الملحق الثقافي

بابلو نيرودا.. حَيَوات الشاعر

تقديم واختيار إيمان محمد

متجولا في محطات حياته، ومدن العالم التي عاش أو مر بها، وكاشفا أسراراً وتفاصيل شعره وذاتيته، كتب بابلو نيرودا مذكراته «المتقطعة» كما وصفها. نشرت المذكرات تحت عنوان «أعترف بأنني قد عشت» في برشلونة في مارس 1974 بعد ستة أشهر على وفاته، وكانت بمثابة احتفالية بالحياة العامرة التي عاشها الشاعر التشيلي المولود في 1904، والذي اتخذ اسما مستعارا طمس اسمه الحقيقي إلى الأبد، رغم عمله في السلك الدبلوماسي وتمثيله الرسمي لبلده في عدة دول، ومنذ شبابه اعتبر شاعر المستقبل وأفضل من يمثل الشعر الجديد في تشيلي، حتى حصل على جائزة نوبل للأدب عام 1971. لاحقه البوليس السياسي بعد عزله من مجلس النواب، وعاش تجربة تخفٍّ مثيرة، تنقل فيها من دار إلى دار في حماية الناس الذين تعاطفوا معه حتى تسلل هاربا عبر الجبال. عاد إلى تشيلي مرارا وشارك في الحياة السياسية والثقافية حتى توفي بالسرطان في بلاده عام 1973 بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح حكم الرئيس الليندي. حاول نيرودا في مذكراته أن يعود إلى طفولته وذكرياته البعيدة، وكشف عن عمق روابطه بالطبيعة وإن كانت قاسية، وفي تقديمه للكتاب يقول: «ربما لم أعش في ذاتي، ربما عشت حيوات الآخرين. بقدر ما استودعت هذه الصفحات من كتابة ستجود دائما- كما في غيل الخريف وكما في موسم الكرمة- الأوراق الصفراء التي تروح تموت والأعناب التي ستنبعث من النبيذ المقدس، حياتي هي حياة صيغت من كل الحيوات: حيوات الشاعر». المقاطع التالية هي جزء من مكنون هذه الحيوات.


في مقتبل طفولتي وفي بداية تعلمي الكتابة، شعرت ذات مرة بعالج عارم يغمرني فسطرت بضع كلمات شبه مسجوعة، عجبت لها ومنها، فقد كانت مختلفة متميزة عن الحديث اليومي والكلمات الأليفة، أعدت نسخها في خط أنيق بعد أن شذبتها، كنت حينذاك أسير جوىً عميق، سجين شعور ما كنت شعرت به من قبل البتة، شعور مستبطن غير مسبور، نوع من الكآبة والأسى.
***
عندما صعدت وبدأت بإنشاد أشعاري في صوت متأوه، لم يكن في العالم كله صوت أكثر منه تأوها، تبدل كل شيء، الجمهور يعطس، يُنكِّت، يتلهى بشعري الكئيب الحزين. حين رأيت هذه الاستجابة المخزية من قبل هؤلاء البرابرة الهمج أسرعت في القراءة وأوجزت فنزلت تاركا المنصة لزميلي (روميو مورغا) إن ما حدث عند ذلك لجدير بالتخليد والذكر. فما أن صعد (دون كيخوته) هذا الفارع الطول بثيابه الغامقة الرثة وأخذ ينشد بصوت أكثر من صوتي أنينا وتأوها، حتى بدا الجمهور وقد فقد قدرته على ضبط النفس وكظم الغيظ، بالصراخ والهتاف «يا شعراء الجوع، لا تفسدوا لنا الاحتفال».
***
كانت البطالة وقلة الأعمال تهز مؤسسات النظام الرأسمالي. كنت في تلك الأوقات أكتب في مجلة «وضوح» أسبوعيا. كنا نحن الطلبة ندعم المطالب الشعبية وندافع عنها وكثيرا ما كنا نصطدم بالشرطة أثناء مظاهراتنا في شوارع «سانتياغو» فينهال رجال الأمن علينا ضربا وتشتيتا. كان يصل إلى العاصمة آلاف العمال المطرودين من أعمالهم في مناجم ملح البارود والنحاس. لقد كانت المظاهرات وما يتبعها من حملات الاعتقال والاضطهاد تصبغ الحياة القومية للبلاد بطابع مأساوي.
منذ تلك الفترة وعلى تناوب امتزجت السياسة في شعري وفي حياتي. لم يكن ممكنا أن أغلق الباب عن الشارع وأقبع داخل قصائدي، كما لم يكن ممكنا إغلاق الباب عن الحياة، عن الفرح، أو عن الحزن في قلبي، قلب شاعر شاب.
***
إن كثيرا من هؤلاء الشعراء الشباب الذين التقيت بهم في كل مكان على طول الهند وعرضها، والذين لن أنسى نظراتهم الظليلة الكئيبة، كانوا قد خرجوا من السجن أمس أو أول أمس وربما يعودون إليه غدا أو بعد غد. لأنهم كانوا يحاولون التمرد على البؤس.
***
الشرق أثر في نفسي كونه أسرة إنسانية كبيرة تعيسة، دون أن أفرغ في ضميري أي مكان لطقوسه وآلهته. لا اعتقد، إذن، أن شعرى في ذلك الحين، قد عكس شيئا آخر غير الشعور بالوحدة، وحدة غريب نقل من منبت غرسه إلى عالم عنيف غريب.
***
أحضرت لي شقيقتي دفترا يحتوي على أشعاري الأولى، نظمتها بين عامي 1918 و1919. حين تصفحتها ابتسمت لذلك الألم الطفولي والعذاب المراهقي، ضحكت من ذلك الشعور الذهني بالوحدة الذي يطبع كل تآليف الشبان. إن الكاتب الشاب لا يستطيع أن يكتب شيئا دون هذه الرهبة من الوحدة ولو كان كل ذلك وهميًا ذهنيًا فرضًا، كما أن الكاتب الكهل الناضج لا يستطيع أن يعمل شيئا من غير طعم المصاحبة الإنسانية، طعم المجتمع.
***
تخلف (فيديريكو لوركا) عن الموعد، [السيرك] كان قد راح ليلقى حتفه، لم أره من بعد هذا أبدا. موعده كان مع مردة وسفاحين آخرين. هكذا بدأت حرب إسبانيا التي غيرت شعري، لقد بدأت بالنسبة لي باختفاء شاعر.
***
كنت قد نُحيت عن عملي القنصلي وهذا معناه أني بقيت بلا سنتيم واحد. فعملت بأجرة قدرها أربعمائة فرنك فرنسي قديم في جمعية الدفاع عن الثقافة التي كان يديرها (أرغون) كان لزوجتي (ديليا ديل كاريل) في ذلك الحين، ولسنين طويلة، شهرة بأنها غنية، مالكة، مخولة، لكن ما هو أكيد أنها كانت أكثر فقرا منى.
***
إن الشعر لهو دوما فعل سلم. إن الشاعر يولد من السلام كما يولد الخبز من الدقيق.
***
أفي مكنة الشعر أن يخدم أشباهنا من بني البشر؟ أفَيستطيع أن يصاحب الإنسان في صراعه ونضاله؟ لقد كنت أفرطت في المسير في درب اللامعقول، وفي مجال ما هو سلبي، فكان لابد لي من أن أوقف نفسي عن هذا وذاك وأن أبحث عن طريق ما هو إنساني، مبتعدا عن الأدب المعاصر ولكن بجذور عميقة تمتد إلى تطلعات الكائن البشري. لقد شرعت في العمل في كتابي «نشيد عام».
***
إن انتحاري الدبلوماسي منحني الفرح الأكبر: فرح أنني أستطيع العودة إلى تشيلي. إني لأعتقد أن الإنسان يجب أن يعيش في وطنه وأومن أن اجتثاث المرء من جذوره، واستئصال البشر من تربتها، لهما خيبة تعكر وضوح الروح واحباطا يفسد جلاء النفس.
***
كنت على وشك مغادرة السجن حين اقترب مني أحد حراسي ووضع في يدي ورقة، كان عليها قصيدة مكتوبة يهديها إليّ، أبيات بدائية مليئة بالأخطاء ومفعمة بالبراءة الشعبية. اعتقد أن شعراء قلائل في العالم أُهدي إليهم ما أُهدي إليّ وتلقوا تكريما شعريا من قبل الشخص الذي كانت مهمته هي الحراسة القاسية الشديدة كما تلقيت من حارسي الشاعر.
***
أبدا ما فكرت من قبل، حين كتبت أوائل كتبي المفعمة بالحزن والوحدة، أني مع مضي السنين سأجدني أنشد شعري في ساحات وشوارع ومعامل وقاعات ومسارح وحدائق عامة. لقد جبت وجلت في أنحاء تشيلي كلها أنثر شعري بين أناس شعبي.
***
لقد لذ لي ما قاله [جيفارا] لي عن كتابي «النشيد العام». كان يعتاد قراءته ليلا على رجاله المحاربين في «لاسييرا مايسترا». الآن، بعد أن مرت السنون، أقشعر حين أفكر أن أشعاري رافقته كذلك في موته. عن طريق (ريجيس دوبري) عرفت أنه في جبال بوليفيا احتفظ حتى آخر لحظة في زوادته بكتابين لا غيرهما: كتاب في علم الرياضيات وكتابي «النشيد العام».