الملحق الثقافي

الحبُّ ليس خيطاًً أحمر

من أجل التوجه بإصرار «صوب الآخر» يجب أن تكون الرأس مرفوعة

من أجل التوجه بإصرار «صوب الآخر» يجب أن تكون الرأس مرفوعة

اختيار وإعداد - عبير زيتون
أمين معلوف
يقول صاحب كتاب «الهويات القاتلة» مُعرفاً عن نفسه: «ولدت في لبنان، وعشت فيه حتى سن 26، وتعرفت على ألكسندر دوما، وتشارلز ديكنز في ترجمات عربية، وفي قريتي الجبلية، قرية أجدادي، استمعت إلى بعض الحكايات التي سأستوحيها في رواياتي فيما بعد، فكيف أنساها؟ كيف يمكنني الانفصال عنها يوماً؟ لكن من جهة ثانية أُقيم منذ 22 عاماً على أرض فرنسا، أشربُ ماءها ونبيذها، تلامس أصابعي كل يوم حجارتها العتيقة، وأؤلف كتباً بلغتها فلا يمكن أن تكون بالنسبة إليَّ أرضاً غريبة. هل أنا إذاً نصف فرنسي ونصف لبناني؟ أبداً، فالهوية لا تتجزأ ولا تنقسم أنصافاً ولا أثلاثاً ولا مساحات منفصلة. باختصار... أنا (أمين رشدي معلوف - 1949) الاسم الذي لا يحتمل (الألقاب) وصاحب هوية أدبية «مركّبة» لبناني، عربي، فرنسي، أوروبي: أتبنى بصوت عالٍ جميع انتماءاتي، وأحلم بيوم تسير فيه المنطقة التي وُلدت فيها على الدرب نفسه، مخلفة وراءها زمن القبائل والحروب المقدسة، وزمن الهويات القاتلة، في سبيل إقامة بنيان إنساني مشترك، دون جدار يفصل بين الفضاءات الثقافية التي أنتمي إليها. طموحي هو المساهمة في هدمه. لطالما كان هذا هدف حياتي وكتابتي، وسأواصل السعي إليه إلى جانبكم». هذه المجموعة من الشذريات مختارة من كتبه: الهويات القاتلة، حدائق النور، اختلال العالم، التائهون، رحلة بالداسار، سلالم الشرق، سمرقند، القرن الأول بعد بياتريس، وبدايات.

«هويتي» هي ما يجعلني غير متماثل مع أي شخص آخر. بتحديدها على هذا الشكل تصبح كلمة «هوية» مفهوماً دقيقاً إلى حد ما، ولا يؤدي إلى أي لبس. هل نحن حقاً بحاجة إلى براهين طويلة لإثبات أنه لا يوجد ولا يمكن أن يوجد كائنان متماثلان؟ وحتى لو توصلنا غداً، كما يُخشى، إلى نسخ كائنات إنسانية، لن تكون هذه النُسخ متشابهة إلا لحظة ولادتها في أحسن الأحوال، إذ تصبح مختلفة منذ أنفاسها الأولى.

***
أنتمي إلى جميع الأديان ولا أنتمي إلى أيّ منها، لقد لُقّن الناس أن عليهم أن ينتسبوا إلى عقيدة كما ينتسبون إلى عرق أو قبيلة، وأنا أقول لهم إنهم يكذبون عليكم، اعرفوا... أن تجدوا في كل عقيدة، في كل فكرة، المادة المنيرة... وأزيحوا القشور.

***
إن ما أكافح وسوف أكافح ضده ما حييت، هو تلك الفكرة القائلة بوجود دين من جهة - المسيحية - كان مهيئاً في كل الأوقات لنقل الحداثة والحرية والتسامح والديمقراطية، يقابله دين آخر - الإسلام - محكوم منذ البداية بالطغيان والظلام، إن هذه الفكرة مغلوطة وخطرة، وهي تسد كل الآفاق أمام قسم كبير من البشرية.
***
إن الأفكار التي سادت عبر التاريخ ليست بالضرورة تلك التي من المفترض أن تسود في العقود القادمة، فعندما تبرز حقائق جديدة نحن بحاجة إلى مراجعة مواقفنا وعاداتنا.. وفي بعض الأحيان حين تبرز هذه الحقائق بسرعة فائقة، تبقى ذهنياتنا متخلفة عنها، ونجد أنفسنا نكافح النيران بمواد قابلة للاشتعال.
***
«القيم» لفظة... لاكتها الألسن كثيراً، وتحتمل الكثير من المعاني، فهي تسبح بسهولة بين المالي والروحي، وقد تكون، في حقل المعتقدات مرادفاً للتقدم أو للانقيادية، للتحرر المعنوي أو الخضوع.
***
إننا غالباً ما نهول تأثير الأديان على شعوبها، ونُهمل على العكس تأثير الشعوب على الأديان.
***
إن جميع «العقائد» قد تنحرف عن أهدافها، ويشوبها الفساد، وتقوم بسفك الدماء من الشيوعية إلى الليبرالية والقومية، وكل ديانة من الديانات الكبرى وحتى العلمانية. لا أحد يحتكر التطرف وبالعكس لا أحد يحتكر النزعة الإنسانية.
***
إن الحركات الأصولية، ليست وليدة التاريخ الإسلامي، بل هي وليدة عصرنا، واضطراباته، وتشوهاته، وممارساته وخيباته.
***
أصبح من الضروري حتماً طرح أسئلة معقدة مثل: «كيف نخوض الحداثة دون أن نفقد هويتنا؟ كيف نستوعب الثقافة الغربية دون التنكر لثقافتنا الخاصة؟ كيف نكتسب مهارة الغرب دون البقاء تحت رحمته؟».
***
الغرب لا يريد أن يكون له مثيل.. وكل ما يريده الطاعة والخضوع.
***
ما آخذه على «العالم العربي» اليوم هو (فقر وعيه الخُلقي)، وما آخذه على «الغرب» هو ميله إلى تحويل، وعيه الخلقي إلى «أداة» للسيطرة.
***
يجب العمل بحيث لا يشعر أي إنسان بنفسه مستبعداً عن الحضارة المشتركة التي تبصر النور، وأن يجد كل إنسان فيها لغته الانتمائية وبعضاً من رموز ثقافته الخاصة.. وأن يتمكن كل إنسان من التماهي ولو قليلاً مع ما يبرز في العالم الذي يحيط به، بدلاً من اللجوء إلى ماضٍ يعتبره مثالياً.
***
إن نظرتنا هي التي غالباً ما تسجن الآخرين داخل انتماءاتهم الضيقة... ونظرتنا كذلك هي التي تحررهم.
***
إذا كان البشر في كل البلدان ومن كل الطبقات وكل المعتقدات يتحولون بسهولة فائقة إلى قتلة... وإذا كان المتطرفون من كل المذاهب ينجحون بسهولة بالغة في فرض أنفسهم كمدافعين عن الهوية.. فذلك لأن المفهوم «القبلي للهوية» الذي لا يزال سائداً في العالم أجمع يشجع على هذا التدهور.
***
الوطن الذي بوسعك أن تعيش فيه مرفوع الرأس، تعطيه كل ما لديك حتى حياتك.. أما «الوطن» الذي تضطر فيه للعيش مطأطئ الرأس فلا تعطيه شيئاً، فالنبل يستدعي العظمة. واللامبالاة تستدعي اللامبالاة. والازدراء يستدعي الازدراء. ذلك هو ميثاق الأحرار. ولا أعترف بميثاق آخر.
***
نحن جميعاً على متن زورق هزيل سائرين إلى الغرق معاً، لكننا مع ذلك لا نكف عن تبادل الشتائم والمشاحنة غير آبهين لتعاظم أمواج البحر ولعلنا حتى قادرون على الترحيب بالموجة القاتلة إذا ما ابتلعت أعداءنا أولاً إبان صعودها نحونا.
***
يا صديقي، لن نفهم كيف يسير العالم إذا تخيَّلنا أن الناس يتصرفون دائماً بتعقُّل. الخَرْق هو المبدأ الذكوري للتاريخ.
***
يكفي أن نراجع أحداث السنوات الأخيرة لنتبين أن كل جماعة إنسانية مهما كان شعورها بالاضطهاد أو بالخطر ضئيلاً، ستميل إلى إنتاج قتلة يرتكبون أسوأ الفظاعات، مقتنعين أنهم على حق، وأنهم يستحقون السماء.
***
نعم، في كل خطوة في الحياة نصادف إحباطاً وخيبة وإهانة. فكيف لا تصبح شخصيتنا ممزقة؟ وكيف لا نشعر بهويتنا مهددة؟ كيف لا نشعر بأننا نعيش في عالم يمتلكه الآخرون، ويخضع لقواعد يمليها الآخرون.

***
انتبهوا، فلان «يهودي!»، «فلان مسيحي!»، «فلان مسلم!»، فيؤدي ذلك لأن يكبت كل منهم آراءه التي يرددها دائماً، تلك الآراء التي نقولها عندما «نكون بين ظهرانينا»، ويُطلق عوضاً عنها ترَّهات منافقة يظن أنها تعكس الاحترام الذي نُكنُّه للآخر، بينما هي في الحقيقة، انعكاس للازدراء والنفور كما لو أننا ننتمي إلى أجناسٍ مختلفة.
***
العالم حافل بالأشخاص المثيرين للشفقة الذين يتخيلون أنه يمكن خداع الله، وأنه يكفي عدم القتل، وعدم السرقة للمحافظة على نظافة الكف.
***
ليست خطيئة الدول الأوروبية المزمنة في كونها أرادت أن تفرض قيمها على باقي العالم، بل العكس تماماً هو الصحيح: كانت خطيئتها في تخليها الدائم عن احترام قيمها في علاقاتها مع الشعوب المغلوبة.
***
الغرب هو المؤمن، حتى في علمانيته، والغرب هو المتدين، حتى في إلحاده. وهنا، في المشرق، لا يكترث الناس للعقائد الإيمانية، بل للانتماءات، فطوائفنا «عشائر»، وغلونا الديني شكل من أشكال القومية لا غير.
***
إنني مقتنع أشد الاقتناع بأنه إذا لم يتوصل «الشرق» في بداية القرن هذا إلى الاستيقاظ... فإن الغرب لن يتمكن قريباً من النوم.
***
يتحدث البعض عن اكتظاظ سكاني؟! إذا كانت الأرض مزدحمة، فهي مزدحمة بأطماعنا، وأنانيتنا، وعنصريتنا، ومجالنا الحيوي المزعوم ومناطق النفوذ أو المناطق الأمنية، وأيضاً استقلالاتنا التافهة.
***
لا شيء أخطر من محاولة قطع حبل السرة الذي يربط الإنسان «بلغته». فعندما ينقطع هذا الحبل، أو يتعرض للاهتزاز، ينعكس بصورة سلبية للغاية على كل الشخصية.
***
المهزومون ينزعون دوماً لإظهار أنفسهم بمظهر الضحايا الأبرياء، ولكن ذلك لا يطابق الحقيقة، فهم ليسوا أبرياء على الإطلاق. إنهم مذنبون لأنهم هزموا. مذنبون تجاه شعوبهم. ومذنبون تجاه حضارتهم. ولا أتحدث فقط عن الحكام، بل أتحدث عني وعنك وعنا جميعاً. إذا كنا اليوم مهزومي التاريخ، وإذا كنا مُذلّين بنظر العالم أجمع كما بنظرنا، فالحق ليس فقط على الآخرين، بل علينا أولاً.
***
لا تستحق «التقاليد» أن تُحترم إلا بقدر ما هي جديرة بالاحترام، أي بذات الدرجة التي تحترم فيها الحقوق الأساسية للرجال والنساء. إن احترام تقاليد أو قوانين تمييزية، هو احتقار لضحاياها. كل الشعوب والعقائد أنتجت في فترات من تاريخها، تصرفات تكشَّف مع تطور الذهنيات أنها لا تتفق مع الكرامة الإنسانية. وهي لم تُستبعد بجرة قلم في أي مكان، ولكن هذا لا يعفي من استنكارها والعمل على إلغائها.
***
من أجل التوجه بإصرار «صوب الآخر» يجب أن تكون الذراعان مفتوحتين والرأس مرفوعاً، ولا نستطيع فتح ذراعينا، إلا إذا كان رأسنا مرفوعاً. إذا شعرنا في كل خطوة... أننا نخون أهلنا، ونتنكر لأنفسنا يصبح تقدمنا باتجاه الآخر باطلاً، إذا كان الذي أدرس لغته لا يحترم لغتي، يكف التحدث بلغته عن كونه حركة انفتاح، ويصبح فعل تبعية وخضوع.
***
غالباً ما يخطئ التاريخ، ولكن جبننا البشري يقودنا إلى تعليل أسباب صحة أحكامه، وحتمية أحداثه، وضرورة فناء أحلامنا السامية، بأسلوب لا يخلو من التبجح والادعاء.
***
إن «التسامح» مفهوم مقبول من الجميع ما دام نظريّاً، ولكن حالما نصل إلى التفاصيل فإن كل واحد يميل للانضواء تحت كنف عشيرته. مَن ينادي بالتسامح غالباً ما يجد نفسه معزولاً، لكن التسامح ليس مجرد رأي وليد اللحظة، بل «موقف» إزاء الحياة ككل.
***
الحب ليس خيطاً أحمر يجب فصله عن الخيوط البيضاء أو السوداء أو الذهبية أو الوردية التي قد تحمل أسماء مثل «الصداقة»، و«الرغبة»، و«الشغف».