الملحق الثقافي

بول بولز.. بلا أرض..

بول بولز في مرآة نفسه

بول بولز في مرآة نفسه

تقديم واختيار: ثناء عطوي
ترجمة: محمد هاشم عبد السلام
ولِدَ بول فريدريك بولز في الثلاثين من ديسمبر سنة 1910 في مدينة نيويورك، وتوفي في الثامن عشر من نوفمبر سنة 1999 في طنجة بالمغرب، ودُفِنَ في نيويورك. هو كاتب ومُترجم ومؤلّف موسيقي ومُلحِّن أميركي ورحّالة دائم حتى يمكن وصفه بأنه بلا أرض. انتقل بولز للعيش في طنجة سنة 1947 مع زوجته الكاتبة جين بولز (1917: 1973) وبقي فيها حتى نهاية حياته.
من بين أعماله المتنوّعة روايته الشهيرة «السماء الواقية» (1949)، (تُرجمت للعربية سنة 2000)، ورواية «دعه يسقط» (1952)، ورواية «بيت العنكبوت» (1955). كما أصدر مجموعات قصصيّة عدّة منها: «حجرٌ صغير»، و«فريسةٌ رقيقة وقصص أخرى»، و«مائة جمل في الفناء»، و«صفحات من النقطة الباردة». تتجاوز الطبعة الكاملة من قصص بولز 700 صفحة، وقد صدرت السيرة الذاتية له سنة 1972 تحت عنوان «من دون توقف». له كتاب في الرحلات بعنوان «رؤوسهم خضراء، أيديهم زرقاء»، وحكايات تاريخية بعنوان «نقاط في الزمن»، ويوميّات كان يكتبها في جريدة طنجة في الفترة بين 1987: 1989.
ألّف العديد من المقطوعات الموسيقية الجميلة والراقية. ولحّن الكثير من المقطوعات للأبوا والكلارينت والبيانو، وغيرها من الآلات. كذلك للأوبرا، والسينما: لأورسون ويلز، ولأرثر كويستلر، وجوزيف فيرارا، وغيرهم، وللمسرح: لتينسي وليامز، ووليام سارويان، ولوركا.
ترجم عن الفرنسية مسرحية «لا مَفرّ» لجان بول سارتر، وقصّة «الأطلال الدائرية» لبورخيس، وكان أول من نقلها إلى الإنجليزية. وكذلك ترجم من المغربية الدارجة إلى الإنجليزية والإسبانية. كما ترجَمَ إبداع كُتّابٍ عرب للإنجليزية مثل «الخبز الحافي» لمحمد شكري. اهتمَّ بجمع التراث الموسيقي المغربي، وكان حريصاً على الحفاظ على هذا التراث من حيث التسجيل والتوثيق، وذلك بالاشتراك مع مكتبة الكونغرس.
عالم بول الفنّي يعتبره الأميركيّون بصفة عامّة، أجنبياً اغترابياً، ولا يمتّ إلى الواقع الأميركي بصِلة، كما يزعمون أنه «كاتب يكتب بالصُدفة باللغة الإنجليزية»، لكنه يرفض ذلك. يتّسم إنتاجه الأدبي بالاغتراب والحسّ الوجودي العميق، إضافة إلى العنف الفنّي غير المباشر. تدور أحداث أغلب قصصه ورواياته، في مدن المغرب وفي الصحراء الكبرى وأفريقيا. عالمُ بولز الفنّي غير أميركي على الإطلاق. إنه أجنبي أو اغترابي. البيئةُ بدائية، في الغابة أو في الصحراء أو على حافّة أوروبا، وشِدّته ناشئة عن التصادم بين الإنسان المُتحضّر والبيئة الأجنبية، فإنسان الغرب لا بدّ أن يُهزم أمام الإنسان البدائي، والإنسان الغربي عنده تائهٌ ضائعٌ وعليه أن يَظل يبحث، ولكنه في الغابة أو الصحراء لا يكون كذلك وحسب، بل هو أيضاً ضحية للبيئة البدائية، وإنسان الطبيعة أفضل لدى بولز الذي دائماً ما أعلن عن كراهيته الشديدة للمدنيّة بكل تبعاتها ويهزم الإنسان ابن المجتمع التكنولوجي العُصابي.
الثقافات غير المتوافقة، هذا هو موضوعه الفكري الأساسي، وقد قال عنه في حوارٍ خاص: «فقط أريد أن أبيّن كيف أن الإنسان الغربي مُهيّأ على نحو سيّئ للتداعي أو الانهيار عندما يقابل ثقافات لا يَعرفُ... أو فقط يعتقد أنه يعرف عنها الكثير، وأنه كلما حاول اختراقها، كلما ازدادت وعورة وصعوبة، فالرجل البدائي يحتفظ بأشياء أضاعها الرجل الغربي، وبإمكان البدائي أن يشتغل في ويتفاعل مع البيئة المحيطة به. الأميركيون أقلّ استعداداً ومُقدّرة عن الأوربيين في مثل هذه الظروف، لأنهم يعتقدون أن كل شخص يجب أن يتصرّف حسب الطريقة الأميركية، لذلك كان من الصعب عليهم إقامة تواصل حقيقي مع الآخرين». يُعتبر بولز خيرُ من عبّر في أدبه عن الصدام الدائر بين الشرق الغرب، وقد استطاع، وباقتدار شديد، سَبرَ أغوار هذه العلاقة وربما حتى التنبّؤ بما حدث ويحدث.
تدور أحداث رواية «دعهُ يسقط» في مدينة طنجة المغربية، في خمسينيات القرن الماضي. والرواية زاخرة بالشخصيّات غريبة الأطوار، والأحداث المُثيرة، والمُشوِّقة. وعلى قدرِ من التنوّع والثراء، وتلامس بعمق أرضَ الواقع وتفاصيل الحياة في تلك الفترة من تاريخ المغرب، وطنجة تحديداً.