الإمارات

"أوكازيون" يحول الإجازة المرضية إلى بضاعة تباع وتشترى

تحقيق- حمد الكعبي:

ينعت عدد من الموظفين والمراجعين العيادات الخاصة بأنها ''بقالات بيع الإجازات''·· ومنح الإجازة المرضية أصبحت اليوم تجارة مربحة لبعض العيادات، التي استسهلت منح الإجازة المرضية للمراجعين الذين يتغيبون عن أعمالهم لأسباب غير مرضية وتعتبر بعض العيادات منح المراجع إجازة مرضية عرضا ترويجيا، وبابا من أبواب الدخل للعيادة نفسها، كما أنه يعتبر نوعا من الدعاية·

وخلال جولة ميدانية قامت بها ''الاتحاد'' على العيادات لكشف ملابسات القضية، اتضح أن بعض العيادات تقوم ببيع الإجازة رغبة منها في تحقيق مكاسب مالية ضاربة عرض الحائط جميع اللوائح والأنظمة القانونية المتبعة في الدولة وقد دار حديث بين مندوب ''الاتحاد'' وطبيب في إحدى العيادات، بعد أن انتحل مندوب الاتحاد'' شخصية موظف يرغب في شراء إجازة مرضية من العيادة·· الطبيب المناوب في العيادة قال لنا: ''أين كنت تسهر مساء أمس؟·· أنتم الشباب ترهقون أنفسكم بالسهر في دور السينما والمقاهي والتسامر مع رفاقكم، وذلك مضر لصحتكم، ولكن لا عليك هذه إستراحة مرضية من العمل مدتها يوم واحد، والمرض هو ارتفاع الحرارة !''·· وإذا وصلت الرسالة السامية لمهنة الطب إلى هذا الحد من الاستغلال، وهبطت إلى مستوى متدن لمساعدة ضعفاء النفوس للتحايل على القانون، فإننا نقول ''على مهنة الطب السلام''!!

الموظفون: نشتري الإجازة للهرب من الضغوط النفسية في العمل

يرى خالد سالم (موظف)، أن الإجازات التي تمنحها بعض العيادات الخاصة للموظفين بدون وجه حق، وهي نوع من التجارة، ويقول إنه لا يحب التعامل مع تلك العيادات لعدم نزاهتها في منح الإجازة·· مضيفا أنها تستخدم صلاحياتها في عمل ضار بالمجتمع، يرتكبه بعض ضعاف النفوس الذين لا يؤمنون بمبدأ أن العمل عبادة وأن منح الإجازة دون وجه حق، يتسبب في تأخير إنجاز المعاملات وبالذات إذا كان الموظف يعمل في قطاع الخدمات·
من جهته يرى أنور علي (موظف)، أن عمل تلك العيادات مفيد حتى ولو كانت تقوم ببيع الإجازات الى من لا يستحقها، ويقول إن العمل أحيانا يسبب ضغوطا نفسية للموظف بسبب تزايد أعداد المراجعين وتأخر العمل وديكتاتورية سعادة المدير ومطالب العائلة بحيث يشعر الموظف أنه يحتاج للراحة حتى ولو لم يكن يعاني من أي مرض عضوي، وهذا من حق كل موظف أن يأخذ قسطا من الراحة يبتعد عن جو العمل المكهرب·
موظف آخر يعمل في جهة حكومية رفض أن يذكر أسمه، يقول إنه يتعامل مع عيادة خاصة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وهذه العيادة تمنحه الإجازة بدون أن يراجع الطبيب، حيث تكتفي بإستخراج ملفه من الأرشيف وتقوم موظفة الإستقبال الموجودة في العيادة بتحرير إجازة له وختمها بالطابع الخاص بطبيب العيادة، ومن ثم تدخلها هي بنفسها للطبيب ويقوم بالتوقيع عليها دون أن يرى المستفيد من الإجازة، ويقول هذا الموظف الذي يقوم بالتحايل على جهة عمله، إنه يقوم بهذا العمل ويعلم أنه مخالف للقانون والعرف ولا يوجد من يرضى به، ولكنه يلجأ إليها من شدة ضغط العمل الذي يجعله ينام لفترات طويلة بعد العمل، تجعله لا يشعر بأنه يعيش في المجتمع وبالتالي يحتاج إلى إجازة لكي يستطيع أن يكمل حياته بصورة طبيعية كما يرى من وجهة نظره!

تصديق الإجازة

ومن جانب آخر يروي عوض علي (موظف حكومي)، قائلا إن الإجازات المرضية التي يشتريها من إحدى العيادات الموجودة في أبوظبي، لا يستطيع تقديمها لجهة العمل إلا بعد تصديقها من قبل اللجنة الطبية التابعة للهيئة الصحية، وتشترط جهة عمله أنه أذا كانت الإجازة المرضية من عيادة خاصة، فلا بد من تصديقها من المستشفى الحكومي، ولكن ما يحدث خلال التصديق أمر غريب حيث تكتفي جهة التصديق على الإجازة بلصق طابع خاص بها على الورقة ومن ثم إلزام صاحبها بدفع مبلغ مالي نظير الطابع!
وهذه العملية بسيطة جدا ويقوم بها مشتري الإجازات بعد الحصول عليها من العيادة الخاصة، كما يؤكد عوض بأنه إذا كان الراغب في الحصول على الإجازة يود الحصول على راحة يوم واحد فقط يدفع 100 درهم، إما إذا كان يريد الحصول على يومين فيدفع 200 درهم·· وتفضل العيادة التي يشتري منها الإجازات ألا تقوم بمنح المشتري أكثر من هذا العدد حتى لا يتم تحويل المريض أثناء المصادقة على الإجازة إلى لجنة طبية تقوم بفحصه وتشخيص المرض كما هو متبع في حالة الحصول على الإجازة الطويلة·
وتقول سلوى سالم (موظفة)، إن الأعباء الوظيفية تزداد عليها بين الوقت والآخر بسبب عدم وجود عدد كاف من الموظفين في القسم التي تعمل به، يكفي لتسيير العمل بكل يسر وسهولة على حد تعبيرها·· أضف إلى ذلك، كما تقول، مجهود تربية الأولاد ومشاكل الحياة الاجتماعية التي تطاردها·· كما أن المتطلبات والواجبات الاجتماعية تدفعها إلى اللجوء إلى ''عيادة الإجازات'' بإعتبارها أحد الزبائن الأساسين لتلك العيادة، مشيرة الى أن حجم ملفها في تلك العيادة يكاد ينفجر من عدد المراجعات والأمراض الوهمية التي تدعي إصابتها بها، لكي تحظى بإجازة مرضية تحاول فيها تنسيق وقتها وإعادة ترتيب بيتها ومتابعة أطفالها·· كل ذلك على حساب العمل! وتعلم سلوى أن ما تقوم به خطأ، وقد يعرضها للمساءلة القانونية في حالة معرفة جهة عملها بهذا الأمر الذي تستمر في ارتكابه منذ ما يقارب السنة ونصف السنة، ولكنها تقول : ''إن الحاجة هي أم الإختراع''·· والحاجة هنا هي المرتب والوظيفة لمساعدة زوجها من ناحية في متطلبات الحياة، أما الاختراع فهو الحصول على الراحة الكافية وعدم التقصير في واجباتها الأخرى عن طريق ''عيادة الإجازات''··
أصحاب العيادات الخاصة

يبررعدد من أصحاب العيادات الخاصة مواقفهم بأنها أفعال طبيعية، ولا تحتاج كل هذه الإثارة الإعلامية والبلبة التي تجعلهم يفقدون أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة لهم، جاء ذلك خلال محاولة ''الاتحاد'' مناقشتهم بمسألة تجارة بيع الإجازات التي يقوم بها بعض أطباء العيادات الخاصة· وقد أنكر البعض قيام عياداتهم ببيع الإجازات وقالوا: ''ذلك من حق المريض المراجع إذا رأى الطبيب بأنه يحتاج الى راحة من العمل''·· كما رفض جميع اصحاب العيادات التي تحاورت معهم ''الاتحاد'' بنشر أسمائهم أو أسماء عياداتهم·

الإجازة·· عرض ترويجي للعيادة

ويقول طبيب يعمل في عيادة خاصة، إن السوق مليء بالعيادات الخاصة مما يساهم بالتنافس في الأسعار أو بوجود عامل اختياري للمريض بين كم هائل من المستشفيات والعيادات في حالة نيته لمراجعة الطبيب، كما أن البعض يقوم بإجراء بعض العروضات الترويجية التي تجعل معظم المرضى يندفعون إليه وحتى لو لم يكونوا في حالة المرض، والعيادة التي يعمل بها الطبيب تقع في بعض المناطق المتطرفة، كما أنها لا توجد بها تخصصات سوى الطب العام وهذا منه الكثير لدرجة أن السوق يغص من كثرتهم ·
ويرى صاحب إحدى العيادات الخاصة أن قانون وزارة الصحة الذي نظم عملية الإجازات المرضية، كفيل بردع أي متجاوز، ولم يكن الأمر بحاجة إلى تدخل الإعلام لكي يكشف تلك الحيل على حد زعمه وقال: لاشك إن بعض العيادات تبيع الإجازات، ولكن ذلك لا يعني التعميم على كل القطاع الخاص، فتلك هي أعمال فردية يقوم بها بعض الأطباء والعيادات·· وينفي صاحب هذه العيادة أنه يأمر الطاقم الطبي الموجود في عيادته ببيع إجازات على المراجعين·

العيادات الخاصة واعية تماماً لدور اللجنة الحازم

أكدت موزة ماجد المنصوري مقررة اللجنة الطبية بالهيئة العامة للخدمات الصحية، أن القطاع الخاص لا يستطيع أن يمنح المريض إجازة لأكثر من ثلاثة أيام، ويتم التصديق عليها من اللجنة إذا كان التقرير واضحا ومطابقا لنوع المرض أو الإصابة أما إذا كانت مدة الإجازة أكثر من ثلاثة أيام، فتتطلب مصادقة اللجنة وتقوم اللجنة بإجراءات معينة وهي تحويل المريض الى مستشفى حكومي تابع للهئية، حتى يكشف الطبيب على المريض والتأكد من الأعراض التي كان يشكو منها، ثم ترفق اللجنة مع المريض خطابا توضح فيه للمستشفى المهمة التي قدم من أجلها المريض إليهم··
وأشارت موزة الى أن الجهة التي تقوم بالمصادقة على إجازات العيادات الخاصة في حالة ما إذا كانت أقل من ثلاثة أيام، هي قسم ''التراخيص الطبية''، حيث تقوم بلصق طابع على التقرير يفيد بأن المنشأة ''العيادة التي حررت الإجازة الطبية''، مرخصة من قبل الهيئة وملتزمة بكافة قوانينها، وتفرض رسوما على طالب التصديق، تبلغ قيمتها 50 درهما للشهادة الواحدة بغض النظر عن مدة الإجازة·· أي أنه لو قدم المراجع 3 شهادات طبية للإجازة وطلب التصديق عليها يكون الرسوم الواجبة عليه 150 درهما ، بواقع 50 درهما لكل شهادة ·
وأفادت موزة المنصوري أن هناك بعض الفئات المستثناه من تحصيل الرسوم وهم طلبة المدارس والمواطنون المقيمون في مناطق نائية مثل المنطقة الغربية (أ) و(ب) ومنطقة الوجن والقوع ومنطقة سويحان والفقع والشويب والمسجونون والمرضى المصابون بأمراض مزمنة وأصابات حوادث السير والتقارير الطبية المطلوبة من قبل المحاكم والشرطة·· أما بالنسبة لآلية تطبيق الإجازات للقطاع الحكومي بزيادة عن 7 أيام، فإنها تدخل إلى اللجنة الطبية ويتم تحويل المريض للمستشفى مرة أخرى إذا كان التقرير غير واضح أو أن الطبيب لم يضع شرحا كافيا للحالة المرضية وأكدت موزة أن العيادات الخاصة والمستشفيات والمراكز واعية تماما بالدور التي تقوم به اللجنة، مشيرة إلى أن الحالات التي اتضح فيها التلاعب بالإجازات نادرة جدا، وهناك قوانين وضوابط تفرضها الهيئة عليهم في حالات المخالفة الواضحة مشيرة إلى أن الطبيب يحق له أن يمنح 3 أيام، والإختصاصي من أسبوع إلى 10 أيام والإستشاري أكثر من شهر ولا يتجاوز 3 شهور والعيادات الخاصة 3 أيام ولا يستطيع الدكتور أن يمنح المريض شهرا الا أذا كان إستشاريا·

لا يجوز شرعاً

يقول فضيلة الشيخ طالب الشحي الواعظ بالهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، أنه بالنسبة للإجازة المرضية التي يشتريها الموظف من العيادة ليقدمها لعمله وهو قادر على العمل، فإن هذا التصرف لا يجوز شرعا لعدة أسباب منها: أن ذلك يندرج تحت باب التحايل على العمل، والعمل مسؤولية وأمانة موكلة الى الموظف وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ''إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة''·· ولابد على الموظف أن يراعي الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتقه من قبل جهة العمل·· أما الموظف الذي يتجرأ ويقوم بشراء إجازة مرضية من أجل إسقاط العمل اليومي عنه فإن ذلك يعتبر خيانة للعمل··· كما أن ذلك يعتبر غشا وخداعا وتدليسا وقال الرسول الكريم: ''من غشنا فليس منا'' والموظف عندما يخلص في العمل فإنه ينفع نفسه وأهله والمجتمع ووطنه·· كما أن جهة العمل تدفع له راتبا شهريا، وإذا تجرأ الموظف وطلب إجازة مرضية متحايلا على القانون، دخل المال الذي حصل عليه ذلك اليوم في الحرام لأنه حصل عليه دون وجه حق والإجازة الطبية التي تكون من غير مرض يعتبر فعلا حراما ويدخل فيها من أعانه على هذه الإجازة تحت بند التحريم·· أما العيادات التي تبيع هذه الإجازات وتأخذ المال في المقابل، فإن هذا المال حرام·

المتمارض يستحق العقوبة

حرصت ''الاتحاد'' على عرض الموضوع على القانونيين وقال فضيلة محمد باحث قانوني رئيسي بديوان الخدمة المدنية بداية نبدأ بتعريف واجبات الموظف والتي وردت في المادة (63) من قانون الخدمة المدنية الاتحادي رقم (21) لسنة 2001م في شأن الخدمة المدنية في الحكومة الاتحادية والتي تنص على انه '' يجب على الموظف أن يقوم بنفسه بالعمل المنوط به وأن يؤديه بدقه وأمانه وأن يخصص وقت العمل الرسمي لاداء واجبات وظيفتة، وأن يحافظ على الانتظام في العمل واحترام مواعيده الرسمية وأن يسلك في تصرفاته مسلكا يتفق وكرامة الوظيفه وعليه أن يراعي احكام القوانين والنظم واللوائح وتوجيهات الرؤساء والتقيد في انفاق أموال الدولة بما تفرضه الامانه والحرص عليها'' وبناء عليه فإن الموظف الذي يتغيب عن اداء عمله الوظيفي ويعلل كثرة غيابه بالمرض فيكون بذلك قد اخل بواجباته الوظيفيه وادعى ما هو بخلاف الحقيقة·ولحسن سير المرفق بانتظام فيكون للادارة مطالبة الموظف المتمارض بتقارير طبية تفيد ان سبب تغيبه كان بفعل المرض وتكون معتمدة من قبل الجهة الحكومية المختصة ·وفي حالة ما اذا تبين لجهة عمل الموظف انه كان يدعي المرض ولم يستطع اثبات ذلك بعد عرضه على الجهه المختصة فيكون من حقها اتخاذ اجراءات مساءلته تأدبيا طبقا للقواعد النافذة في هذا الشأن وتوقيع الجزاءات المقررة قانونيا عليه·