صحيفة الاتحاد

دنيا

التربية الأخلاقية.. جسر بناء مستقبل الطلاب

أحمد السعداوي (أبوظبي)

«وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا».. أشهر أبيات أمير الشعراء أحمد شوقي التي قيلت قبل أكثر من مائة عام، مستشهداً به على أهمية الأخلاق في بناء الأمم، ولذلك شرعت مدارس الإمارات مؤخراً في تدريس مادة التربية الأخلاقية، لتصبح جزءاً رئيساً في المنهج التعليمي، ومحوراً تقوم عليه تربية الأجيال الجديدة، ليصبحوا أكثر إبداعاً وقدرة على العطاء والتعامل مع الحياة بقدر كبير من الإيجابية التي تحتاجها الأمم خلال عمليات التطور والارتقاء، خاصة إذا ما اعتمدت الأخلاق كمادة دراسية، مثلما فعلت الإمارات لتكون خير وسيلة لتكريس أفضل المثل والقيم في نفوس الطلاب حسبما قال العديد من التربويين وأولياء الأمور، مؤكدين أن التربية الأخلاقية هي أفضل وسيلة لإعداد الطلاب لبناء المستقبل.

جوهر حياة
ويقول الدكتور ماهر المومني، الخبير التربوي، ومدير مدرسة المشاعر في أبوظبي: إذا تمكننا من تدريس هذه المادة بشكل جيد وفاعل، وبالتالي غرس القيم والأخلاق في نفوس أبنائنا، بحيث يتمثلون هذه القيم والأخلاق في ممارستهم العملية، أتوقع أن يكون هناك فارق شاسع بين ما نحن عليه والواقع المستقبلي، بحيث ترتقي أمتنا ويكون لدى الأجيال الجديدة هدف واضح، ولديهم القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة، وسمات قيادية، وجيل شاب لديه مبادرات، وحققوا العديد من النجاحات التي ترتقي بالوطن.
وعن أفضل أساليب تدريس مادة التربية الأخلاقية، نفى الخبير التربوي، الاعتماد على التلقين، لأن الأخلاق والقيم لا تلقن إنما هي ممارسة عملية، لافتاً إلى واحدة من المبادرات الجميلة التي قامت بها المدرسة في العام الماضي وتواصل القيام بها هذا العام، وتستهدف ترسيخ القيم الأخلاقية، مثل التعاون، الأمانة، حب الخير للآخرين، التسامح، حيث كان يتم اختيار بعض القيم المستمدة من هويتنا العربية الإسلامية ويجرى تفعيلها بشكل دوري كل أسبوع، نتعامل معها، ونوجه الطلبة لها، ونتحدث معهم عنها ونمارسها بشكل فعلي خلال هذا الأسبوع، حيث كان يتم وضع شعار هذه القيمة على صدر المعلمين والطلبة، بحيث نعلم الطالب في ممارساته كيف يتدرب على التعاون مع زملائه، تأدية الأمانة، وغيرها من السلوكيات التي لاحظنا تغييراً إيجابياً واضحاً في سلوكيات الطلاب خلال العام الدراسي.

جوهر حياة
المعلم جاسم الحمادي، يوضح أن التربية الأخلاقية موجودة بشكل أساسي في ديننا الإسلامي، فهي ليست مجرد مادة علمية يتلقاها طلابنا في المدارس، إنما هي جوهر حياتنا، ولذلك عمدت دولة الإمارات هذا العام إلى تدريس مادة التربية الأخلاقية، لتأصيل هذه الأخلاق وتجذيرها، ومن خلالها يتم غرس مفاهيم وقيم تتعلق بحضارتنا وديننا وتربيتنا وعاداتنا وتقاليدنا في دولة الإمارات والعالم العربي، فهذه المادة تتحدث عن كل ما يتعلق بالقيم والأخلاق الواجب أن يتسم بها أبناؤنا، بحيث تكون منهج حياة لهم في المستقبل.
وأشار إلى أن مادة التربية الأخلاقية تدرس لطلاب المرحلة الأساسية من الصف الأول إلى التاسع، مبيناً أن المعلمين الذين يقومون بتدريس التربية الأخلاقية خضعوا لدورات تدريبية للتعرف على مفاهيم ومكونات مادة التربية الأخلاقية وآلية التدريس وأهداف المادة والفكرة من هذه المبادرة، وأفضل السبل لتوصيلها إلى الطلاب.

إضافة شخصية
حمادة فاروق، معلم مادة التربية الأخلاقية، يقول إن تدريس هذه المادة، إضافة شخصية له، كونه يسهم في إنجاح واحدة من أهم المبادرات التي يشهدها المجتمع الإماراتي، وعند حضوره الدورة التدريبية الخاصة بالتربية الأخلاقية، تعرف على كافة المبادئ والأهداف الخاصة بتدريس مادة التربية الأخلاقية، مبيناً أن أهم أسس تدريس هذه المادة أن يلمسها الطلاب بشكل واقعي وليس مجرد كلمات تقال أو نصائح يوجهون إليها، وعلى سبيل المثال حين نتحدث في درس عن التسامح، أطلب من كل طالب، يكتب موقفاً خاصاً بالتسامح، ثم يحكي الطالب هذا الموقف أمام زملائه، كما طلبت من كل طالب أيضاً أن يأتي بقصة من ولي أمره خاصة بالتسامح، وعبر هذا الأسلوب يمتد أثر تدريس المادة الأخلاقية للبيوت وأولياء الأمور، ثم يقومون بدورهم في تعزيز القيم، عبر هذا التفاعل غير المباشر مع ما يتم داخل المدرسة، وتكامل خبرات الأهل مع التوجيه المدرسي، ويبلغ هذا التعاون منتهاه بين المدرسة وأولياء الأمور في ترسيخ قيم مادة التربية الأخلاقية، إنه سيتم توجيه الدعوة لبعض أولاء الأمور حتى يقوموا بسرد تجاربهم الشخصية أمام الطلاب.

رسائل للطلاب
نسرين عبد الجليل، معلمة التربية الأخلاقية، أوضحت أنه من خلال هذه المادة، نوجه رسائل للطلاب أن الأخلاق هي أفضل ما يعبر عن الشخصية، ولكما كنت ذا خلق حسن، كنت إنساناً راقياً، وتدريجياً أخذ الطلاب يستوعبون أهداف هذه المادة وقيمتها بالنسبة لشخصيتهم في الحاضر والمستقبل، وأصبحوا أكثر اهتماماً بها، خاصة وأن كل محتويات المادة تأخذ طابعاً عملياً بعيداً عن النظرية تماماً، ومنها تدعيم حب الغير واحترامه ودور هذا في إقامة مجتمعات قوية، وهو ما نراه في الإمارات بشكل واضح، إلى جانب غرس التطوع وحب الخير لفئات مختلفة في المجتمع من خلال التعاون مع هيئة الهلال الأحمر، وغيره من المؤسسات المجتمعية، بحيث نجسد القيم النبيلة لدى الطلاب بشكل عملي محبب إلى نفوسهم، ويتم تقييم الطالب في نهاية الأمر من حيث الأخلاق كأهم المعايير التي يتعامل بها المعلمون مع الطلاب.
ولفتت إلى أن التربية الأخلاقية تقوم على أسس غاية في الأهمية، أولها أن الطالبات يتعلمن خلالها كيفية التعبير عن أنفسهن، وترسيخ ما توارثنه من قيم أصيلة في المجتمع الإماراتي، عبر أساليب مبتكرة، ومنها أن بعض الفتيات يقمن بعمل قصص قصيرة حول هذه القيم، فضلاً عن انعكاس هذه السلوكيات والمبادئ على التعاملات فيما بينهن، وبينت أن مادة التربية الأخلاقية يتم ربطها مع بقية المواد الدراسية الأخرى من خلال ما يعرف بـ «ورقة التحضير»، بحيث يتم ربط كافة الدروس مع مادة التربية الأخلاقية لتكون هي الإطار الذي تتم من خلاله العملية التعليمية والتربوية داخل جدران أي مدرسة، بحيث تعمل كل المدرسة على الوحدة المقررة من مادة التربية الأخلاقية في كل أسبوع.

نهج قويم
ومن أولياء الأمور يقول مبارك الدرمكي، إن تدريس مادة التربية الأخلاقية على طلاب مدارس الإمارات، يأتي استمراراً للنهج القويم الذي يسير عليه وطننا الغالي، في التنمية الشاملة، وفي مقدمتها الاهتمام بالعنصر البشري، ومن الطبيعي أن يبدأ ذلك من طلاب المدارس باعتبارهم قادة المستقبل، وتزداد أهمية هذه المادة في عصرنا الحالي، حيث تداخل الثقافات والأفكار، فيكون ترسيخ القيم الأخلاقية الإماراتية المستمدة من هويتنا العربية والإسلامية حصناً منيعاً لأبنائنا في مواجهة هذه الثقافات، وفي الوقت ذاته يفرز الطاقات الإيجابية لديهم ويزيد قدرتهم على الإبداع والإنتاج إذا تم تدريسها بشكل عملي ومقبول لدى الطلاب وهو ما نرجوه، خاصة في ظل وجود منظومة تعليمية في الإمارات على أرقى مستوى تحسدنا عليها الشعوب الأخرى، واهتمام من أعلى المستويات في الدولة بكل ما شأنه رفع المستوى العلمي والأكاديمي والسلوكي للطلاب في مختلف مدارس الإمارات. موزة المحيربي، ربة بيت وأم لخمسة أبناء في مراحل التعليم المختلفة، أكدت أن الاهتمام بالجانب الأخلاقي لا يقل أهمية عن الجانب العلمي، إن لم يزد عليه، لأن الإنسان بلا أخلاق لا يساوي شيئاً مهما علا في درجاته العلمية أو المادية، ولذلك فإن جعل مادة التربية الأخلاقية مادة أساسية في مناهج التعليم من أبرز الخطوات التي شهدها المجال التعليمي مؤخراً، ويكشف عن رؤية مستقبلية بعيدة المدة لما ستكون عليه أجيال المستقبل من مستوى عال من الأخلاق يتماشى مع المستوى العلمي ودرجة النهضة التي حققتها دولة الإمارات حالياً.
ومن الطلاب، قال سعيد محمد النعماني، إنه على الصعيد الشخصي يشعر أن هذه المادة من أفضل المواد التي يمكن للطلاب أن يدرسوها، كونها تعلمنا كثير من الأشياء التي نحتاجها للتعامل في الحياة، والتي تجعل الآخرين ينظرون إلينا بالاحترام والتقدير، وعبر النعماني عن شعوره بالفخر، لأن حكامنا أطال الله في أعمارهم يقومون دوماً بتوفير كل سبل الدعم والحماية لنا، ومنها تدريس هذه المادة التي ترسخ فينا القيم الإماراتية العربية الأصيلة التي جعلت من شعب الإمارات واحداً من أسعد شعوب الأرض، وزرعت المحبة في قلوب العالم تجاه الإمارات وأهلها.

الحفاظ على سمات المجتمع
يقول حمادة فاروق معلم التربية الأخلاقية، إن هناك 5 أسباب رئيسة لتدريس التربية الأخلاقية على المجتمع الإماراتي:
1- الحفاظ على السمات المميزة التي طورها المجتمع الإماراتي.
2- الاستفادة من مخزن الحكمة الأخلاقية والمثل الصالح التي يزخر بها المجتمع.
3- الحفاظ على عادات وتقاليد وتراث وقيم الإمارات.
4- رعاية وتوجيه الشباب فيما يخص أساليب تعاملهم مع مزيج الثقافات والمعتقدات الموجودة داخل الدولة وإعدادهم لامتلاك القدرة على اتخاذ قرارات سليمة أخلاقياً والتعامل مع التحديات الناشئة.
5- تعزيز النجاحات التي حققتها الإمارات على صعيد تنمية الموارد البشرية من خلال تنشئة جيل من الشباب المسؤول والمدرك لحقوقه وواجباته والقادر على المساهمة الفعالة في تطوير المجتمع.

6 أهداف
هناك أهداف عدة لمادة التربية الأخلاقية على الفرد يحددها الدكتور ماهر المومني، الخبير التربوي:
1- بناء الشخصية: من خلال رسم ملامح شخصية الطالب التي تعزز لديه المرونة وروح الإصرار والمثابرة وأخلاقيات العمل القويمة.
2- إعداد لمرحلة الرشد من خلال تزويدهم بالمهارات اللازمة، مثل الوعي والصحة العقلية والجسدية.
3- غرس القيم من خلال تعليم الطلبة القيم العملية والأخلاقية التي تشكل روح المنهاج مثل التسامح، الاحترام، الكرامة، التواضع.
4- تشجيع الطلبة وتمكينهم ليصبحوا أعضاء فاعلين في مجتمعاتهم.
5- تعليم الطلبة تقدير ثقافة الإمارات، وتمكينهم من احترام الثقافات العالمية.
6- غرس الوعي بالتجربة الإنسانية للطلبة وجعلهم سفراء للقيم التي يجسدونها.