسة إلى هذا الحدّ في باكستان؟''· ملتبسة في باكستان أم حول باكستان؟
بطبيعة الحال، ستكون الإجابة ملتبسة أيضاً· الدولة كانت حلماً، مجرّد حلم، حتى أنّ طالباً مسلماً في جامعة كمبردج يدعى شودري رحمت هو من قام بتركيب الاسم، وقبل 14 عاماً من ظهور الدولة التي تحمل هذا الاسم: الباء للبنجاب، والألف للمنطقة الحدودية في الشمال الغربي وكانت تُعرف في حينه بالمنطقة الأفغانية، والكاف لكشمير، والسين للسند وتان من بلوشستان·
الشاعر محمد إقبال هو الذي تولى تسويقه شعبياً، واعتبر أنه يعني ''بلاد الأطهار''· لكن الدولة ولدت قيصرياً، حتى أنّ المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي وصف مشاهد الرحيل والترحيل بأنها أشبه ما تكون بمشاهد الإلياذة، ولكنها الآسيوية هذه المرة·
الجغرافيا تعني هناك القلق· لا تزال كشمير على طاولة النزاع، ربما النزاع الأبدي، وهي لشدّة سحرها تبدو وكأنها امتداد للفردوس رغم البؤس والضغينة والضياع في تلك المنطقة· وكان هناك إقليم يدعى باكستان الشرقية الإسلامية· هي بلاد البنغال الذي يتجاوز عدد سكانها المائة مليون نسمة (الآن نحو 150 مليوناً أي ما يعادل تقريباً عدد سكان باكستان)· الإقليم ما لبث أن انفصل قيصرياً أيضاً·
الليلة الشكسبيرية
هزّات وانقلابات، ولحظات ديموقراطية، وأحداث شكسبيرية، ربما لأن مثقفي الأربعينات والخمسينات من الباكستانيين كانوا مفتونين بالكاتب الإنجليزي وشخصياته، حتى أن سايروس سالزبرغر وصف إعدام ذو الفقار علي بوتو شنقاً على يد الجنرال محمد ضياء الحق بـ''الليلة الشكسبيرية'' لأن شبحه سيلاحق إلى الأبد من اغتال ذلك الرجل الذي كان أوّل من فكّر بالقنبلة الذرية الباكستانية·
لكن الباكستانيين ما لبثوا أن صنعوا القنبلة· هذا كان يفترض أن يحدّ من منسوب القلق، ويجعل البلاد تتجه أكثر فأكثر نحو التوازن السيكولوجي، ولكن هل أن المشكلة موجودة، فعلاً، خارج الحدود أم داخل الحدود؟
الموزاييك مثير جداً· كمية الأمّية ضخمة جداً، اللعبة الاتنية معقدة، الديني يتداخل مع القبلي على نحو سريالي، حتى إذا ما صنعت واشنطن حركة طالبان من أجل حماية أنابيب الغاز الذي يأتي من تركمانستان إلى بلوشستان، عبر أفغانستان، باتجاه المحيط الهندي، بدأ يتشكل طراز آخر من الراديكالية، وإن كان واضحاً أنّ الجهاد ضد الوثنية السوفيتية أدى إلى تعميق مفهوم معين للإسلام الجهادي·
لكن ''طالبان'' ما لبثت أن تحوّلت، بقمصانها البيضاء، إلى ظاهرة إيديولوجية قابلة للالتهاب الشديد· لحظة التقاطع مع ''أسامة بن لادن'' كانت دقيقة ومؤثرة، وكانت التداعيات الديناميكية للنموذج تصل إلى باكستان التي ولدت، أساساً، في رحم إسلامي، وتعاني من مشكلة وجود العملاق الهندي على حدودها·
عبء استراتيجي؟
اللافت أن تكتب ''الفايننشال تايمز'' ذات يوم: ''هل تحوّلت القنبلة إلى عبء استراتيجي على باكستان؟''·
كان هذا قبل قصة عبدالقدير خان الذي قيل انه بعث بالأسرار النووية في كل الاتجاهات، فيما لوحظ عدد الدراسات التي وُضعت في معاهد الأبحاث الأميركية والإسرائيلية حول المخاطر المحتملة للقنبلة إذا ما تمزّقت باكستان، أو إذا ما تسلمت الحكم فيها جماعة متطرّفة وقريبة من ''القاعدة''، على الرغم من وجود جيش قوي ومتماسك في هذه الدولة، لكن الأميركي ''روبرت باور''، وهو باحث في الشؤون الآسيوية، يتحدث عن ''تفاعلات إيديولوجية واثنية هائلة'' داخل باكستان، مشيراً إلى أن ''الفيروس الأصولي'' تسرّب إلى المؤسسة الأمنية والعسكرية·
باحثون أميركيون مقرّبون من الدولة العبرية إذا تعاطوا على نحو عابر مع الوعد الذي أطلقه الرئيس مشرّف في عمان حول مساعدة الأردن تقنياً لبناء مفاعل للأغراض النووية، فإن هذه الإشارة حملت ''ديفيد آرثمان'' على التساؤل ما إذا كانت إسلام آباد ستساعد القاهرة، أيضاً، بعد إعلان الرئيس المصري حسني مبارك اعتزامه الاعتماد على الطاقة النووية، وبالطبع إقامة المنشآت الخاصة بذلك·
الاستخبارات الإسرائيلية
هذا يشعل أعصاب الإسرائيليين: أن يحدث تعاون نووي بين باكستان ومصر التي هي أكبر دولة عربية، وبالإضافة إلى قربها من الدولة العبرية، فهي تمتلك المدى الديموجرافي والجغرافي، ناهيك عن وجود جهاز بشري متخصص وشديد الفاعلية، ودون أن يبقى سراً أن الاستخبارات الإسرائيلية التي كانت تلاحق علماء الصواريخ المصريين في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر (وربما علماء الفيزياء الذرية أيضاً) ترصد، بدقة، حتى الاهتمامات الأكاديمية النووية للمصريين، مع التركيز على الطلبة الذين يدرسون اختصاصات من هذا القبيل في جامعات غربية متطورة·
ولعل المثير أنّ ''آرثمان'' يعتبر أن حالة العداء بين طهران وتل أبيب هي حالة طارئة أو تكتيكية، فيما يختلف الأمر بالنسبة إلى مصر حيث العداء، في نظره، ورغم معاهدة السلام يظل ذا طبيعة عضوية ودينامية وحتى تاريخية·
في إسلام آباد نفسها ثمّة مَن يتحدث عن ضغوط إما لوضع اليد على الترسانة النووية الباكستانية أو لتفكيكها· وإذا كان قد طلب من الرئيس برويز مشرف إنهاء القطيعة بين بلده وإسرائيل، فإن هذه ترى أن من الصعب جداً إقامة علاقات متطورة مع إسلام آباد، معيدة ذلك إلى قوة التيارات المتشددة، وتجذرها، في باكستان· ولكن أليس هناك من يتساءل كيف للرئيس الأفغاني حميد كرزاي، وهو حليف لواشنطن، أن يتهم السلطة الباكستانية بحماية رجال ''طالبان''· تحدث عن أجهزة الاستخبارات كما لو أنه يريد أن يوجه الاتهام إلى الرئيس مشرف مباشرة·
ضوء أخضر أميركي
كابول تتحدث عن أن مدينة كويتا تحوّلت إلى ملاذ لحركة ''طالبان'' التي تعيد تنظيم صفوفها على نحو فاعل· هل يستطيع كرزاي أن يوجّه مثل هذه الاتهامات الخطيرة دون الضوء الأخضر من واشنطن؟ الصورة معقدة، وملتبسة وغامضة· ماذا يريد الأميركيون من برويز مشرف؟
تضاريس سوسيولوجية لا حصر لها· أيضاً تضاريس جغرافية، فعلى مسافة ما من الحدود يوجد أسامة بن لادن، ومعه أيمن الظواهري ، ولا ريب أن رجالهم يطرقون تلك الطرقات الحدودية الكثيرة (طول الحدود 2430 كيلو متراً) التي يسلكها عادة الرعاة والمهربون من رجال القبائل الذين يتولون تهريب كل شيء تقريباً، من الأفيون إلى الدراجات الهوائية الصينية، وإن كان هناك مَن يسأل ما إذا كانت قد مرّت من هناك مواد مشعة أو بيولوجية إلى تلك الكهوف التي لا يستطيع أحد الاقتراب منها قط إلا إذا كان ينتمي إلى مجموعة محدودة جداً وموثوقة جداً·
ما يفصل بين البلدين يدعى ''خط دوران''، نسبة إلى الحاكم الإداري البريطاني السير مورتيمر دوران الذي قام بترسيم الحدود عام ،1893 وهي الحدود التي لم تعترف بها قط قبائل الباشتون الأفغانية، حتى أن كابول، وفي ذروة حكم ''طالبان'' رفضت التوقيع على اتفاقية تعتبر ذلك الخط الحدودي نهائياً·
جند الإسلام
استقلالية قبائل الباشتون، وبالطبع مع استحالة إخضاعها، حملت المستعمر البريطاني على ترك حرية جغرافية واسعة لهذه القبائل· وكان أن تمّ إحداث منطقة قبلية تتشكل من 7 وكالات في إطار باكستان المستقلة·
هذه المربعات القبلية هي موضوع الشكوى الأفغانية، فكابول تتهم إسلام آباد بترك مقاتلي ''طالبان'' وحلفائهم مثل تنظيم ''القاعدة'' و''الحزب الإسلامي'' الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق قلب الدين حكمتيار· وهؤلاء هم من يقاتلون القوات الحكومية وقوات حلف شمال الأطلسي التي تؤازرهم·
ولكن هناك في تلك الأمكنة كانت مستودعات أسلحة المجاهدين الذين تصدوا، وبمساعدة أميركية، للاحتلال السوفييتي· لم تستطع طائرات ''الميغ'' أن تفعل شيئاً مع أولئك المقاتلين الذين كانوا يتنقلون في سفوح تلك الجبال التي يصل ارتفاعها، أحياناً، إلى 4 آلاف متر· كانوا يعتبرون أنفسهم ''جند الإسلام''· ترسّخت لديهم تلك القناعة فولدت المشكلة لا أحد هناك يعرف مَن يصنع الآخر: الجغرافيا أم التاريخ؟
هذا يزيد الالتباس التباساً: رجال القبائل أقوياء الشكيمة· ماذا يمكن أن يفعلوا ذات يوم؟ إنه مجرد سؤال·· استراتيجي·

''أورينت برس''