دنيا

الاهتمام بصحة العظام في الصغر يقي هشاشتها عند الكبر

النساء أكثر عرضة لتقوس الظهر وأمراض العظام في الشيخوخة (أ ف ب)

النساء أكثر عرضة لتقوس الظهر وأمراض العظام في الشيخوخة (أ ف ب)

إن حماية كل إنسان لعظامه أسهل مما قد يتصور. فيكفي الإلمام بمفاصل النظام الغذائي المناسب لاتباعه، والمواظبة على ممارسة الرياضة، وإيلاء أهمية أكثر إلى بعض العوامل ذات الصلة بنمط العيش حتى لا تؤثر سلباً على صحة العظام. لكن هذه الخطوات والتدابير الاحتياطية يجب أن تُتخذ منذ الصغر، وتتواصل حتى بعد أن يتعدى عمر الإنسان 30 سنة، حيث تصل كتلته العظمية ذروتها. فالعظام هي الإطار الهيكلي الذي يحمل الجسم، ومن ثم فإن الاهتمام به يضمن استدامة انتصاب القامة وقوة العظام أطول فترة، وإهمالها يعجل بانحناء الظهر وتقوس الفقرات وترقق العظم وإصابة المفاصل باضطرابات شتى.

تضطلع العظام بدور مهم في الجسم. فهي التي توفر للبدن بنيته وتحمي أعضاءه وتُرسي عضلاته وتخزن الكالسيوم الذي يمتصه. وعلى الرغم من أن بناء عظام قوية وصحية يتم بالأساس في مرحلة الطفولة، فإن العظام تبقى قابلة للتقوية والتمتين حتى عند بلوغ سن الرشد والتقدم في السن. وهناك تدابير بسيطة يمكن لكل راشد أن يقوم بها لحماية صحة عظامه.

عوامل مؤثرة

هناك عوامل عديدة قد تؤثر على صحة العظام. بعضها قابل للتغيير، وبعضها الآخر غير قابل. ومن هذه العوامل على سبيل المثال لا الحصر:
? كمية الكالسيوم في الغذاء. فالنظام الغذائي منخفض الكالسيوم يُسهم في تدني كثافة العظام، ويُعجل بفقدان الكتلة العظمية، ويرفع مخاطر الإصابة بكسور وإصابات في العظام.
? مستوى النشاط البدني. فالأشخاص الذين يعيشون نمط حياة ساكن معرضون أكثر للإصابة بهشاشة العظام مقارنة بأقرانهم من الذين يتبعون نمط حياة نشيط.
? التبغ والكحول. فقد أظهرت دراسات عديدة أن استهلاك التبغ والكحول يُسهم في إضعاف العظام. فشرب الكحول يزيد مخاطر التعرض لوهن العظام وتخلخلها، وذلك نظراً لأنه يحد من قدرة الجسم على امتصاص الكالسيوم.
? حواء وآدم. للنساء نسيج عظمي أقل من الرجال. وبالتالي فهن أكثر عرضة لهشاشة العظام وتخلخلها عند التقدم في العمر في حال لم يتبعن نمط عيش صحي.
? الشيخوخة. تصبح العظام أرق وأقل سماكة وأضعف متانة كلما تقدم الإنسان في العمر.
? العرق وحجم الجسم والتاريخ العائلي. فقد أشارت دراسات سابقة إلى أن الأشخاص الذين ينحدرون من أصول آسيوية بيضاء أكثر عرضة للإصابة بهشاشة العظام، وكذلك الأشخاص النحفاء جداً، خصوصاً من لا يتعدى مؤشر كتلتهم الجسمية 19 والذين لديهم أجسام صغيرة الحجم. ويرجع ذلك لكون مخزون كتلتهم العظمية يكون غير كاف لهم عند التقدم في العمر. وبالإضافة إلى هذا، فإن وجود أب أو أخ أو أخت سبق لهم المعاناة من هشاشة العظام أو كسور أو إصابات في المفاصل العظمية يرفع من مخاطر إصابة الشخص بوهن العظام.
? مستويات الهرمونات. فوجود كثير من هرمونات الغدة الدرقية يمكن أن يتسبب في فقدان كثافة العظم. وبالنسبة للنساء، فإن وتيرة فقدان الكثافة العظمية تزيد بشكل كبير بعد انقطاع الطمث بسبب تراجع إفراز الجسم لهرمون الإستروجين.
ويمكن لانقطاع الطمث عن المرأة لفترات طويلة بسبب الحمل أو الإرضاع أو الرياضة (انقطاع الحمل الرياضي) أن يؤدي إلى زيادة مخاطر الإصابة بهشاشة العظام. أما بالنسبة للرجال، فيمكن لانخفاض إفراز الجسم لهرمون التستيستيرون أن يؤدي بدوره إلى فقدان الكتلة العظمية.
? اضطرابات الأكل والجراحات الضارة بالعظام. فالناس المصابون بفقدان شهية الأكل أو بشراهة الأكل معرضون لفقدان كتلتهم العظمية أكثر من غيرهم. وعلاوة على هذا، فإن الخضوع لعمليات جراحية معينة يؤثر سلباً على قدرة الجسم على امتصاص الكالسيوم، وذلك مثل جراحات الاستئصال الجزئي أو الكلي للمعدة بغرض إنقاص الوزن، أو بسبب الالتهاب المزمن للأمعاء أو الداء البطني الذي يصيب الأمعاء الدقيقة، أو زيادة إفراز هرمون قشرة الكظر من الفص الأمامي للغدة النخامية.
? استخدام بعض الأدوية. فتناول أدوية تحوي هرمونات الكورتيزون المنشطة التي تنتج في قشرة الغدة الكظرية مثل «بريدنيزون» و»كورتيزون» و»بريدنيزولون» و»ديكساميتازون» يضر بالعظام. ومن بين الأدوية الأخرى التي تُضعف العظام وتزيد قابليتها للإصابة بالهشاشة والوهن أدوية مثبطات أنزيم أروماتاس لمدة طويلة لعلاج سرطان الثدي، ومثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الاختيارية، التي تستخدم كمضادات لعلاج الاكتئاب والقلق والأرق، وعقار الميثوتركسيت الذي يستعمل لعلاج السرطان، وبعض الأدوية المضادة للصرع، إضافة إلى الأدوية الكابحة للحموضة، والتي يصطلح عليها مثبطات مضخة البروتون المانعة لإنتاج العصارة المعدية، والألومنيوم المحتوي على مضادات حموضة.

أهمية العظام

تتغير العظام في جسم كل إنسان على نحو مستمر. فتتكون عظام جديدة وتضعف العظام القديمة وتتلاشى. وعندما يكون الإنسان صغيراً، يُكون جسمه عظاماً جديدة بوتيرة أسرع، في حين تقل وتيرة تلاشي العظام القديمة، وتكون الكتلة العظمية للجسم الفتي في تزايد مطرد. ويصل معظم الناس إلى ذروة الكتلة العظمية عند بلوغ نحو ثلاثين سنة.
وبعد ذلك تواصل العظام إعادة تشكلها، لكن الإنسان يفقد حينها أكثر مما يكسب نسبياً. وتتحدد قابلية كل شخص للإصابة بأمراض العظام كالهشاشة والوهن والتخلخل، بناءً على الكتلة العظمية التي كانت لديه عند بلوغه ثلاثين سنة، وعن وتيرة فقدانه لهذه الكتلة لاحقاً. فكلما كانت الكتلة العظمية القصوى التي بلغها الشخص في سن الثلاثين أعلى، زاد مخزون جسمه من النسيج العظمي وقل تعرضه للإصابة بالأمراض ذات الصلة بوهن العظام مع التقدم في السن.

خطوات وتدابير وقائية تحمي العظام

يوصي أطباء العظام والمفاصل باتباع عدد من الخطوات والتدابير من أجل حماية العظام وإبطاء وتيرة فقدان كتلتها مع التقدم في العمر. ومن أهم ما ينصحون به ما يلي:
? جعل النظام الغذائي غنياً بالكالسيوم. فمعهد الطب الأميركي ينصح الراشدين البالغين ما بين 19 و50 سنة بتناول ما لا يقل عن ألف ميلجرام من الكالسيوم كل يوم. وهذه الكمية ينبغي أن تزيد لدى النساء المتراوحة أعمارهن ما بين 51 و71 سنة لتصل إلى 1,200 ميليجرام يومياً. وبالنسبة للأغذية الغنية بالكالسيوم، فهي تشمل مشتقات الألبان واللوز والقرنبيط الأخضر (بروكولي) وسمك السلمون المعلب مع العظم والسردين ومنتجات الصويا، مثل جبنة التوفو النباتية. وإذا وجد الشخص صعوبة في الحصول على ما يكفيه من الكالسيوم من الغذاء، فيمكنه أن يطلب من طبيبه أن يصف له بعض مكملات الكالسيوم.
? فيتامين «دي». إذ يوصي معهد الطب الأميركي الراشدين المتراوحة أعمارهم ما بين 19 و70 سنة بتناول 600 وحدة دولية من فيتامين «دي» كل يوم، علماً أن هذه الكمية يجب أن تصل إلى 800 وحدة دولية يومياً لدى البالغين 17 سنة فما فوق.
وبالرغم من أن كثيراً من الناس يحصلون على كميات كافية من الفيتامين «دي» من الشمس، فإنها قد لا تكون مصدراً كافياً بالنسبة لجميع الناس وفي كل فصول السنة. ويمكن الحصول على فيتامين «دي» من مصادر غذائية أخرى مثل سمك التونة والسردين وصفار البيض والحليب المقوى ومكملات فيتامين «دي» الصيدلانية.
? ممارسة الرياضة. فالمواظبة على ممارسة تمارين التحمل مثل حمل الأثقال وكمال الأجسام، إضافة إلى المشي أو الهرولة أو الجري أو التسلق أو التنس، تساعد على بناء عظام أقوى، وتُبطئ وتيرة فقدان الكتلة العظمية.
? تجنب التبغ والكحول. فالإقلاع عن التدخين والابتعاد عن بيئات التدخين السلبي كالمقاهي التي تسمح بتدخين السجائر والشيشة يحمي العظام من الترقق مع مرور الوقت. كما أن الابتعاد عن شرب الكحول يجعل مخزون النسيج العظمي يصمد أطول فترة ممكنة.
? أدوية تقوية العظام. إذا شعر الشخص أن عظامه ليست قوية بما يكفي رغم قيامه بما يلزم غذائياً وحياتياً، فيمكنه اللجوء إلى طبيبه ليصف له أحد الأدوية التي تساعد على تقوية العظام والحفاظ على الكتلة العظمية، وذلك من قبيل دواء «بيسفوفوسفونات» و»رالوكسيفين». وفي حال تناولت دواءً من شأنه التأثير على صحة عظامك، فيمكنك استشارة طبيبك عما يلزمك اتخاذه من تدابير احتياطية موازية، وحتى يعينك على مراقبة كثافتك العظمية عبر توصيف الأدوية المثبطة لفقدان الكتلة العظمية أو المبطئة لوتيرة فقدان مخزون الكتلة العظمية.
? العلاج الهرموني للنساء. عندما تصل المرأة إلى مرحلة انقطاع الطمث، فإن هرمون الإستروجين يمكنه مساعدتها على الحفاظ على كثافتها العظمية. غير أن استخدام العلاج الهرموني من شأنه زيادة التعرض لمخاطر الإصابة بتجلط الدم وسرطان بطانة الرحم وسرطان الثدي. ولذلك لا يجدر للمرأة أن تلجأ إلى العلاج الهرموني إلا بعد التأكد من طبيب كفؤ وموثوق بأنه لن يكون له أعراض جانبية على صحتها. وينصح أطباء العظام والمفاصل بنشر ثقافة إجراء فحوص الكثافة العظمية للاطمئنان على صحة العظام، معتبرين أن الاطمئنان على صحة العظام لا يقل أهمية عن الاطمئنان على حسن أداء باقي وظائف الجسم.



عن موقع «mayoclinic.com»