تقارير

الساحل والصحراء: عوائق استئصال الإرهاب

جون ثورن
مالي


بعد مرور أكثر من عقد من الزمن على التدخلات الغربية في أماكن بعيدة وقصية من العالم، من هندو كوش إلى ضفاف نهر دجلة، مروراً بوديان اليمن وجباله، يبدو أن واشنطن وحلفاءها اليوم يضعون أعينهم على مكان آخر بعيد ينشط فيه المسلحون الإسلاميون يقارب في شساعته مساحة الولايات المتحدة. فقد صرح وزير الدفاع الأميركي يوم الجمعة الماضي خلال زيارته للندن قائلا: «على الإرهابيين أن يعرفوا بأنه لا ملاذ لهم، سواء في الجزائر أو شمال أفريقيا أو أي مكان آخر»، وذلك على خلفية الهجوم الذي شنه الجيش الجزائري ضد خاطفي الرهائن الغربيين في منشأة للغاز الطبيعي في الصحراء الجزائرية.
وفيما تتنامى أعمال العنف في الجزائر ومالي، التي تقود فيها فرنسا تدخلا ضد الإسلاميين المتشددين الذين سيطروا على الشمال، يتعهد القادة الغربيون، ومعهم الحكومات المحلية، بتطهير شمال أفريقيا ومنطقة الساحل من الإرهاب، وهو الهدف الذي يعتبره بعض الخبراء صعباً ومعقداً وسيتطلب أكثر من مجرد ملاحقة المقاتلين. فالمشاكل التي تعرفها منطقة شمال أفريقيا والساحل متعددة ومتداخلة؛ فمعدلات البطالة المرتفعة في أوساط الشباب، وانتشار الفساد في المؤسسات الرسمية، إضافة إلى الحكامة السيئة، وانعدام القانون... كلها ظروف تستغلها الجماعات المتشددة لتجنيد المقاتلين، فيما توفر شبكات الجريمة والتهريب في المنطقة مورداً سخياً للتمويل.
وفي هذا السياق تقول أمل بوبكر، الخبيرة في شؤون شمال أفريقيا بفرع مركز بروكينجز بالدوحة، «إنه من الخطأ التعامل مع منطقة تعاني من تهريب البضائع والبشر، ومن مشكلات عديدة أخرى على أنها قضية محاربة إرهاب فقط، أعتقد أنه على الحكومات النظر إلى الصورة الشاملة لإعادة الاستقرار لمنطقة الساحل».
ولعل ما يعقد الوضع في منطقة الساحل وشمال أفريقيا هو المساحة الشاسعة التي تحتلها وتعقيد تركيبتها السكانية، فهي تعادل تقريباً مساحة الولايات المتحدة وتمتد من ضفاف المتوسط شمالا إلى صحارى الجنوب المتاخمة لأفريقيا السوداء، ومن المحيط الأطلسي غرباً إلى ليبيا شرقاً، وهي تضم بلداناً عديدة مثل المغرب والجزائر وتونس وليبيا والنيجر ومالي وموريتانيا، كما تتنوع تركيبتها السكانية لتضم العرب والبربر والطوارق وشعوب جنوب الصحراء، وهم يعيشون داخل حدود خطتها الدول الاستعمارية.
ورغم تشكل هويات وطنية بعد الاستقلال فإن التداخل القبلي والعرقي ما زال فاعلا على الأرض، يضاف إلى ذلك الوضع الاقتصادي الصعب لعدد من البلدان، حيث ترتفع نسب البطالة بين الشباب ويضطر الناس للهجرة من الأماكن الداخلية إلى المدن الكبرى بحثاً عن العمل مع ما يثيره ذلك من إشكالات اجتماعية وتنموية كبرى. ورغم المحاولات التي تبذلها الحكومات لتوفير الخدمات الأساسية للسكان، يبقى الفساد وقلة الموارد وعدم الكفاءة عائقاً أساسياً أمام تلبية الاحتياجات الأساسية لفئات واسعة من المجتمع.
وفيما تعرف دول بوادر ديمقراطية وليدة، لاسيما تونس وليبيا اللتين أطاحت الثورات بأنظمتهما التسلطية، فإن الديمقراطية لم تترسخ بعد بل تظل هشة، أما البلدان الأخرى فهي خاضعة للجيوش والانقلابات العسكرية، مثل موريتانيا ومالي.
وبسبب التداخل العرقي والقبلي في المنطقة نشأت العديد من الأزمات، على رأسها مشكلة الطوارق والعرب في شمال مالي الذين يشتكون من ظلم تاريخي وقع على مناطقهم التي لم تنل حصتها من التنمية، الأمر الذي دفعهم للمطالبة بالانفصال، إلا أن الأمور اتخذت مساراً مختلفاً في السنة الماضية عندما استغلت الجماعات الإسلامية المسلحة في المنطقة انتفاضة أخرى للطوارق على الحكومة المركزية المالية، لتنحية حركة الأزواد القومية والسيطرة على المدن الرئيسية في الشمال.
ولا شك أن الطوارق، والإسلاميين المتشددين، استفادوا من النزاع في ليبيا وانهيار نظام القذافي وتراخي قبضة الدولة، الأمر الذي سهّل تهريب السلاح والحصول على كميات كبيرة منه، فضلا عن مقاتلة عدد كبير من الطوارق إلى جانب القذافي قبل أن يرجعوا إلى الصحراء المالية بعد انهيار النظام في طرابلس.
وقد أدت الأزمة المندلعة في مالي إثر استيلاء المسلحين على الشمال إلى قيام الجيش بانقلاب عسكري أطاح الرئيس المنتخب ليأتي مكانه رئيس مدني مؤقت بعد ضغوط مارستها البلدان الأفريقية على قادة الانقلاب، لكن التطورات كانت أسرع من المتوقع بعد اختراق المسلحين الإسلاميين لخط الشمال متجهين إلى الجنوب، حيث استولوا على مدينة كونا على خط التماس بين الشمال والجنوب، ما دفع الحكومة المالية لإطلاق نداء استغاثة تلقفته فرنسا التي عجلت بإرسال قواتها البرية وشن حملة من القصف الجوي على معاقل المسلحين.
غير أن الخبراء يحذرون من حرب طويلة لفرنسا وحلفائها في الصحراء المالية، حيث أشار ويليام لورنس الذي يرأس مشروع شمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، إلى أن المسلحين الإسلاميين«استطاعوا الاندماج ضمن نسيج الاقتصاد المحلي ما جعلهم قادرين على تمويل أنشطتهم والاستمرار في التواجد رغم الضغط العسكري الفرنسي».
هذا وتعود جذور النشاط الإسلامي المسلح في شمال أفريقيا إلى الحرب الأهلية الجزائرية خلال التسعينيات، والتي دارت بين الجيش الجزائري والجماعات الإسلامية المتشددة إثر إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي جاءت بإسلاميين إلى الحكم.
وحتى بعد نجاح الجيش الجزائري في دحر المسلحين، ظلت بعض الجماعات التي فرت إلى الصحراء وسمت نفسها تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي» نشطة، حيث قام عناصرها بعمليات اختطاف حصلوا بواسطتها على أموال طائلة لافتداء المختطفين الأجانب، وما زالت «القاعدة» تنشط اليوم في الجزائر وشمال مالي، حيث تواصل تجارة الخطف المربحة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»