عربي ودولي

«فورين بوليسي»: الدوحة أغرقت واشنطن بالأموال لإجراء «الحوار الاستراتيجي»

دينا محمود (لندن)

رغم مرور أكثر من أسبوع على انعقاد اجتماعات حوارٍ وُصِف بالاستراتيجي بين أميركا والنظام القطري، لا تزال وسائل الإعلام في الولايات المتحدة تواصل الكشف عن تفاصيل الثمن الباهظ الذي تكبدته الدوحة، مقابل موافقة واشنطن على عقد هذه الاجتماعات، التي حاول المسؤولون القطريون تصويرها على أنها نجاحٌ دبلوماسيٌ لهم على الساحة الدولية.
فبعدما استعرضت مجلة «ذا أتلانتيك» قبل أيام التنازلات التي قدمها نظام تميم بن حمد في هذا الشأن، والتي شملت توسيع قاعدة «العديد»، والموافقة على التعاون في مجال مكافحة تمويل الإرهاب، والكشف عن تفاصيل مالية تخص شركة الخطوط الجوية القطرية، أكدت مجلة «فورين بوليسي» بدورها أن الحوار الذي عُقِد بحضور وزيريْ الخارجية والدفاع من كلا البلدين «لم يأتِ بثمن بخس» بالنسبة لقطر.
وفي تقريرٍ تحليليٍ أعده ريز دوبين وبيثاني آلين - إبراهيميان، عزت المجلة المرموقة انعقاد «الحوار الاستراتيجي» إلى الأموال الطائلة التي أنفقها النظام القطري على شركات الدعاية، وتكوين جماعات الضغط في الولايات المتحدة، منذ أن فرضت الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين) إجراءاتها الصارمة حياله مطلع شهر يونيو من العام الماضي.
وأشار التقرير إلى أن الإنفاق القطري الهائل في هذا الصدد استهدف استمالة «الحكومة الأميركية ووسائل الإعلام»، قائلاً، إن قطر «أغرقت واشنطن العاصمة بالأموال الرامية (لحشد) جماعات ضغط، وتعاقدت مع عدد كبيرٍ للغاية من شركات تقديم الاستشارات، لمساعدتها على تقوية علاقاتها مع الحكومة الأميركية»، في غمار الأزمة الناجمة عن رفضها التخلي عن سياساتها التخريبية وقطع علاقاتها بالتنظيمات الإرهابية والأنظمة المارقة، مثل نظام الملالي الحاكم في إيران.
وكشف تقرير «فورين بوليسي» بياناتٍ مذهلة في هذا الشأن، تفيد بأن النظام الحاكم في الدوحة «وكّلَ سبع شركاتٍ أميركية متخصصة في حشد التأييد وتكوين جماعات الضغط.. (وأنفق) قرابة خمسة ملايين دولار على حملاتٍ للعلاقات العامة مرتبطة بالأزمة الخليجية».
واستند التقرير في هذا السياق إلى سجلاتٍ تم تدوينها، وفقاً لقانون تسجيل الوكلاء الأجانب المعمول به في الولايات المتحدة، وهو القانون الذي يُلزم الشركات الأميركية - التي تمثل مصالح أجنبية بصفة سياسية أو شبه سياسية - بالكشف عن علاقتها بالحكومات الأجنبية، وتوفير معلومات عن أنشطتها.
وفي إشارةٍ إلى فداحة حجم الأموال التي بددتها قطر على هذا الصعيد، نقلت «فورين بوليسي» عن جيرالد فيرشتاين المسؤول عن القسم الخاص بمنطقة الخليج العربي في معهد الشرق الأوسط للدراسات - الذي يتخذ من واشنطن مقراً له - قوله: «سَتُشيّد العديد من المنازل التي تُخصص لقضاء العطلات، بفضل الأموال التي تُنفق في هذه المدينة (واشنطن) بشأن هذا الأمر» في إشارة إلى الأزمة القطرية بطبيعة الحال.
وأشارت إلى أنه بالتوازي مع «الحوار الاستراتيجي»، دُشِنَ في واشنطن كذلك مركز أبحاثٍ -موالٍ للنظام القطري على ما يبدو - يحمل اسم «منتدى الخليج الدولي». وأبرزت المجلة الأميركية الرصينة إقرار المسؤولين عن المركز بأنه يتلقى أموالاً من مؤسساتٍ تمولها الحكومة القطرية، رغم نفيهم لتلقيهم أي أموال من حكومة الدوحة بشكل مباشر.
وفي تحليلها لطبيعة حملات التضليل القطرية، نقل تقرير «فورين بوليسي» عن جان فرانسوا-سيزنيك، وهو زميلٌ غير مقيم في مركز «المجلس الأطلسي» للدراسات والأبحاث، إشارته إلى أن تلك الحملات تحاول تقديم «صورة أكثر انفتاحاً (لقطر) وصورة للانفتاح الثقافي» كذلك.
ولم يغفل التقرير الإشارة بدوره إلى أن ما يقدمه النظام القطري من تنازلاتٍ على صعيد قاعدة «العديد» الجوية الواقعة شمال غربي الدوحة، والتي يرابط فيها نحو 11 ألف عسكري أميركي، كان له دورٌ في حمل واشنطن على القبول بإجراء محادثاتٍ على مستوى رفيع مع كبار مسؤوليه.
ونقلت المجلة في هذا الشأن عن الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس - الذي كان من بين مساعدي الرئيس السابق باراك أوباما كما اختير من قبل مبعوثاً خاصاً لمنطقة الشرق الأوسط - القول إن «الجيش (في الولايات المتحدة) يُولي - ولأسباب مفهومة - اهتماماً بـ العديد».
وفي إشارة إلى استخدام نظام الحكم في الدوحة لهذه القاعدة كورقة مساومة، أكد روس - وهو حالياً زميلٌ بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى - أن المسؤولين العسكريين الأميركيين «لم يرغبوا في القيام بأي شيء يمكن أن يلقي بظلالٍ من الشكوك على قدرتنا على استخدام القاعدة، أو تمويل قطر لها».
لكن روس أبدى في الوقت نفسه تمسكه بالشكوك التي يُكِنُها حيال المواقف القطرية، قائلاً إنه لا يتعين أن تكون قاعدة «العديد» بمثابة «بطاقة خروج من السجن» بالنسبة لنظام تميم بن حمد المعزول حالياً في محيطيه الخليجي والعربي.