دنيا

سـنغافورة.. أرض الغابات المطيرة

أحمد النجار (سنغافورة)

«أصابتني هذه البلد بعدوى الحب، وجعلتني أدمن عليها أكثر من 30 عاماً، لدرجة أنني أحرص على نظافة شوارعها تماماً كما لو أنها منزلي»، كلمات مؤثرة قالها حامد المرشد السياحي السنغافوري من أصول جزائرية، خلال رحلتنا السياحية إلى بلده الثاني، لاكتشاف مزاراتها الطبيعية، على متن الخطوط الجوية الإماراتية في رحلة استمرت 8 ساعات.
أيقظنا صوت كابتن الطائرة معلناً الهبوط، وقبل أن تحط الطائرة أرتنا نوافذها مناظر طبيعية ساحرة، فإذا كانت مساحة سنغافورة 720 كيلومترا فإن نحو 90% منها مغطاة بغابات مطيرة وبحيرات مائية وبرارٍ غنية بالحشائش والأشجار الاستوائية، مكونة فسحة بصرية منعشة للذهن والحواس، ومبشرة برحلة شائقة لاكتشاف الروائع والاحتفاء بأنشطة البلد الأكثر حداثة وتطوراً ودفئاً.
ويؤكد حامد أن مجتمع سنغافورة كله مهاجرون، يضم نحو 5 ملايين قدموا من ماليزيا وإندونيسيا والصين والهند وبنجلاديش، لافتا إلى أنه لا يوجد أي مواطن من أصل البلد، ويذكر أنهم يحملون ثقافات ولغات مختلفة توحدها اللغة الإنجليزية، ويعيشون في تناغم تحت مظلة القانون. ويضيف «كل المهاجرين الذي قدموا إلى سنغافورة منذ 200 سنة كانت تتملكهم رغبة النجاح في حياتهم الجديدة، ولايزال هذا الشغف يسكن وجدان أطفالهم وأحفادهم حتى اليوم».
وسنغافورة بلد عندما تتجول في شوارعه فإنك لا تجد فيها أي عامل نظافة، فيما الأمان يرافقك أينما حللت، حيث تحرسها شرطة من نوع خاص، عيونها لا تنام؛ إنها الكاميرات المزروعة في كل الأماكن، والتي تديرها نساء، ويفسر المرشد حامد ذلك بقوله: «مهنة مراقبة الكاميرات حصرية للنساء لأن الشعب السنغافوري يؤمن بقدراتهن في ملاحظة أدق التفاصيل، فضلاً عن أن طبيعة المرأة تؤهلها لمتابعة أكثر من مشهد في وقت واحد».
وفي جولتنا الأولى قصدنا منطقة الأعمال ذات الأبراج الزجاجية الشاهقة، التي كان يطلق عليها عام 2007 «منهاتن جنوب آسيا» وهناك ساندز سكاي بارك، والتي تقع على سطح «مارينا باي ساندز». وتضم مطاعم على السطح مثل سي لافي ومطعم سكاي اون 57 الآسيوي، ثم عرجنا باتجاه فندق «مارينا بينسين»، الذي يضمّ 2562 غرفة، وهنا يقولون إنه «لو نام شخص كل يوم في غرفة بداخله، سيستغرق ذلك أكثر من 5 سنوات». وصعدنا إلى الطابق الأخير على شرفته الخارجية لنطل على كامل معالم سنغافورة، ونستمتع بمسبح كبير إلى جانب مطاعم عديدة ومتنزه خاص، ويقال إن المسبح تم تصميمه لتكون مياهه صالحة للإطفاء في حال حدوث أي حريق في المبنى. وعلى حافة الخزان الوحيد الموجود في قلب المدينة، تقع حديقة «مارينا باريج» المطلة على البحر، وتعد متنفساً عائلياً صديقا للبيئة، ويطل على مناظر ساحرة على قناة مارينا، والمباني في شرق سنغافورة، ويجد فيها الأطفال مكاناً مثالياً للمرح وممارسة هواية اللعب بالطائرات الورقية.
وهناك يمكنك أن تعيش الفصول الأربعة في مكان واحد، مطر وبرد وطقس رطب وشلالات وأرض باردة وأزهار برية وبحرية من جميع حقول العالم كل ذلك في حديقة «جاردينز باي ذا بي»، وهي حديقة صديقة للبيئة ذاتية التشغيل تتمتع ببرودة خاصة من دون مكيفات، ويتم فيها ري النباتات من خلال أنابيب تحت الأرض، وتتألف من 9 طوابق، يوجد داخلها شلال صناعي ومنصّات عديدة لمشاهدة مناظر ساحرة، وتضمّ نباتات تعتمد على التبريد في نموها، ويوجد بداخلها قمع ضخم لتخزين مياه الأمطار واستغلالها في عملية التبريد، ومولد لتغذية المكان بالكهرباء بوساطة الطاقة الشمسية، فضلاً عن وجود أشجار خاصة تحرق نفسها لتوليد الكهرباء. ولا يخلو المكان من سوق للهدايا وقسم لعرض فيديوهات حية تشرح عملية التبريد وري الحديقة.
وفي اليوم الثالث من الزيارة انطلقنا إلى «فلاير» أو عجلة الهواء العملاقة، التي تستقبل الآلاف من الزوار، الذين يقصدونها في عطلات نهاية الأسبوع، وتتسع الكبسولة الواحد لأكثر من 28 شخصاً وتستمر في الدوران ساعة كاملة، وقد أصبحت مكاناً مثالياً لتوقيع العقود أو تنظيم المناسبات مثل حفلات الزواج. وتتميز بإطلالة خلابة على معالم المدينة كاملة، حيث تظهر من أعلى مناظر مختلفة لمعالم شهيرة منها ملعب مذهل فوق البحر، مجهز بأسلوب حداثي، أصبح مقصداً لهواة الرياضات المختلفة.
وفي اليوم الرابع، زرنا جزيرة «سينتوسا»، لركوب التلفريك، واستغرقت الرحلة نحو ساعتين في رحاب الخضرة وشريط المناظر المائية، وفي الجزء الشمالي من سنغافورة، توجد حديقة حيوان تمتد على مساحة 28 هكتاراً، وتضم أكثر من 2800 حيوان من مختلف بقاع الأرض، ويوجد بها قوارب للنزهة وأنشطة ترفيهية للعائلات.

تهذيب الحواس
يحتضن متحف العلوم للفنون عالماً ملوناً من الأضواء وفنون رسم الظلال على الجدران، إنه مكان لتهذيب الحس وتنمية الحواس بلوحات فنية تعبر دلالات وتعبيرات شاعرية وعاطفية. وتوجد داخل قاعاته ومنصاته لوحات فنية وألعاب إلكترونية تعتمد على تقنية الضوء والألوان مع صوت الموسيقى بأطياف نغمها وألوانها الناعمة، كما تضم معرضا فنيا يحوي صوراً ومقتنيات لأشهر رواد الفضاء في العالم منذ أول رحلة إلى القمر، وأبرزها معرض «ناسا» وكالة الفضاء الأميركية، وهو مفتوح حتى 2017 تعرض فيه نماذج لمركبات فضاء وملابس الرواد سيارات وعربات وملابس داخلية ووجبات طعام خاص. ويضمّ أكثر من 200 تحفة تاريخية من برامج الفضاء الخاصة بالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ونماذج من مركبات فضائية وصاروخية.

ثقافة الهدوء
لا أصوات تعلو في المدينة سوى زقزقة العصافير، ورغم تدفق البشر في الشوارع إلا أن الهدوء جزء من ثقافتهم فضلاً عن كون الشعب هناك خجولاً ويجد صعوبة في التقرب من الأجانب، والجميل في البلد أن الجميع يقبلون على وسائل النقل العامة مثل القطارات والمترو وغيرها نتيجة الكلفة الباهظة لاقتناء السيارة، وتتميز البلد بشبكة شبكة قطارات ضخمة تحت الأرض تغطي 80% من أجزاء البلد.

يحدث في سنغافورة فقط
في سنغافورة 3 آلاف مرشد سياحي، منهم 4 يتحدثون العربية، وكل سنغافوري يمتلك 4 لغات وثقافات مختلفة، متوسط الأعمار هناك 80 عاماً. وقال مرشدنا السياحي إن توثيق أي عقد زواج أو إصدار رخصة قيادة لسائق تاكسي أو لمرشد سياحي أو أي شخص يقدم على وثيقة رسمية سيتعاملون بموجبها مع المجتمع، فإن النظام يفرض عليه دروساً في فن التعامل مع الأطراف الأخرى. ولفت إلى أن الشعب مسالم ويحترم بانضباط قوانين بلده، ولا يعترض على شيء لأنه يثق بحكومته ويصدقها في كل شيء، وهي بدورها لم تتعهد له بشيء إلا ونفذته في سبيل خدمته ورفاهيته. وأضاف «يوجد في سنغافورة ركن خاص للخطابة يجتمع حوله الآلاف من المواطنين، للاستماع إلى أي شخص يريد أن يعبر عن رأي أو مشاكل أو هموم ومطالب اجتماعية وغيرها، ويسمى «منبر الشعب» يخطب فيه أي مواطن بشرط ألا يتضمن خطابه الدين والأعراق. ويسمح له بانتقاد الأوضاع وتوجيه الاتهامات ولكن بأدلة يحاسب عليها».