دنيا

إجادة «فن الخطابة» تقضي على الارتباك والرهبة أمام الجمهور

مهارات الخطابة تتطلب الثقة بالنفس والتمكن من اللغة وسعة الثقافة (أرشيفية)

مهارات الخطابة تتطلب الثقة بالنفس والتمكن من اللغة وسعة الثقافة (أرشيفية)

يختلف الناس في تعريف الخطابة باختلاف نظرتهم إليها ومبتغاهم منها، وخبرتهم فيها، وقد ورد عن أرسطو أن الخطابة، هي «قوة تتكلف الإقناع الممكن» وورد عن ابن رشد أنها: «قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء المفردة»، وعرّفها آخرون بأنها: «مشافهة الآخرين لتوصيل فكرة أو مجموعة أفكار جديدة باستخدام أسلوب بياني واضح لإقناعهم بتبنّي تلك الأفكار أو النظر فيها».. وهذه المدارس وغيرها التي تحدثت عن فن الخطابة وكيفية اكتسابها ساقها خبير التدريب وتنمية القيادات إبراهيم الترعاني، في دورة تدريبية بمركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي تحت عنوان «مهارات الخطابة والإلقاء»، وناقشت عدة محاور منها: ما هو سر تأثير بعض المتحدثين والخطباء في مستمعيهم؟.. هل يكفي أن تمتلك عبقرية الكلمة لتكون خطيباً مؤثراً؟.. ما هي الأدوات التي يوظفها الخطباء العظام في المواقف الحرجة؟.. هل ينبغي أن تمتلك صوتاً رناناً وحنجرة ذهبية لتكون خطيباً مؤثراً؟.ما هي العناصر الثلاثة لمصداقية التواصل؟.. وكيف تتغلب على الارتباك والرهبة من الوقوف أمام الجمهور؟.

لكبيرة التونسي (أبوظبي) - «من خلال قراءته للتاريخ وعظمائه من الخطباء السياسيين والمفكرين والفاتحين وأمراء الحروب وقادة الأمم العريقة وروّاد الشركات العملاقة»، توصل خبير التدريب وتنمية القيادات إبراهيم الترعاني، الذي يحوز على خبرة تفوق ثلاثة عقود في تعليم مهارات الخطابة والإلقاء من مدراء ورؤساء تنفيذيين إلى وزراء وسفراء ومتحدثين رسميين بطريقة علمية حديثة، إلى تعريف يرتكز إلى شمائل وسمات مشتركة بين هؤلاء عبر التاريخ.
موضحاً: قبل أن آتي بالتعريف دعنا ننظر في تلك الشمائل والسمات التي تحلّى بها أولئك العظام ممّن ذكرت، فهُناك جملة من المبادئ الراسخة في وجدانهم منها المصداقية في إيمانهم بتلك المبادئ، العمل بها وبديمومة ثابتة، الاستقامة في التعامل مع الذات والآخرين، جملة من القيم والأخلاقيات التي يضعونها نصب أعينهم وغير قابلة للتفاوض أو المساومة، حيوية معدية وحماس متجدد وتأثير آسر، رؤية مفعمة بالتفاؤل حتى في أحلك الظروف وأصعب المواقف، انضباط صارم وصقل للذات وتهذيب للنفس، الشعور بالمسؤولية نحو إيجاد الحلول وابتكار ما هو أفضل، الشجاعة في التعبير عن القناعات وإن لم تكن تلق الاستحسان في حينها، العدل والإحسان.
أسلوب حياة
ويضيف الترعاني: «من الواضح أن هذه الصفات هي في جملتها تعبر عن أسلوب وطريقة في الحياة ربما يأتي بالفطرة أو يكون مكتسباً أو مزيجاً من الإثنين معاً، ولكنها ترجمة للشخص وما يعتمل بعقله ووجدانه، ولكن الأهم أننا نجد هذه الصفات في أولئك الرجال والنساء كامنة في فصول حياتهم التي سبقت ولوجهم بباب الشهرة أو اعتلاءهم مناصبهم سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو عسكرية أو مؤسساتية مهنية، تجارية، وقد تأتي الظروف وتقذف بهؤلاء في خضم الأحداث في عصرهم ليجدوا أنفسهم في محنة أو ابتلاء يخرج أحدهم من طرفه الآخر وقد تبوأ بتمازج صفاته وشمائله تلك مكانةً ينبغي عليه معها أن يخاطب الآخرين من أفراد أو جماعات، أصدقاء أو خصوم».
ويشير الترعاني إلى أمرين اثنين ويقول: «الأول أن تلك النفائس لو لم تكن موجودة في ذات أولئك العظماء لما كان لهم أن يتبوؤوا تلك المكانة، ولكانت بالضرورة من نصيب من كانت تلك النفائس في من حولهم أكثر وضوحاً وأعمق رسوخاً في ذاتهم وشخصهم، أما الأمر الثاني فيتعلق بالسببيّة، وهو أن استحواذ أولئك على هذه المميِّزات الشخصية كان سبباً في ارتقائهم، وليس العكس أي أنهم لم يمتلكوها بسبب تبوئهم المناصب وارتقائهم من بين معاصريهم، فالخطابة إذا هي «تضافر المقدرة على التواصل اللفظي واللغوي المسموع مع فضائل ومحاسن وإيمانيات المتواصل المعروفة عنه مسبقاً أو التي تظهر أثناء تواصله مع أفراد أو جماعات لتصنع تأثيراً إيجابياً لدى مستمعيه وتقنعهم بفكرٍ جديد يحملهم معه على تغيير سلوكهم المألوف أو نظرتهم المعتادة».
عبقرية الكلمة
ويوضح الترعاني أن حسن السيرة، وكياسة الخطيب لا تختزل قوة الخطيب وتأثيره، ويضيف: «نعم.. لكي يكون الخطيب فعالاً وناجحاً في التأثير في الآخرين واستمالتهم فلا بد من أن يتحلّى بهذه اللطائف، وأن يكون لديه قناعة راسخة وإيمان صادق فيما يقول لكي يستطيع أن يخلق لنفسه المصداقية التي ينفذ بها إلى أفئدة الناس، وفي هذا الصدد قال عامر بن عبد قيس - رحمه الله تعالى: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان».
وعن توفر القناعات في الخطيب لحصول الإقناع يقول الترعاني، إن من أجمل ما قالت العرب «كلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضح». كيف للخطيب إذاً أن يحرّك لسانه في كلمات لا يحرك بها قلوب مستمعيه إلا إذا كان يفتقر إلى القناعة بما يقول؟ وإلّا لكان منافقاً فيما يقول برّاقاً في ألفاظه يأتي التراكيب الأنيقة والتعابير الجميلة، ولكن الناس تستمع إليه من قبيل الأدب وربما الخوف دون أدنى تأثير في نفوسهم، أنا أعتقد أن توأمة الفضائل هذه مع سحر البيان وعبقرية الكلمة هي تماما كآلة العود....الأوتار «الكلمات الرنانة» تأتي بشكل متسق على جوف الآلة ويمثل ذلك البعد الأخلاقي للمتحدث، ومن غير الممكن أن نفصل أحدهما عن الآخر فليس من المعقول أن يأتي موسيقي ويقدم لنا عزفاً على عودٍ تقطعت أوتاره أو تحطم جوفه».
تاريخ الخطابة
وعن تاريخ الخطابة يقول الترعاني، إنها موجودة منذ وجود الكلمة وفي بدايات اللغات، وقد تحسنت عبر العصور بارتقاء وتطور اللغات، وكان اليونانيون أول من وضع للخطابة قواعدها في أواخر القرن الخامس ومطلع القرن الرابع قبل الميلاد.
وكان الفضل الأكبر في ذلك للفيلسوف أرسطو من بين أقرانه من فلاسفة اليونان، ومن بعد اليونانيين تميز الرومانيون بفن الخطابة، وكان لهم باع فيها ومن أشهر خطبائهم شيشيرون الذي يعرف بإمام الخطابة اللاتينية، وقد عاش في القرن الأول قبل الميلاد، أما بالنسبة للخطابة عند العرب فقد كانت في الجاهلية كما بعدها فطرية اقتضتها النزعات القبلية والنعرات العصبية، وتناولت كما الشعر الحسب والنسب والشجاعة والكرم، وقد كان لكل قبيلة خطيب يحفظ مآثرهم ويفاخر بها ويسمو بشأنهم بين القبائل ويغمز من قناة أعدائهم.
ويضيف: «من أشهر خطباء العرب كعب بن لؤي، وذو الإصبع العدواني، وقيس بن خارجة بن سنان، وخويلد بن عمرو الغطفاني، وعمرو بن كلثوم التغلبي، وقس بن ساعدة الأيادي، وأكثم بن صيفي، وقد أجمع علماء الأدب على متانة قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي في الخطابة، وأنهما أرعى للحق، وأبر بالمكارم، إذ تميزت خطبهما باقتباس من أحاديث وتعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أتت على فناء الحياة الدنيا ودوام الآخرة وأنذرت بالوعيد من أحوال الآخرة وبشرت بثواب الصالحين في جنات النعيم، وقد نسب إلى قس بن ساعدة أنه أوّل من خطب متكئا على عصا، وأول من كتب «من فلان إلى فلان» وأول من قال «أما بعد» وأول من قال «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر».
أقسام الخطابة
ويلفت الترعاني إلى أن الخطابة ترتكز على ثلاثة أقسام، ويوضح ذلك قائلاً: «كان اليونانيون أول من دون تقسيمها وهي، المقدمة والموضوع والنهاية، وهذه الأقسام لها فروع تختلف باختلاف نوع الخطابة ومدة الخطاب ونوع الجمهور، فالمقدمة تتألف من الاستفتاح أو الاستهلال والتوطئة، أما الموضوع فيدخل في سياقه العرض أو السرد والمناقشات والتبيين والتعليل والاستنتاج، وكثير من المداخلات التي تخدم عملية نقل الرسالة إلى المستمعين وإقناعهم بها، ثم تأتي الخاتمة وفيها تلخيص لأهم ما جاء في الخطاب وحث المستمعين على الأخذ بها وربما يستشهد الخطيب بقبس من الحديث الشريف أو القرآن الكريم، أو ما هو من ثوابت المتعارف عليه فيما يخص الموضوع ومن ثم يشكر القائمين على المناسبة ويثني على الحاضرين حسن الاستماع».
تحديات الخطابة
يحوز الترعاني على خبرة طويلة في تدريب بعض المسؤولين والمدراء التنفيذيين والمتحدثين الرسميين في مهارات الخطابة، ولاحظ أن لهم تحديات مشتركة يتقاسمونها يقول في هذا الشأن مؤكداً: «هناك شيء يتقاسمه معظم الناس على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وهو الرهبة من اعتلاء منصة الخطابة والوقوف أمام الناس وإلقاء كلمة فيهم، وأقول هنا لكل إنسان، إن كانت لديك رهبة فأنت لست وحدك وهذا شيء طبيعي وأن أكثر الخطباء الناجحين ومنهم العظماء كانت تعتريهم الرهبة والخوف من الخطابة وأن هذه الرهبة يمكن أن تتغلب عليها باستخدام بعض التقنيات المجربة». ومن بعض التحديات التي يواجهها الخطباء أيضاً تتعلق في إدراك بعض الأمور البسيطة في أساسيات الخطابة، مثل استخدام الصوت لجذب انتباه الناس، والاستحواذ على جميع حواسهم كخفض الصوت ورفعه ولينه في مواضع وشدته في أخرى وتكرار بعض التعابير الهامة والوقوف عندها ومد الصوت بها أو خفض الصوت بها إلى حد الهمس وإقحام المشاعر بها لخلق الإثارة لدى المستمعين، ومن أهم التحديات التي يواجهها الخطباء أيضاً التيه اللفظي أمام جمهورهم، حيث تخونهم الكلمات ويسود صمت لعدة ثواني، ولكنها تبدو دهراً للخطيب، مما يزيد في ارتباكه ويفسد عليه جمع أفكاره وهذا طبيعي أيضاً، ويمكن التغلب عليه بشكل بسيط من خلال الممارسة والتدريب».
الرهبة والخوف
وعن كيفية التغلب على الرهبة والخوف يقول الترعاني: «بادئ ذي بدء لا بد من أن ندرك أن الخوف هو ظاهرة طبيعية، ويعاني منها الكثير من الخطباء وبعض أفضل القادة السياسيين، وغيرهم في العالم، فعلى سبيل المثال عندما أصبحت مارجريت تاتشر رئيسة حزب المحافظين في بريطانيا سنة 1975 كان عليها في شهر أكتوبر من نفس العام أن تلقي خطاباً في المؤتمر السنوي للحزب أمام عدة آلاف من مواطنيها من أعضاء الحزب المحافظ، ولكن رهبتها من الوقوف أمام الآلاف من أنصارها كان قد بلغ لديها ذروته حتى أنها قبيل تقديمها للجماهير «تقيأت»، وهي التي سميت فيما بعد بالمرأة الحديدية».
ويتابع الترعاني حديثه: «الآن لو طلبت منك أن تحدثني عن بعضٍ من ذكرياتك الجميلة مثل أول يوم في الصف الأول الابتدائي أو أفضل المعلمات لديك في مرحلة المدرسة الإعدادية أو شيء من هذا القبيل، فأنت ستقوم بسرد تلقائي من الذاكرة وتعطي بعض التفاصيل دون التفكير في تقييمي وحكمي على هذا السرد، ولن يكون لديك أي ارتباك وستبلين بلاء حسناً، وهكذا، فإن النظر إلى الخطابة وكأنها حديث تلقائي وعفوي عن أمر أو موضوع ينبض به القلب ويزهر به الوجدان يساعد في التغلب على تلك الرهبة ويغدو سهلاً يسيراً ينطلق به اللسان، فالكثير من الخطباء من العمالقة في التاريخ كانوا يخطبون في الناس كما يتحدثون حديثاً عادياً دون اللجوء إلى الارتفاع والحدة في الصوت، ولكنهم بنفس الوقت كانت لديهم ملكة الكلمة والارتقاء البياني والأخذ بزمام التعابير والتمكن اليسير من الكلمة وجعلها مطواعة تأخذ بمجامع القلوب وتؤثر في الناس تأثيراً بالغاً، ومن هؤلاء المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ونيلسون مانديلا، ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشيرتشل».


سر نجاح التجارب الخطابية
يرى إبراهيم الترعاني، أن التدريب والممارسة على إلقاء الخطب سر نجاح بعض الخطباء ويضيف: «مما يساعد المبتدئين في كسر حاجز الخوف هو القيام بإلقاء خطاب قصير لمجموعة أفراد ربما في اجتماع مصغر أو تقديم متحدث في ندوة أو محفل بعدة كلمات في أقل من دقيقة والعمل على اقتناص فرص كهذه وفي خطابات وتقدمات تطول تباعاً مع الزمن، وأذكر الخطباء بأن الناس تتذكر أكثر شيء من خطبهم ما أتوا عليه أولا، ويتذكروا أول شيء منها ما أتوا عليه في الخاتمة، لذلك لا بد للمقدمة من أن تكون ملهمة وعلى الخطيب أن يختارها وكلماتها ومحتواها بشكل يجذب انتباه مستمعيه انجذاباً إليه ويخلق في أذهانهم ركيزة لبقية خطابه يبقيهم معها في حالة انتباه وترقب، ثم عليه أن يختم خطابه بأسلوب شيق يليق بما أتى عليه من إثارة ويناسب أسلوبه مما أتى عليه من فصيح الكلام وبليغ المعاني ليكمل بها أهم ما يريد مستمعيه أن يتذكروا من خطابه. كما أنصح أي شخص يريد أن يكون خطيباً مؤثراً أن يعمل على إثراء لغته بزخم المفردات ومعرفة الفروقات اللغوية ليستخدم الكلمة المناسبة التي تستدعيها المناسبة، كما يجب على الخطيب أن يكون واسع الإطلاع غني المدارك والمعرفة وأن يتذكر بأن سحر البيان وعبقرية التعبير وحدها لا تكفي للتأثير في الآخرين، ولكن لابد من أن يمتلك تلك اللطائف التي ذكرناها، كما أود أن أشير إلى أن الخبراء يقدرون أنه مع التطور المطرد للتواصل عبر الإنترنت فإنه بحلول عام 2015 ستكون 75% من رسائل الايميل عبارة عن فيديو ايميل، بحيث يتحدث المرسل بفحوى رسالته على الفيديو بالصوت والصورة بدلًا من طباعتها كما نفعل اليوم، لذلك حري بكل من يهمه الأمر رجلاً كان أم امرأة في خضم الحياة العملية والاجتماعية.