الملحق الثقافي

ثنائية الضحية والجلاد

تعتبر ثنائية الضحية والجلاد من أبرز الثنائيات المهيمنة في الإبداع الإنساني عموما، وتتجسد هذه الثنائية من خلال رغبة المبدع في مقاومة الجلاد، ولكن الكثير من قراء الأدب والإبداع عموماً يرون أن هذه الثنائية لها الحضور الأقوى في أدب السجون وحده، بحيث ينقسم محور هذا الأدب إلى فرعين يتجادلان على الدوام من أجل أن يقضي أحدهما على الآخر.
وتتكرر ثنائية المقاوم والجلاد بالفعل في العديد من هذه الأعمال الأدبية، بحيث نشعر بأن كل هذه الأعمال بنيت ضد الجلاد، ويمكن أن نشير إلى روايات وسير ذاتية ترتكز على هذه الثنائية وتؤرخ لها في ارتباط بالعديد من المراحل السياسية، واذا ما أردنا أن نمثل لذلك من خلال السياق العربي، يمكننا أن نذكر «كان وأخواتها» لعبد القادر الشاوي، «سيرة الرماد» لخديجة مروازي، «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف، و«العين ذات الجفن المعدني» لشريف حتاتة.
وحين نعيد التفكير في هذه الثنائية، نجدها ثابتة في نواة الأدب بشكل عام، بل إنها يمكن أن تشكل محور الإبداع ككل؛ لأن الإبداع لا يقاوم فقط جلاده الملموس، ولكن الرمزي والمتخيل أيضا. ووفق هذا المعطى، فإننا إذا غيرنا منظورنا لهذه الثنائية، فسنغير من رؤيتنا لكل ما يبنى في الأدب، فإذا عدنا مثلاً لرواية «الاخوة كرامازوف» لدوستويفسكي، نرى أن هذه الرواية بنيت ضد كل مفاهيم الأبوة، ذلك أن الرغبة في القتل كانت تحذوها الرغبة في قتل السلطة بشكل عام، فالجلاد هنا هو الأب الذي يعكس اللاوعي العائلي الذي بني على نظام يكرهه الأبناء؛ لذا فإن قتله هو رغبة في التخلص من كل الاستيهامات التي تشكل بالنسبة للأبناء إعادة بناء تصورهم عن الأب كما هو بقوانينه الرمزية، أو كما يقول فرويد في كتابه «الطوطم والتابو» بأن قتله سرعان ما يجعل الأبناء يجددون الرغبة في أب جديد، فيعملون على بناء طوطم ينظم حياتهم، ولكن في الآن نفسه يدفعهم إلى التكفير عن الذنب الذي كانوا يشعرون به حين قاموا بعملية القتل.
إن السؤال الذي يبدو لنا أساسياً، ونحن نفكر في هذه الثنائية التي طالما ألهمت الإبداع بشكل عام، هو ألا يصل الأدب حين يقاوم جلاديه إلى أن يخلق بعد تحقيقه لهذا الانتصار إلى خلق جلاد جديد، مثلما يحتاج العالم بأسره إلى خلق أبوة جديدة كلما تم إعدام الأب القديم.
معظم الآداب العالمية قاومت الجلاد في ثنايا متونها، فـ «الحرب والسلم» لتولستوي، و«ذهب مع الريح» لمارغريت ميتشل، إلى غيرها من الأعمال دانت الحروب، حتى الأعمال التي لا تنعت جلادها بشكل مباشر بنيت على مقاومته بوساطة اللغة والحبكة والتأثير في المتلقي، حتى أننا نشعر ونحن نقرأ رواية «السيدة دالوي» لفيرجينا وولف وهي تتحدث عن الجندي الذي يعاني اكتئاباً حاداً بعد الحروب ويسمع أصواتاً مرعبة وفي الأخير يقرر أن ينتحر ويرمي نفسه من طابق علوي، كل هذه الصور كانت تدين الحروب والجلادين الذين خلقوها.
ويناقش الباحث الفرنسي «بيير بايار» في كتابه «هل كنت سأكون مقاوما أم جلاداً؟» هذه الثنائية واضعا محوراً أساسياً عن الآثار النفسية التي تنتقل في الإبداع أيضاً. ونحن نقرأ الأعمال التي ضجت بهذا المحور، متسائلاً أين كنا سنضع أنفسنا، ألا نتأثر بكل ما نقرأه ودون أن نشعر نجد ذواتنا في مكان ما؟
حين نقرأ الأدب أو نشاهد لوحات تشكيلية أو أعمالاً سينمائية إلى غيرها، نجد أنفسنا بشكل لا واع مكان الضحية، فنحن دوما نتخيل ذواتنا وقد تأبطنا شخصية البطل المهزوم الذي يعاني من أجل أن يغير مساره الفردي أو الجماعي، فالشاعر محمود درويش حقق من خلال هذه الثنائية حضوراً كبيراً لأن كل متلقي أدبه يعرفون قبلاً مدى حضور القضية الفلسطينية في الذهن العربي، وثانياً نظراً للمجازات القوية التي تصلنا من خلال أشعاره، يقول:
«أيها المارون في الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا
...
منكم السيف ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار ومنا لحمنا
منكم دبابة أخرى ومنا حجر»
فمن خلال هذه الأبيات، نلمس إلى أي حد تكتسب ثنائية الضحية والجلاد قوة تأويلية كبرى وقدرة على إدانة الطرف الأول (الجلاد) عندما ترفع الضحية صوتها من أجل فضحه وإبراز وجهه القبيح. وهذا ما يفسر لنا الضجة التي أثارتها هذه الأبيات، فالقارئ على الدوام هو في مكان الراغب في الخروج من هذا الأسر وإدانته شأنه في ذلك شأن الشاعر ممثلاً هنا في محمود درويش.
ويمكننا أن نستشهد بما لا يحصى من النصوص المنتمية للثقافات المختلفة والتي تتقاطع مع ما أوردناه من أبيات شعرية، وهي كلها تؤكد الرغبة في مقاومة الجلاد من منطلق أن هناك دائماً شيئاً يجب مقاومته، وقديما كنا نجد الشاعر العربي حين لا تدهمه الحروب يداهمه الخوف من الموت، على رأي الشاعر النابغة الذبياني:
فإنك كالليل الذي هو مدركي
وان خلت أن المنتأى عنك واسع
فحتى الإبداعات التي تظهر بوصفها منغلقة على ذاتها ولا علاقة لها بفكرة الصراع، والتي لا نجدها تشير بالأصبع إلى ذلك الآخر الذي يجعلها تنكمش على نفسها، تخاف هي أيضا الجلاد وتحاول الهروب من سياطه حتى لو أغرقت في كتابة بيضاء وكأن لا صلة لها بالواقع. وهنا تقع على المحلل مهمة استخراج هذه العناصر المتصارعة من خلال تأويل وتفكيك الملفوظات التي تخفي بقدر ما تظهر، والتي تتيح بذلك الفرصة للقارئ للمشاركة في إضاءة النص وإمداده بالدلالات المحتملة.