الملحق الثقافي

التباس المعايير الجمالية

وجوه رينيه ماغريت وأسرارها المضاعفة

وجوه رينيه ماغريت وأسرارها المضاعفة

حين أصدر غوته روايته الشهيرة «آلام الشاب فرتر» سنة 1774، أحدثت حمى غريبة لدى الشباب، فقد أثرت على العديد من قرائها الذين تلقوها بشكل يتيم، وأقدم العديد منهم على الانتحار، متيمنين ببطلهم الذي لم يستطع أن يحقق توازناً في حياته العامة والخاصة. وقد نقل غوته في روايته العديد من الأوضاع التي حدثت لشاعر شاب، وهو يعاني إشكالات متعددة مأزومة منها الجانب العاطفي الذي جعله عاشقاً لامرأة لا تأبه به، فكان اختيار الانتحار هو الخلاص للرواية وللبطل، وقد قام غوته بوصف لحظات الانتحار ببطء شديد حتى بدا وكأنه يحبب قرّاءه لهذا الفعل.

حين نتأمل حكاية هذه الرواية في عصر سابق، يبدو الحدث غريباً بالفعل، فنحن لا نتخيل في عصرنا هذا حدوث هذا النوع من التأثير على القارئ بهذا الوقع، ولذا فإن معايير الذوق والتأثير قد تغيرت.
وعلى الرغم من التأثيرات التي يحدثها العمل الفني والإبداعي، فهو لا يصل إلى أن يحدث مسحة من الأثر الجماعي، كالاكتئاب والانتحار. فنحن الآن بعيدون كل البعد عن هذا التأثير، فنحن في عصور لا يمكن أن يقدم فيها مجموعة من المعجبين على الانتحار، حداداً على وفاة فنانهم المفضل مثلاً.
وفق هذا المعنى، تبدو فكرة فرويد عن كون الإنسان طفلا لعصره مبررة جدا في هذا الباب، فقد تغيرت المعايير الجمالية للرؤية والقراءة والتلقي، وبالتالي ما نتج عن ذلك هو أننا بصدد تغيير النظرة إلى كل ما نتلقاه من إبداع.

حدود الجمال والبشاعة
من المؤكد جدا أن النظرة للجمال تختلف من عصر لآخر، رغم وجود بعض الثوابت التي تبدو مهيمنة في بعض الأحيان، لكن العديد من المفاهيم تغيرت لأن النظرة إلى الجمال نفسه تأخذ أبعاداً في كل عصر، ولهذا نجد أن معايير الجمال الكلاسيكي مثلا بالنسبة للعديد من الفنانين قد تحولت لتحاكي رؤية أخرى بعيدة كل البعد عن تلك الدقة التي كانت تهيمن لدى رؤية الفنانين في عصور غابرة، حيث إن تلك الدقة لم تعد كافية لكي تعلن بأننا ننتج فنا، ولذا تحولت العديد من المدارس الفنية وفق تغير أنماط الرؤية، فجاءت السوريالية والتكعيبية والرمزية إلى غيرها، ولعلنا نجد بأن العديد من الوجوه البشعة تمنح الجمال أيضا، ذلك أن العديد من المفاهيم تغيرت هي الأخرى حتى بالنسبة للجسد، فقد انتقل من جسد مكتنز إلى نحيل وتغيرت أشكاله، بحيث إن الجمال يتخذ الشكل المهيمن أيضا للعصر الذي انوجد فيه، ولهذا السبب نجد أن أشكال العصر وتعابيره تفع
وقد أصدر امبرتو إيكو كتابين شهيرين سنة 2004 و2007 يحملان عنوان «تاريخ الجمال» و»تاريخ البشاعة»، معللا فكرته الأساسية في كتابه «تاريخ الجمال» بأن الجمال واضح ولا يحتاج إلى من يثمنه، لأنه يتضمن بهاءه في ذاته، لذا هو محدود ونهائي، قائلا: إذا كان للثيران والأحصنة والأسود أيد وتستطيع بواسطتها أن ترسم أعمالاً مثل الإنسان، فإن الأحصنة سترسم صورا مثل الأحصنة والثيران مثل الثيران، أي أنها ستنتج صورا مطابقة للأنواع الحيوانية.
وتبعا لهذه الفكرة، فإن الكائن لا يستطيع خلق شيء غير رؤية ذاته، وقد بدا تاريخ الجمال محصورا برؤية امبرتو ايكو رغم أهمية الجمال في الحياة اليومية بشكل عام، الا أن هذا التصور كان ينقض هذه الفكرة من الأساس وكأنه يمنح أهمية للبشاعة في الخلق، ولذا جاءت البشاعة في الفن والإبداع عموما وكأنها تعلي من شأن امكانية الخلق والانتاج، فهي المنهل اللايحد لأنها تمنح امكانيات تعبيرية كبرى بالنسبة للفن والإبداع، ولعل الكلاسيكيات في الرواية والأفلام أعطت قيمة أخرى للبشَع الشكلي كي تغير من منظور المتلقين حين خلقت ثنائية الجميل والوحش من خلال «الجميلة والوحش»، وكأنها تلطف من أثر البشاعة الخارجية بوساطة الجمال الداخلي كي يتجلى أكثر، ولذا فهذه الثنائية طورها الفن بشكله الخاص وأربك المتلقين بنظرته الحديثة لها.

النسبي والمطلق
بتغير النظرة إلى اعتبار الجمال والبشاعة في الشكل المطلق، وافتراض النسبية للأشياء، تغيرت العديد من الرؤى بالنسبة للنظر إلى الفن والإبداع معا، فالجمال يتعرض إلى المرض والشيخوخة والموت، كما أن البشاعة هي أيضا يمكن أن تحول نظرنا إلى الطيب والمثير والحالم الذي يكمن وراء البشاعة الظاهرية، ولذا فإن افتراض شيء مطلق في النظر إلى الأشياء يبدو ملتبسا، لأن الإبداع عموما يمكن أن يثير العديد من الاحتمالات، ولهذا السبب تغيرت المفاهيم التي تنظر إلى الأدب، مثلاً نظرة صارمة ترى فيه المعنى الوحيد غير القابل لمعنى آخر، فأنتجت نظريات القراءة القارئ والمتلقي الذي يمكن أن يمنح للنص العديد من التآويل، بل إنها عملت في فترة سابقة على اعدام المؤلف حتى تمنح إمكانات لامحدودة للقارئ بأن يوجد بأشكال متعددة وأن يتنفس بحرية دون خوف من حضور الكاتب/‏‏ المهيمن الذي يوجهه تجاه فكرة واحدة في العمل، ولهذا السبب وجدنا أن الأدب احتفى أيضا بلذة النص وتعدد القراء وتعدد المتلقين واختلافهم، ولهذا السبب لم تعد المرأة مثلا تحضر بجمالها الأخاذ في النصوص عموماً، فليس هو الأكثر إثارة بالنسبة للمتلقي، كما أن النهايات الكلاسيكية التي تنتهي بزواج البطلة والبطل لم تعد هي النهاية الأثيرة لدى المتلقي، فهو لا ينتظر من البطل أن يمسك يد البطلة ويمضي هانئا وكأنه أحدث بطولاته الجمالية الكلاسيكية مخلفا وراءه قارئا يود أن يكمل الحكاية بنفسه لأنه يشعر بأنه من حقه أن يشاطر الكاتب جزءا من العمل.

الذاتية أم الموضوعية؟
يرى العديد من النقاد أن الذاتية هي التي تحسم في النظرة إلى الجمال، فنحن نرى الجمال بأشكال مختلفة وهذا يحدث مثلا عند تقييمنا الشخصي لانسان، فهو يقع تحت الاختلاف الذوقي، ونفس الأمر يمتد إلى اللوحة والمقطوعة الموسيقية والأغنية والفيلم إلى غيرها، فنحن لا نتفق على نفس الرؤية.
وقد طرح جيرار جنيت في أعماله الأخيرة التي اتجهت إلى التلقي الجمالي هذه الفكرة، ففي كتابه «عمل الفن» 2010 يرى بأن الذوق لا معيار له، ففي اختلاف الأذواق يكمن الإبداع، وقد استقى مفهوما أساسيا من فيلسوف أميركي يدعى جورج سانتانايا، وهذا المفهوم يسمى التشييء، وهو يتجلى في الحكم الجمالي الذي يكمن وراءه بالتأكيد مظهر نفسي آخر فضولي، لأننا مثلا اذا قلنا بأن أناسا آخرين ينبغي أن يروا الجمال الذي نرى، فاننا نفترض بأن الجمال هو موجود في موضوع الرؤية، فهذا المفهوم هو عبثي ومتناقض، فالجمال لا يمكن أن يوجد كوجود مستقل، إنه يوجد داخل الادراك.
ورغم هذا التأرجح بين الذاتي والموضوعي وعدم القدرة على الحسم فيه، فان الأمر يظل ملتبساً، خاصة إذا نظرنا إلى بعد آخر يتلخص في كوننا نحن أيضا نقرأ وفق معايير ذوق عصرنا، ولذا فالشفاه الغليظة مثلا والتي أصبحت موضة في العصر الحديث لا يمكن إلا أن نعتبرها من معايير الجمال في الفن والإبداع عموما، ولذلك فقراءاتنا وتذوقنا هو أيضا يقع تحت وهم الموضوعية، في حين يظل الأمر غير ثابت على حال.

لذة النص، جمال التلقي
تمثل رواية الشاعر التي كتبها المنفلوطي (وهي رواية مأخوذة عن رواية سيرانو دي برجراك للروائي الفرنسي إدمون روستان) إحدى الروايات الهامة في تحديد الجمال الذي يبحث عنه الأدب، فقد قدمت الرواية شاعرا غنيا بالداخل الإنساني، عاشق لابنة عمه روكسان وهي امرأة جميلة، وكاتب لأشعار يرويها غيره فتسقط هي في غرام الشعر وتبدو لها المفارقة بين الراوي والشعر الذي يتلفظ به، في حين يبذل سيرانو قصارى جهده أن تتزوج ابنة عمه بالرجل الذي اختارته ويظل هو بعيدا يحترق في كتابة الشعر، إلى أن توفي زوجها في احدى المعارك، فتعرف بعدها والشاعر على فراش الموت بأنه هو الشاعر الذي كان يكاتبها مكان زوجها.
تبدو الرواية بحبكتها الدرامية وكأن الحاجز الأساسي الذي وقف ضد العلاقة العاطفية ممثلا في أنف سيرانو الكبير الضخم، فقد قدمته الرواية على أنه يقف حائلا بينه وبين الحب، تقول الرواية عن سيران ودي برجراك:
«لو عرفته يا سيدي لعرفت أفضل الناس خلقا وأشرفهم نفسا، واطيبهم قلبا وأشهم عطفا على البؤساء والمنكوبين. وهو فوق هذا شاعر مجيد، وعالم فاضل، وناقد بارع، وأما شكله فمن أغرب الأشكال وأعجبها... وله أنف هائل جدا لا يراه الرائي حتى يذعر ويرتاع ويقف أمامه مدهوشا مذهلا يعجب لصاحبه كيف استطاع أن يحمله في رقعة وجهه وكيف لا يلتمس السبيل إلى الخلاص منه، أما هو فراض عنه كل الرضا، لا يشعر بثقله، ولا يفكر في الخلاص منه بحال من الأحوال».
في هذه الرواية لا يبدو الشاعر وجهاً أليفاً لدى المتلقي، فهو لا يحمل صفات الجمال المعهودة، ولكنه يحمل جمالا آخر لا يظهر الا من خلال السياق الجمالي الذي يظهر فيه النص ككل، والذي يصل اليه المتلقي مستمتعا بالأشعار التي تنسج عذاباته ومتلذذا بالقصة التي تضع الجمال في وضع آخر مخالف لما اعتاده المتلقي، فيسقط في غرام البطل بعد أن بدا البطل في البداية وكأنه يحمل أعباء البشاعة.
تظل معايير الجمال ملتبسة أمام ما يحدث من أثر نفسي يظل عالقا بذاكرة المتلقي الذي يغير جلده في كل العصور والأزمنة، فهو لا يخضع لمعيار دائم يقيم فيه إلى الأبد، لأن الجمال هو الآخر يخضع لشروط اخرى تغير أدواته، ولعل العالم الآن أصبح يضع العديد من الأشكال التي كانت بشعة في عصور سابقة، فيموقع الجمال البصري الذي يقف الآخرون مشدوهين أمام هيبته وبهائه، ولعل أدوات إدراكنا أيضا تغيرت وحملت معها معايير الدقة والنظام لتتخذ من جلد العبث والشراسة شكلا جديدا يشبه العالم الذي نحن عليه الآن، لذا فلا عجب أن طارت الفيلة في لوحات سالفادور دالي أو أمطرت السماء برجال متشابهين في البدل وربطات العنق كما نجد عند رينيه ماغريت.

معايير تغير جلدها
تظل معايير الجمال ملتبسة أمام ما يحدث من أثر نفسي يظل عالقاً بذاكرة المتلقي الذي يغير جلده في كل العصور والأزمنة، فهو لا يخضع لمعيار دائم يقيم فيه إلى الأبد، لأن الجمال هو الآخر يخضع لشروط أخرى تغير أدواته، ولعل العالم الآن أصبح يضع العديد من الأشكال التي كانت بشعة في عصور سابقة، في موقع الجمال البصري الذي يقف الآخرون مشدوهين أمام هيبته وبهائه.

الجمال في الإدراك
يرى العديد من النقاد أن الذاتية هي التي تحسم في النظرة إلى الجمال، فنحن نرى الجمال بأشكال مختلفة وهذا يحدث مثلاً عند تقييمنا الشخصي لإنسان، فهو يقع تحت الاختلاف الذوقي، ونفس الأمر يمتد إلى اللوحة والمقطوعة الموسيقية والأغنية والفيلم إلى غيرها، فنحن لا نتفق على نفس الرؤية.
وقد طرح جيرار جنيت في أعماله الأخيرة التي اتجهت إلى التلقي الجمالي هذه الفكرة، ففي كتابه «عمل الفن» يرى أن الذوق لا معيار له، ففي اختلاف الأذواق يكمن الإبداع، وقد استقى مفهوماً أساسياً من فيلسوف أميركي يدعى جورج سانتانايا، وهذا المفهوم يسمى التشيئ، وهو يتجلى في الحكم الجمالي الذي يكمن وراءه بالتأكيد مظهر نفسي آخر فضولي، لأننا مثلاً إذا قلنا بأن أناساً آخرين ينبغي أن يروا الجمال الذي نرى، فإننا نفترض بأن الجمال هو موجود في موضوع الرؤية، فهذا المفهوم هو عبثي ومتناقض، فالجمال لا يمكن أن يوجد كوجود مستقل، إنه يوجد داخل الإدراك.