ثقافة

افهموا أعداءكم

لكي يتم تحييده لا نحتاج إلى قنابل بل إلى الشجاعة والصلابة

في هذه المقالة المهمة، تتبدى القدرة التحليلية العميقة للمفكر السيميولوجي والناقد الأدبي الراحل تزفيتان تودوروف، هذا الكاتب الذي يغوص في بواطن الأشياء رافضاً الوقوف على حواف النظرة الخارجية أو الشكلية لها. وقد عرف تودوروف بمواقفه الإيجابية من الإسلام والمسلمين، وهو هنا يعمل مبضعه النقدي لتحليل مفهوم راج كثيراً وهو مفهوم «العدوّ».. أو الطريقة التي ننظر بها إلى أعدائنا، خاصة على الصعيد السياسي... في هذا المقال، وهو آخر ما كتب تودوروف، نقع على نظرة مختلفة للعدو، ليست نظرة إنسانية فقط، وإنما نظرة تبتعد عن «الشيطنة» التي جرت ممارستها من قبل الأطراف كلها، فكل اتجاه يرى في الاتجاه المناقض له (عدوّ) ينبغي القضاء عليه، وهذا ما تختلف عنه - جذرياً - هذه المقالة... هنا نصها:

على مدار طفولتي ومراهقتي في بلغاريا، البلد الذي ينتمي وقتذاك «للمعسكر الشيوعي»، الخاضع بالتالي إلى نظام توتاليتاري، يتبدى أن مفهوم «العدو» أحد المفاهيم الضرورية والمستعملة بصورة كبيرة. يسمح (المفهوم) بتفسير الاختلال القائم بين المجتمع المثالي – حيث من اللازم أن يسيطر الرخاء والرفاهية – والحقيقة الكئيبة التي نحيا في داخلها.

إذا كانت الأشياء لا تسير كما هو متوقع، يتأتى ذلك من الأعداء. وهؤلاء نوعان: في البداية، هناك العدو البعيد والجمعي، ذلك الذي سمي «بالإمبريالية الآنغلو- أميركية» (صيغة لا تتغير)، المسئولة عن كل الشرور في العالم الرحب. إلى جانبه، هناك العدو القريب، ذي السمة الفردية والحاضر في قلب المؤسسات المألوفة: المدرسة التي يدرس فيها، الشركة التي يعمل فيها، الجمعيات التي يرتبط بها. الشخص الموسوم كعدو لديه الحق في أن يكون قلقا: حينما تلصق به هذه البطاقة الشائنة، من الممكن أن يفقد وظيفته، قيده التعليمي، حق السكن في أي مدينة، وكذا من الممكن ملاحقته بالسجن أو بالأحرى اعتقاله في معسكر تأهيلي، وهو مؤسسة لم تحرم بلغاريا منها عصرذاك.

توتاليتاريّة لينين
باعتماد هذا الموقف، كان ممثلو السلطات يقتفون أثر التعاليم التي تركها استراتيجيو الثورة وعلى وجه التحديد لينين، مؤسس النظام التوتاليتاري الشيوعي، الذي أوَّل الحياة الاجتماعية إلى مصطلحات عسكرية. أي حالة صراعية تعين كل المعايير القمعية. فأي شخص ينقصه الطموح اللازم لبناء الشيوعية يتم النظر إليه كغريم، وكل غريم يصبح عدواً، ولا يستحق الأعداء إلا مصير واحد: الاستبعاد. ولذلك طالب لينين «باستئصال أعداء الحرية من دون شفقة ولا رحمة»، وإقامة «حرب استئصالية دموية». التوتاليتارية نزعة مانوية تقسم الشعب إلى نوعين حصريين، يجسدان الخير والشر، وبالتالي الأصدقاء والأعداء.
الشيء نفسه نجده لدى منظري الفاشية النازية، وأيضا نفس الاهتمام المرتبط بمفهوم العدو. وقد اختزل القانوني والفيلسوف الألماني كارل شميت (1888-1985) مقولة السياسة في «التمييز بين الصديق والعدو»، مقارنا حياة المدينة بالحرب. وهو يقابل ما أطلق عليه اليوتوبيات السلمية والليبرالية، التي تأمل في القضاء التدريجي على الحروب، بدورها: أي أن تكون العدو لكل من لا يريد أن يعرف نفسه كعدو.
الحرب ليست المظهر المألوف للسياسة، وإنما مظهرها المتطرف للغاية، لأنها المظهر الوحيد الذي يضع الفرد فيه وجوده بين يدي الدولة، والمظهر الوحيد الذي يفضي به للقبول بالموت كما القتل. لهذا السبب، لا يرتكن يقين شميت على تحليل تاريخي أو أنثروبولوجي، وإنما على دوغما مسيحية متعلقة بالخطيئة الأولى، يلصق بها فعل إيماني.

تغيير المعنى
متعايشا مع المفاهيم التوتاليتارية عن التاريخ، لا يؤدي مفهوم العدو دورا أساسيا في حياة الدول الديمقراطية، وإنما يستعمل عشوائيا بنفس المعنى. خلال الحرب، هذه الكلمة تعني – بالاتفاق – البلد أو التنظيم الذي يتم محاربته. في عصر الحرب الباردة، كان العدو هو الشيوعية في صيغتها السوفييتية، ومن يتعاطفون معها.
أيضا، العدو حاضر في الخطاب الشعبوي الديماغوجي، الذي يبين أن «عقاب المجرم باسم الجماعة» هو شخص مذنب بكل الآثام التي تثقلنا. في بعض الأحيان، نماثل العدو بالشعب: من مهاجري البلاد الفقيرة، المسلمين. يتمثل أثر هذه الأطروحات في دمغ ذهن الشعب بالشعور بالخوف وبالتالي تحريض جزء معتبر من الناخبين على التصويت للحزب الذي يصيغ هذه الاتهامات ويعمل على محو هذا العدو. في هذا الصدد، نلمس هوامش الإطار الديمقراطي.
وبالتالي هل من الضروري التخلي عن استعمال هذه الكلمة (العدو)، بالابتعاد عن مستعمليها المعاصرين ؟ أي قرار يتبدى غير مقبول، على وجه الخصوص في السياق الذي نجتازه، بما أننا لا نرهق في تعيين العدو، الذي يهددنا بالموت. الملاحظة الساذجة عن العالم المحيط بنا لا تحث المرء على التفكير في أن العدائية اختفت عن الأرض، بين الشعوب كما بين الأفراد : مجتمعاتنا غير مأهولة بالملائكة.
لتناول وظيفة مفهوم العدو في النظام الديمقراطي، يليق تغيير المعنى. إذ من غير الممكن الالتزام بنفس المسلمات الأساسية للفكر التوتاليتاري، الذي تبينه صيغ من نوع «الحرب تقول حقيقة الحياة»، او استدعاء الصفة المحددة «للخطيئة الأولى». هناك شيء من التوافق اليوم بين من يتساءلون عن نوع الجنس البشري: من الصعب التأكيد بكون الصراع، العنف، الحرب تمثل الصفة المهيمنة لجنسنا. إذا كان من اللازم الاحتفاظ بهذه المكانة، فمن الأولى التعاون بدلا من الصراع حتى الموت. وهذه الصفة تلمس جميع الشعوب في كوكبنا.
وبذلك نجد أنفسنا مدفوعين، ليس إلى تعيين عدو أي جماعة بشرية، وإنما إلى ملاحقة أصله في أيديولوجيا معينة أو دوغما معينة، في عاطفة معينة أو هوى معين. لن يصبح الأفراد «أعداء» إلا جزئيا ومؤقتا. في جميع الأحوال التي ذكرتها، العدو محدد لدى مجموعة من الأشخاص التي تحتل مكانة ثابتة في الزمن والفضاء: في لحظة معينة، الأميركيون بالنسبة للسوفييت، وبالعكس، وفي لحظة أخرى، مهاجرو بعض البلاد بالنسبة لأهل البلاد، وفي لحظة ثالثة، الإرهابيون بالنسبة للسلطات الشرعية.
إذا تخلينا عن جعل العدو ماهية من نسيج خاص، من الممكن أن نرى فيه خاصية، حالة دقيقة وعابرة، توجد في كل منا. بدلا من إقصاء الأعداء، نعمل على منع الأفعال العدائية. ذلك هو الدرس الذي علمنا اياه هذا المناضل الاستثنائي نلسون مانديلا : نجح في صرع عدوه، نظام الآبارتهايد، من دون سفك نقطة دم واحدة، وقد اكتشف لدى أعدائه شيئا من «الوميض الإنساني»، وفهم أسباب عدائيتهم وسعى بذلك إلى تحويلهم إلى أصدقاء.
ومع ذلك، الدول الغربية التي عانت من الاعتداءات «الإرهابية»، مثل الولايات المتحدة الأميركية وغيرها، ليست ملتزمة بهذه الطريق. إذ يفضل قادتها اعتماد قول لينين المأثور «استئصال أعداء الحرية من دون شفقة ولا رحمة».
في اليوم التالي للحادي عشر من سبتمبر 2001، طالب الرئيس الأميركي بلاده بالعمل على تأكيد، بكل الوسائل الممكنة، انتصار الحرية على أعدائها. وهكذا تبدت صفة جديدة في هذه المناسبة، وهي «المحاربون الأعداء» الذين لا يتمتعون بوضع المجرم، المحكوم عليه حسبما قوانين البلاد، ولا وضع الأسير، الذي تحميه معاهدات جنيف : وهؤلاء هم الذي يشغلون معسكر غوانتنامو. نتيجة هذه المقاييس المختلفة، كما نعرف، انتشار الإرهاب.

بطاقة عمياء
لا يتعلق الأمر هنا بتغيير دلالي لوظيفة الكلمة، ولا بالنقاش الفلسفي. من اللازم الإسراع بهجر البطاقات العمياء التي لا تزال تخدم القادة السياسيين الذين – إزاء الاعتداءات – يذكرون «العدو البربري»، «الأفعال الوحشية» أو «الأشخاص المرعبين». يعمل فهم العدو على اكتشاف الوسائل النوعية لمحاربته. دوما، من اللازم أن تظل وظيفة القوة، العسكرية أو الشرطية، ممكنة، وأي حملة وشيكة الوقوع يجب أن تتفادى الأسلحة.
بيد أن كل ما سبق لن يضيف أي نتيجة أخرى : فهم العامل العدائي من وجهة نظره يصبح الإعداد الحتمي لمحاربته. لأن خلف الأفعال الجسدية، تكمن الأفكار والانفعالات، التي من الممكن التعامل معها. ربما تكون العدائية معللة بشعور الاضطهاد، أو الظلم الفادح أو الغضب، أو أحلام القدرة، أو نتيجة الجهل. الأعداء ذوات إنسانية، مثلنا. لكي يتم تحييدهم، لا نحتاج بالضرورة إلى قنابل ولا مدافع وإنما إلى الشجاعة والصلابة المطلوبين دائما.
...............................................
(*) Tzvetan Todorov,  Ne déshumanisons pas l’ennemi, Le monde, 11. 12. 2015.



المحاربون الأعداء
في اليوم التالي للحادي عشر من سبتمبر 2001، طالب الرئيس الأميركي بلاده بالعمل على تأكيد، بكل الوسائل الممكنة، انتصار الحرية على أعدائها. وهكذا تبدت صفة جديدة في هذه المناسبة، وهي «المحاربون الأعداء» الذين لا يتمتعون بوضع المجرم، المحكوم عليه حسبما قوانين البلاد، ولا وضع الأسير، الذي تحميه معاهدات جنيف : وهؤلاء هم الذي يشغلون معسكر غوانتنامو. نتيجة هذه المقاييس المختلفة، كما نعرف، انتشار الإرهاب.

الديمقراطية
العدو حاضر في الخطاب الشعبوي الديماغوجي، الذي يبين أن «عقاب المجرم باسم الجماعة» هو شخص مذنب بكل الآثام التي تثقلنا. في بعض الأحيان، نماثل العدو بالشعب: من مهاجري البلاد الفقيرة، المسلمين. يتمثل أثر هذه الأطروحات في دمغ ذهن الشعب بالشعور بالخوف، وبالتالي تحريض جزء معتبر من الناخبين على التصويت للحزب الذي يصيغ هذه الاتهامات ويعمل على محو هذا العدو. في هذا الصدد، نلمس هوامش الإطار الديمقراطي.