الملحق الثقافي

قصائد تخدش وجه العالم

ماذا لو عاد آدم من جديد إلى الأرض بعدما تغيّر كل شيء، لم تعد المسافات مجرد صفحات مفرودة على البكارة، ولم تعد الجبال على حالها القديم حين كانت لا تزال محتفظة بكنوزها وأسرارها الدفينة، حتى الأنهار نسيت منذ ملايين السنين كيف شقّت مجاريها وسط الصخور التي كانت أسنّتها الحادّة تلمع تحت الشمس: «لم أجلب ماءً من بئر/ ولم أوقد ناراً في غابة»، هكذا يفتتح المغربي عبد الرحيم الخصّار قصيدته المجتزأة من مشروع أكبر سيصدر قريباً تحت عنوان «عودة آدم»، يحاول فيه أن يشهد آدم على حياتنا الراهنة، بكل ما فيها من خلل وفجوات بين الطبيعة والإنسان.
وتقدم لنا الكاتبة الأردنية هيفاء أبو النادي نصاً يظل يحوم بين زهرتي الشعر والنثر دون أن يحطّ على أيٍّ منهما: «سأرتادُ مدنَكَ التي تعرفُكَ، وأراقبُ سماءً ظليلةً لطالما غَشِيَتْكَ رحمةُ غيومِها ساعةَ تفرُّ العاصفةُ إلى الهواء الطريِّ وترتديه مثل مُرتادي الحفلاتِ التنكرية. تتنكَّرُ العاصفةُ بالهواء، فتحميكَ «لهفةُ قلبي عليكَ» من شرورِها ساعة الصَّحْوِ والغفوة. وفي تقلُّبِ الوقتِ بينهما، أعودُ إليَّ وتعودُ إليكَ، ويسقطُ كلانا داخلَ ما لا يُرى».
وفي «تلويحات يوم ساخن» يوقفنا السعودي عبد الوهاب العريّض أمام نتف شعرية سريعة في شكل تلويحات خاطفة، حيث الرائحة: «خرجتْ من فوّهة الوردة/ اخترقت جدار الصوت وحاجز الورق/ استقرّت على الطاولة/ فيما قلب حبيبتي نائمٌ في كتاب». هذه الرائحة التي تطوف في الهواء نجدها تتجسد في نصوص البحرينية جنان العود في شكل رؤى فلسفية ذات طابع تأملي، هي التي تقول عن الجسد: «يتنعّم ويتجعّد، يسمن، ينحف، يتنفّس، يشتهي، يتعرّق، يعطش، يذوي، ويعرف كل النبوءات معرفة جيدة، ولا من حاجة مُلحَّة لأن تخيفوه، أو تلقنوه درساً.. يعرف جيداً كيف سيغدو كتلة تائهة من الرمل والديدان، وفي معامل الرمل المُعالج سيُحمل على الرافعات ليساهم في عمليات الإعمار.. كيف ستتناقله الرياح بلا رحمة لأماكن لم يشهدها من قبل، حتى إنه قد يزور بلداناً مجاورة لم تسنح له الفرصة لزيارتها حياً». وفي قصيدته الشفيفة «صباح كغيره»، يدخلنا الشاعر المصري عاطف عبد العزيز إلى مشهد ربما نراه يومياً في حياتنا، لكننا لا نتوقف لحظة أمامه: رجل يعبر صالة بيته فيرى زوجته غارقة في الأعمال المنزلية، ليبدأ التفكير في حياتها كيف كان يمكن أن تكون: «كَانَ بِوسعِها لو فَكَّرَتْ قلِيلاً/ أن تُدبِّرَ لِكِلينا مقعَداً بمقْصُورةِ الخَالِدين».
نصوص هذه الحلقة تصاحبها كذلك لوحات التشكيلي المصري الكبير عادل السيوي (1952)، الذي قدم عبر تاريخه الطويل أعمالاً لا تزال تثبت جدارتها يوماً بعد يوم، السيوي أحد التلامذة النجباء للفن الفرعوني القديم، لكنه في لوحاته الأخيرة، وبعد رحلة طويلة مع فن البورتريه، يقدم لنا تنويعات حداثية للحيوانات، كأنه في رحلة استكشافه للجسد الحيواني، الذي يتجسد تارة في الثور أو الحمار أو السمكة أو غيرها، يعيد السيوي تقديم منظوره الشخصي للهيكل الحيواني من جديد في أعماله الأخيرة، هذا الهيكل ذاته الذي نتلبسه ـ نحن البشر ـ أحياناً كثيرة، متفوقين على غريزة الحيوان الكامنة ـ لا تزال ـ داخلنا، في العنف والدناءة والشراسة.

في حُبِّ مُدُنِكَ
هيفاء أبو النادي
(1)
تُرى، هل يرقُّ قلبُك؟ وهل تحلم عندما تنام؟ أم تنام عندما تحلم؟ وهل تعي أنك في الحالتين تسقط في الهاوية؟ وأن الهاوية سحيقة؟ أنتَ لا تعلم أن «الهاوية السحيقة» صديقتي.. لذا تحنو على قلبك وتتفهمُكَ في منامك!
في الصباح أنتظرك، وفي المساء أنتظرك أيضًا، شريطةَ أن تُندّيني بلهاثكَ الباحث عني لحظة أغيبُ عنك لأبحث عن وجهي في مرآتك. لحظتئذ أتقطر على عدستَيْ نظارتك في انتظار أن تُلبّيني، فتحار خاصرتي من أيِّ الجهاتِ ستلمسها. تشكُّ في أنك أنتَ أنتَ؛ الذي استيقظتَ على صدري ذات غيمة. تُسوّيني بالأرض متى تشاء، وتقصُّ عليَّ حكايا جدتِكَ النائمةِ في حلمِ أمِّكَ الغارقةِ في ذكرياتِ أخيكَ الأقربِ إلى نفسِكَ من ولدِك.
لماذا، إذًا، لا تنهال عليَّ مثل نيزكٍ سقط رغمًا عنه على أرضٍ لانثناءاتها طعمُ حياة معصورة للتو في فم عاشقَيْن؟
أناديكَ باسمك دون الحروف فيه، أناديك باسمك مُسقِطَةً حروف النداء كلها، أناديك دون أيِّ مقابل، والحَرُّ الماثل بين عينيك يُلهبُ ما تحتهما بعرقٍ لا يلبث أن ينداح بين أناملي حين أتأمل البريق في حدقتيك يتأنّى في لمعانه ويدفق!
أجرب أن أناديك في سرّي مرارًا، لكني أعترف أنها مهارة لا أجيدها أبدًا. فأنا عندما أقوم بذلك، ألتهمُ حُروفَ اسمكَ من فرط الشوق قبل أن ألفظها وإن في السر، وأبقى على عهدِ الجوعِ أيّامًا ولياليَ في حالة نهمٍ شديدةٍ لا تكفُّ عن حرق الأخضرِ كلِّه في راحتَيَّ اللتين تحب.

(2)
في الطريق إلى بروكسِل، وبلا مطبّاتٍ هوائية، تبدو الحياةُ وافرةً في الطابق العلويِّ من الكون الذي تطيرُ فيه الآن. حلمتُ مرَّة بحبيبٍ يصيدُ السَّمكَ ويحبُّ الشِّعرَ مثلي، لكنَّ اللهَ لم يشأ لمشيئة حلمي أن تتحقق، فاستبدل الصيادَ بمسافرٍ كنتَهُ أنتَ، لا يكفُّ عن الترحال، مواظب على الذهاب إلى بروكسِل كلما شاءت الظروف. يحفظ الطريقَ عن ظهر قلب، ولا يُساورُهُ أيُّ شكٍّ في أنه وإن ضيَّع الطريقَ، فلن يخافَ قلبي؛ إذ أنَّ وثوقَهُ بمساراتِ النُّجومِ - وإنْ نامت في النهار - سيرشده إلى حيثُ يسقطُ قلبي مِنْ عَلى غيمةٍ صَديقةٍ لا تملُّ الترحال مثله!

(3)
يبتلعُكَ انشغالُكَ بالمطارات عني. وبينما تتنقَّلُ من هواءٍ مُعلَّبٍ إلى آخَر، تدركُ أنَّ للفصولِ أشكالًا مختلفة، ولا تُناديني بين الفينة والأخرى حتى عندما يخدعُكَ مطبٌّ هوائيٌّ يوقظُكَ، واعتذارُ الكابتن عن «حماقةِ طقسٍ» ليس له أيُّ يدٍ فيه. لا تتذكَّرُني عندما تمعنُ النظرَ في الحِنِّيَّة الطافحة من الفسحة القليلة ما بين إبهامِكَ والسَّبّابة! ترتعدُ الكَسرةُ تحتَ حاءِ الحِنِّيَّةِ مُحاوِلَةً تأويلَ غيابِكَ وكثرةِ ترحالِكَ في أنَّكَ حالَ ينام الأرقُ في عينيك، تنشغلُ عني بكوارثِ العالَمِ التي تُريدُ أن تناقشها وتحلَّها بعدَ قليلِ وقتٍ. أغفرُ زلّاتِكَ كلِّها وأبسطُ لكَ ذراعي، كما لو أنها جناح طائرة، كي تلمسني من عرقي الأخضر؛ تمسكه بقوةٍ وقتَ تطأ قدماك أرضَ ستراسبورغ وحالَ تغادرها، فلكأنكَ تتشبَّثُ بي في أوجِ نسيانك، وتُراقبني من بين عقاربِ الساعة بغيرِ احتسابٍ لأيِّ فارقٍ في التوقيت تدلُّني عليه لننام فيه!

(4)
يحدث أن يداهمني هوسي بك عندما أسأل: «كم الساعة الآن؟» ولا أنتظر إجابةً من أحد! فأقرأ الوقتَ بفارق التوقيت بيننا: بأن أطرح منه ساعة لأكون على مقربة منك.
معكَ أنتَ الوقتُ يُقرَأ كما لو أنه كتاب. الوقتُ معكَ لا يُعرَفُ فقط أو يُستثْنى بدقيقة جديدة تُضاف إليه. على الرغم من أنك «المُستثنى» الذي يعبّئ العقل قبل القلب. وإن شلحَ الشتاءُ عنه لفحةَ عناقِكَ لي، ليُشعِرَنا برحيله، أظلُّ واثقة أنَّ «الفارق» بيننا سيعيدك إليَّ مرارًا. فأنا لم أعد أحبك بقدر حبي لفارق التوقيت بيننا.
أنت كتوم بطبعك، لكن فارق التوقيت بيننا يفضحك. كأن أستيقظ على نومك. أو أنام على وقع خطاكَ العائدة إلى المنزل. خطاك وحدها هي التي تعود، فيسجلها فارق التوقيت اليقظ. أما أثناء حلمي، يأتيني فارق التوقيت زائرًا ليؤكد لي أنك تحلم مثلي.
حسنًا، سأسمّيكَ «فارق» بشرط أن تَعِدَني ألّا تفارق!

(5)
بعد أيامٍ قليلة، سأتنفسُ هواءَ المَطاراتِ المُعلَّبَ كما لو كنتُ أنتَ. سأتمثَّلُكَ في سفري القادم لأستشعرَ برودةَ أعصابِكَ وحُنقيَ المتأجِّجَ عليكَ كلما غبتَ. سأكونُكَ وتكونني لأيامٍ كثيرةٍ لا أُريدُ عَدَّها. وسنتبادلُ الأدوارَ، ونلتقي في منطقةٍ مُحايدةٍ، لا لون لها، نتساوى فيها من أولِ وهلة، فأصيرُكَ بكلِّ ما فيكَ من نزقٍ وحنق، وتصيرُني بكلِّ ما فيَّ من صبرٍ وشوق. ترتديني وأرتديكَ، هكذا، رويدًا رويدًا، إلى أنْ يتلبَّسَ أحدُنا الآخَرَ بوعينا الكامل والكامن. فأتمطّى في دلالك. ويجفل قلبُكَ فيَّ من هول الشوق ووطأة الفراق. ولأجل ذلك سأكونُكَ بكلِّ حذافيرِكَ شريطة أنْ تكونني بكُلِّيَّتي!
سأرتادُ مدنَكَ التي تعرفُكَ، وأراقبُ سماءً ظليلةً لطالما غَشِيَتْكَ رحمةُ غيومِها ساعةَ تفرُّ العاصفةُ إلى الهواء الطريِّ وترتديه مثل مُرتادي الحفلاتِ التنكرية. تتنكَّرُ العاصفةُ بالهواء، فتحميكَ «لهفةُ قلبي عليكَ» من شرورِها ساعة الصَّحْوِ والغفوة. وفي تقلُّبِ الوقتِ بينهما، أعودُ إليَّ وتعودُ إليكَ، ويسقطُ كلانا داخلَ ما لا يُرى.

(6)
في الليل، أتفقَّدُ نومَكَ حين يغفو في عينيك. أتساءلُ: أيُّكُما يُعلِّقُ على الآخَرِ ساريةَ الرحلة؟ ومَنْ منكُما يُديرُ دفّةَ القمر؟ يُجيبُ جبينُكَ الواسِع: كلانا. ويطلعُ رسغُكَ العريضُ من بين ثنايا تعبِكَ مُناديًا حظّي، وابتسامةً خجلى على شفتيّ، وفراشاتٍ كنَّ يعبثنَ بالهواءِ مِنْ حولِك، وموسيقى مُتخيَّلَة تلعبُها أنفاسُكَ، فقط عندما نلتقي! فأنتَ حيثما تكون، تصبح جوقتي! وأنا حيثما أكون، أصبحُ ترنيمتك!
تصعدُ سُلَّمَ الموسيقى بهُدوووووء.. يتفتَّحُ الصُّبحُ في عينيكَ «طاقةَ» وردٍ ترسلُ صوتًا يشبهُ صوتَ الـ»دو». وعند الـ»ري» تحبسُ نَفَسَك، وتستعيدُهُ مرَّة أخرى في الـ»مِي». تصمُدُ في الصُّعود، وتقولُ في سِرِّي: متى سأربطُ «زنّار» الأماني حول خاصرتك؟ وعندَ الـ»فا» تصبحُ القُبلةُ واجبة! ويستحيلُ الرُّجوعُ صُعودًا آخرَ صوبَ الـ»صول»، «لا»، «سي».. إلى أن يقفزَ الضوءُ من خطوطِ عينيكَ الجانبية عند الـ»دو» الأخيرة مُعانِقًا وشارِحًا أسبابَ البُعادِ بـ:
- خذيني ولا تُعيديني!
.............................................* الأردن


لم يتبقَّ الكثير من الوقت
عبد الرحيم الخصار*

لم أجلب ماءً من بئر
ولم أوقد ناراً في غابة
فقط جثوت أمام مدفأة معطّلة
ورجوت الثلوج أن تتأخر قليلاً
أو تنزاح من الطريق
إن كان ثمّة طريق
كي تخرج من كوخها الخشبي
هذه الأيامُ البردانة.

أنا الطيّان السكران
الذي يتشقّق الخزف في مواقده
ترتعش يداه وما من حيلة.
كل خفقة على طاولته ماء
كل ظل يتراجف أمام بابه آنية.

ربما لم يتبقّ الكثير من الوقت
في الساعة الرملية العظيمة
قد تندلع نار في بيدر
أو يفيض بركان
قد تتدانى الجبال من بعضها
أو يحتدّ غضب الرعد في السماء.
قد يمرّ إعصار من ضيعة
أو تتشابك البروق.
قد تجنّ القطارات والجسور
ويرجّ الزلزال ليلَ المتعبين.
قد تدنو الشمس كثيراً
أو يختفي الهواء.
قد يصهل البحر
مثل حصان أبعدوه عن فرسه
ويصل الأرضَ أنينُه
ماءً فوق ماء.
قد تجرف السيول أحلامنا
أو يصدمنا نيزك شارد في العتمة.
قد تخسف بنا الحقول
وتغوص أقدامنا في الغدران.
قد تتخاطفنا الحدءات
أو تلتهمنا التنانين.
سننتهي.. سننتهي
كما لو أننا لم نكن
كما لو أن القرون سُعال
كما لو أن هذا الكوكب ضربةُ فرشاة
سيمحوها المطر.

حين تتسع الثقوب في هذا المركب الذي يقلّنا
لن ينفع مجداف ولا صارٍ ولا شراع
ولا يدٌ تمتد ليد.
سنحدّق في الموج قليلاً
وننادي الشمس فلا تسمعنا
حينها سنغمض عيوننا في الهدأة الأخيرة
ثم نختفي.
.................................
جزء من نص طويل سيشكّل بمفرده كتاباً عنوانه «عودة آدم»
......................................* المغرب


جنان العود*
يتهاوى الورقُ الأخضر المصفرُ على الأرضِ بمنتهى الحذر، تزجيه الجاذبية المجازُ نحو الأسفلِ صريعاً، مستسلماً، وبمداعبةٍ استهلالية يلامسُ خصرَ الأرض ساقطاً من رقبةِ الهواء بصوتٍ مزعوم، يرتطم بجيش من النمل الكادح ذاهباً أو عائداً في رحلة البحث اللانهائية، نازلاً في حجراته الترابية، محتفلاً بزاده ومدنه الفرعونية.. غير عابئٍ بروائح الورق الكهل المتجفف، بالذين يتعاشرون الآن، بالنساء اللائي تلدن الآن، بالانفجارات التي تتليَّف في رحم المدينة، بالأجنة المخذولة، بالخطوط الحمراء، بالأنظمة التي سقطت، أو بالوجوه التي تهم بالسقوط..
الزمن الذي تسلقت فيه نملةٌ لا يراها أحد جذع شجرة، هو ذاته الزمن الذي تسرب فيه المطرُ إلى بيتها بعد أن انسحبَ الثوارُ من المدينةِ..
الزمنُ الذي تستغرقه ورقة شجر لتتأرجح باتجاه الأرض، هو ذاته الزمن الذي يستغرقه البعض للسقوط من قلب الله.

ضوء
كأم قروية ترْبت على عجينة الخبز الطرية، وتفردها برشاقة على الموقد كل يوم بلا ملل..
كأم قروية هذه الشمس في الأعالي..
تنشر أشعتها كما يُنثر الزعتر البري الطري نازلاً متفرقاً من أيادي اللذة
ضوؤها يزحف ببطء كشهوة ينتابها الحذر.. يزحف على الإسفلت، الصحارى، البراري، المدائن النائمة، الأفنية، الأزقة الخالية، البيوت الخاوية، الأرواح الوحيدة والمشردة
فيضيء كل شيء..
نوافذ العشاق الذين كبحوا شهواتهم بأكثر مما ينبغي، وجوه الأطفال الصغار الناعسة وهم ينتظرون الحافلة المدرسية في الصباح الباكر
أكياس القمامة المتكوِّمة والقطط تنهش بقايا الطعام فيها
حطام الحروب، فوهات البنادق المستعدة للقتال، المباني، المدرجات، المخيمات، القصور، الساحات، الملاجئ
الندى الذي يتقاطر على نبتات المقابر..
الطرقات المؤدية للمجهول.. تضيء أيضاً..

تلمس
لو أننا نستطيع التقاط الفكرة التي نما لها جناحان ثم طارت بلا عودة..
الفكرة السريعة كضوء.. كيراعة متراقصة في الظلام، الفكرة التي اندثرت في يوم مزدحم بالأعمال والمسؤوليات الاجتماعية
أولئك البشر المملون، تُحب أن تكتب عنهم لكن لا تريدهم معك لأكثر من ساعة واحدة
لو أننا نستطيع تلمس الفكرة التي طارت بلا عودة.. نتحسس نوعها، وأجزاءها تماماً كتلمس ثمرة يانعة عروقها حمراء بارزة
كحجر كريمٍ نادر من يضعه في إصبعه يلقى سبيلاً في العشق والشفاء
لكن الفكرة المهمة كالرمل الناعم، أو لعلها كالسائل الذي يملأ حيزاً من الفراغ، ويتعذر إمساكه بكلتا اليدين
لو أننا نستطيع اصطياد الفكرة التي طارت بلا عودة..
لنهبها سَالمة، طرية.. بكل سخاء للقصيدة التي تشعر بالوحدة.

بندول الانتظار
وَحدي..
أحكُّ أطرافَ الانتظار بمبردِ اليأس..
أتخيلك داخلاً إلى المكان بمشيك البطيء جداً هذا الأمل محوري الذي أدور عليه..
لا.. بل جنيني الذي أحميه من أي شيء، الأمل بقدومك، تأمل سيرِك نحوي..
توهماتي بأنك قادم.. بأنني لمحت جسدك.. بأن يدك تلامس كتفي..
أختنق، لكنني كبندول الكرات الحديدية أحافظ على طاقتي وزخمي عبر سلسلة من المجالات، أتأرجح، رأسي كرة البندول الأولى، والخامسة الأخيرة غريزتي والثلاث الباقيات ما بين الأولى والأخيرة.. أحلام يقظتي ونومي..
تجيء في حلمي كعراب، كشريك ماهر في الضحك الشهي، كعربيد ماجن، كجنتل مان، كباندا يتمرغ في الحقل.. لا بأس!
الزمن رقاص فوكو ونحن ليل ونهار لا يلتقيان.
لذا يجب أن أنام الآن.

المعرفة
هذا الجسد الذي أسقيه المياه المعدنية، أكسوه من قطن الحقول وبوليستر المصانع.. أحممه بصابون الأزهار، أدهنه بزبدة الكاكاو.. وأعطره برحيق الورود المُقتلعة من أوطانها..
الجسد الذي يلتهم أكباد الدجاج المضمخة بالدم، ولحم المواشي، وحليبها
ينام على خشب الأشجار المقطوعة تضرب الأرض بأسرارها الممتدة
يأخذ حيزاً على أرصفة الطرقات العامة، وفي طوابير المعاملات الحكومية والمطاعم، على مقاعد الدراسة.. والوظيفة.. وعلى أسرَّة المستشفيات، هذا الجسد الدائم التوق للحم والأكل والرقص..
يتنعم ويتجعد، يسمن، ينحف، يتنفس، يشتهي، يتعرق، يعطش، يذوي، ويعرف كل النبوءات معرفة جيدة، ولا من حاجة مُلحة لأن تخيفوه، أو تلقنوه درساً.. يعرف جيداً كيف سيغدو كتلة تائهة من الرمل والديدان، وفي معامل الرمل المُعالج سيُحمل على الرافعات ليساهم في عمليات الإعمار.. كيف ستتناقله الرياح بلا رحمة لأماكن لم يشهدها من قبل، حتى إنه قد يزور بلداناً مجاورة لم تسنح له الفرصة لزيارتها حياً..
.......................................* البحرين


صباحٌ كغيْرِه
عاطف عبد العزيز *

فِي الرُّدْهَةِ
أتعثَّرُ فِي خُفٍّ مَقلُوب،
فأنتَبِهُ لزوجَتِي التِي جَمعَتْ شَعْرَها
في عِصَابةٍ،
وشَرَعَتْ فِي نفْضِ الغُبارِ
عَن السَّتَائِر.

فوقَ المِرحَاض،
أُفكِّرُ فِي تِلكَ المَرأةِ التِي رُبَّما تكُونُ
قد حَجَزتْها المسْؤولِيَّةُ العَائِليةُ
عَن سُدَّةِ المَجْد،
أُفكِّرُ فِي احتِمَالِيَّةِ أن تكُونَ قد أهْدَرتْ
مواهِبَها الأصِيلةَ
مِن أجلِ شَاعِرٍ فَاشِل،
شَاعِرٍ لا يُجِيدُ فِي الغَالِبِ سُوَى الجُلوسِ
علَى المِرْحَاض.

كَانَ بِوسعِها - لو فَكَّرَتْ قلِيلاً -
أن تُدبِّرَ لِكِلينا مقعَداً بمقْصُورةِ الخَالِدين،
كانَ يُمكِنُ بشَيءٍ مِن التَّبصُّرِ
أن تكُونَ نُسْخَةً حدِيثَةً ومُنَقَّحَةً
مِن سِيلفيا بلاث،
أن تَرَى فِي الموْقِدِ المنزِلِيِّ هولوكستَها الشَّخصِيَّ،
الذِي كَانَ سوفَ يصْنَعُ مِنها
فِي مُقتَبلِ الأيَّامِ
أسْطُورةً لا تَغِيبُ،
بعدَ أن يُنهِي علاقتَها بِحَياةٍ وضِيعَةٍ،
راوحَتْ بِها
بينَ الغُبَارِ.. والغِيَاراتِ المُتَّسِخة.

كانَ بِوسْعِها،
دفْعُ الجمِيعِ لأن يُشِيرَ بأصابِعِ الإدانَةِ
إلى ذلِكَ الرَّجُلِ المُتوحِّشِ
الذِي دَفَنَ زَوجَتَهُ،
ثُمَّ صارَ شَاعِرًا للبَلَاط.
*مصر


عبد الوهاب العريض*
تلويحة نائمة

كثيرة هي العيون التي وطئت جسدي هذا الصباح
طفلة عبرت الشارع قاذفة أباها بقبلة في الهواء
تلويحة مراهقة بورقة صفراء
وعيون طفلي التي لم تستطع الخروج من تربتها.

الرائحة

خرجتْ من فوّهة الوردة
اخترقت جدار الصوت وحاجز الورق
استقرّت على الطاولة
فيما قلب حبيبتي نائمٌ في كتاب.

مزلاج
باب مقفل
الأوراق المبعثرة خلف الطاولة
ألوان خرجت من اللوحة
أدارت المزلاج
وتركت المفتاح معلّقاً في الهواء.

نصفٌ يشتعل وجسدٌ يتبخّر
رشفتان من القهوة والثالثة تشبه قرْعَ طبولٍ تستنهض الجسد
خطواتٌ نصف نائمة تسير وحدَها في اتّجاه النار
الراقصة الأفريقية خرجت من رحم الموقد
النار وحدَها تتمايل في القلب
تم تك تم
ربما قرْع النداء من رحم الموقد
تم تك تم
نصف شعلة وجسد يتبخّر
تم تك تم
هكذا كان يسمع النداء حينما أيقن بأن حوريات البحيرة ينتظرنه داخل الإيقاع

ذهب نحو الليل بطرقات قدميها على قلبه
وأخذ يمتطي جسداً آخر
والإيقاعات وحدَها تتبدل في جلودِ أجسادٍ ممهورة بختم الغياب
تم تك تم
تم تك تم
أخذ يراقص الشعلة والنار من حوله موقدة.. ذهب في أعماقها وتلاشى في رماد منثورٍ مع بقايا المطر.
................................................................ * السعودية