الملحق الثقافي

غورنيكا في مذبح الشمس جنّات لمراوح النار

ينتصب طائر العنقاء في بيت النار، يرفع رأسه عاليا، فاردا جناحيه باتجاه السماء..ومصفقا بهما بحزن وعنفوان إلى أن تشتعل فيهما ألسنة اللهب... ليبدو للناظر مروحة من نار.
من مذبح الشمس يطلع الفينيق، يعود إلى الشرق عبر أرض الجنتين مرورا بالرصافتين: الأندلسية والدمشقية محفوفا بالآلهة، إلى أن يحط رحالة في لوحة آسرة لفريدريش جوستين.. قبل أن يعيد بيكاسو وسلفادور دالي اكتشافه من جديد في لوحتيهما: غورنيكا، وامرأة برأس من الزهور!.

بحر الشيطان
ماذا يريد منك الغزاة إذن؟ أرضك أم سماءك؟
ربما تغدو مدنك، كتلك الشجرة اليمنية العجوز والمعمرة التي تمتص أرواح الموتى، لتتخذ مع الزمن هوية المقبرة، فهل أنت عربي؟
إنها بلادك، وهذا أنت أيها العربي، رحالة الدارات، وسندباد الجنات، خلقت في جنة، وتموت في جنة..هبطت من جنة وتعرج إلى جنة..وهاجرت من جنة لتلوذ بجنة...شيدت جنة لتدمر جنة..وربحت جنة لتفقد جنة.
كأنك لا تنجو من واحدة إلا لتهلك بأخرى، فأي مصير هذا الذي يؤرجحك بين شريحتين وراثيتين لتاريخين أحلاهما مر، يثبتان التطابق الجيني بين جنتين موعودتين، أولاهما في ممالك التيه، وثانيتهما في بحر الشيطان..!


أرض الجنتين
هناك، حيث الزمان مكان متحرك، والمكان زمان متجمد، كما تأمل «ابن العربي»، وقد أدرك الحقيقة، التي ترتبط بالسعادة، في جنة كان يطلق عليها قديما: العربية السعيدة، فإن لامسك قيظ الغواية في افتتان فيكتور هوجو بالشرق، فهذا يعني أن مَن وراء البحور، يحلمون بتاريخك، حين لا تقوى أنت على إيقاظه من منامك....فأي شرق بعد شرقك إذن يمكن له أن يكون (جنة الدنيا، والربيع الدائم المغمور بالورود، والجنة الضاحكة، وهبه الله زهورا أكثر من سواه، وملأ سماءه نجوما أغزر وبث في بحاره لآلئ أوفر).
النظرية الفردوسية
الجنات أمهات، ولكل أم جنة، كما لكل جنة أم، ومن يتأمل سحر عبارة «هوجو»، لن يحتاج لحنين مجاني إلى ماضيه السحيق، كل ما عليه هو أن يتذكر أن الجنة السعيدة في اليمن هي أم الجنات في حضارات العرب منذ حدائقها المعلقة وحتى إماراتها السعيدة، التي لم يخلق مثلها جنات، فقصور البلور التي تعوم فوق البحور، والحدائق الغناء بالماء والزهور، المتنزهات التي تتدفق بين جنباتها برك ونوافير ساحرة، المصابيح التي تنير طرقاتها في أحلك ساعات الظلام حتى لتبدو جوهرة سمراء أو كوكبا دريا في جيد السماء، دقة عمرانها، قصورها العربية، التي يزينها الخط العربي، قبابها، بواباتها، جسورها تقسيماتها الهندسية التي تستوحي من تراثياتها، كلها تحيلك إلى معجزات الدهور، وجنات ألف ليلة وليلة، منذ ملك سليمان، وحتى رصافة الشام وصولا إلى رصافة الأندلس، ليس انتهاء بمغارة الدم في قاسيون... لتبرهن لك أن العرب على ملة أجدادهم، بناة جنات، وأصحاب فلسفة عمرانية فريدة من نوعها، أطلق عليها الخبراء وعلماء البناء والآثار: النظرية الفردوسية.
فقدان غرناطة وافتقادها
كانت قرطبة، أعظم المدن في العالم، بقصورها التي فاقت المئتي ألف قصر، وطرقاتها، وحماماتها، ومصابيحها، ومساجدها التي وصلت إلى ستمائة مسجدا في قرطبة وحدها، وقد تعثر على روح أندلسية للوحة الفرنسي بيير أوجاست رينوار «مسجد في الجزائر» حين ترى بيت الصلاة محفوفا بجنة النعيم، كأنما هي جنة على جنة..
أما غرناطة، جنة الأسوار المغدورة، ودار قصر الحمراء، فتفطر قلبك، ليس من فقدانها إنما من افتقادها. وإن سألت فاسأل عن ربوة الشمس، في غرناطة، حيث مدرجات جنة العريف التي تعلو سفحا يعترش ربوة شاهقة، ينهمر الماء من أعلى قممها ليصب في قنوات تمر عبر أشجارها، وأودية النخيل، وبساتين الخلود، وأنهار عدن... فهل هي لعنة أم نعمة أن يرتبط قدرك في الأرض والسماء، بالجنة!

فكرة الجنة
في حديقة المباهج الأرضية أو جنة المتع الدنيا للفنان هيرونيموس بوس، ترى الجنة عن يسار اللوحة ينبوع الحياة وحوائها، وجهنم عن يمينها، وبينهما الآثام، فأية فكرة هي الجنة؟
عند سلفادور دالي تبدو لوحة امرأة برأس من الزهور، فكرة سريالية لجنَّة هي المرأة، أو ربما كان علي أن أقول فكرة لمرأة هي المدينة...بالنهاية (الأفكار صلوات، طالما أنك تمارسها وأنت جاث على قدميك)، ولهذا لا تملك وأنت تتأمل رمزية تجاور الجحيم مع الفردوس في اللوحة الأولى، وامتداد المدن عموديا متجهة نحو السماء برأس هو الحديقة، ومثبتة على الأرض بجسد مركب، وتفاصيل مشوهة، إلا أن تبكي على غورنيكا، فهل أنت عربي يا هذا!!!

جنات بلا قلب
(حين تفيض الآلام، تتداعى الفضيلة)، ولن نحتاج إلى (بهموت – حوت) ميثولوجي كي يحمل الأرض فوق ظهره كصخرة للخلود، ليس لأننا تسري في دمائنا مياه بحر الشيطان، بل لأننا رماد طائر الرعد... وما بين هذا وذاك، حبلا وريد يصلان بين جنة السماء وجنة الأرض، هما النيل والفرات اللذان يتدفقان من سدرة المنتهى ويسيران إلى ما شاء الله في الأرض ثم يخرجان منها، ليصبا في الشريان التاجي الذي يغذي بلورة الحياة الزجاجية: قلب الجنة.
ولكن هل للجنات قلب مثلنا؟ أم أنها بلا قلب!!! ليس المهم أن تبحث عن إجابة للسؤال، فتشريح جثة الفراديس المذبوحة لا يهم الخراب، فهناك ما هو أهم من الجنة!!!!

سياج الخرافة
لم يخذلك التاريخ، تماما كما لم يفعل الألم، ولذلك يحبُّك الغزاة، فهل ستعثر على حارث نبطي يضللهم في الصحارى كي لا يدركوا أرض الجنتين؟ وهل ستكتشف لذة الأكاذيب التي اعتاد السبئيون على اختلاقها لردع اليونانيين، وأكثرها رعبا عن الثعابين المجنحة التي لا تسمح لغيرهم بالاقتراب من جنات البخور واللبان؟
كأنك في بلادك السعيدة تستعين بالخرافة كسياج أمني للذود عن الحقيقة كلعنة وجودية...
جراحك تتمطى، وجناتك تتآكل، وغورنيكا التي ابتلع بها الدم الإسباني دمه، لم تكن هي اللوحة اليتيمة للخراب الفردوسي، لأن لها ما سبقها وما خلفها، في تاريخك العربي، تاريخ الجنات المفقودة !
انتهى عهد رثاء المدن، ولم يعد نقصان الشيء البلاغة القصوى لإتمامه، أما طيب العيش، فلم يكن يوما سوى خديعة حرب، تعلمت منها أن الجنات دول، اعتاد الزمان أن يناصبها الغزاة، وهذا قدر الغوايات......فكل جنة تتزين وتتجمل لأحبابها، هي جنة تحفر قبرها بمرآتها..... إنه ديدن الجنات...!!
سيطمع بك الطامعون، وستراهم يسنون أنيابهم متأهبين لقضم رمانك الذهبي، وبنفسجك الغسقي، وستظل انت ابن الجنة، الذي يعلن ميلاده في بيت النار ومذبح الشمس، لينطلق منهما إلى خيمة الفردوس: بلاد العرب السعيدة.
فهل بعد كل هذا ستسأل عما هو أهم من الجنة؟ لا تبك ملكا ضاع كالنساء إذن، ولكن لا تتخل عن البكاء كعهدة للسقوط الأخير، حين لا يبقى لك من خلدك سوى ضياعه...ويلاه!!!