دنيا

عالم محبوك تماماً

ذات قرن، كنت شاباً، مثلي مثل غيري من الكائنات الحية التي يتوجب عليها المرور بمراحل النمو جميعها بالتسلسل. ومثلي مثل غيري حلمت أن أكون شاعراً، وشرعت في اقتراف الشعر قبل نهاية مرحلة ما يسمى بالطفولة، وقد تطلب هذا قراءة وحفظ الكثير من الأبيات الشعرية.
تماريننا اليومية ولعبتنا ومدينة ملاهينا كانت المباريات الشعرية، لاسيما وأني أتحدث عن مرحلة ما قبل الكمبيوتر والإنترنت، وكان ابتكار المصباح الكهربائي لا يزال ساخناً، ولم يكن قد وصل الى كل بيوت حارتنا بعد.
كانت المباراة تبدأ بأن يلقي أحد الأنداد بيتاً شعرياً، وكنا في أغلب المرات، نقرأ بيتاً شعرياً عرمرياً يقول:
العــــــــرب خــيـــــــر أمـــــــــــة
مــن شــــك فــي قولـــــه كفـــــر
كنا نقرأ كلمة «العرب» بضم العين وتسكين الراء، ناهيك عن تسكين آخر كلمة «قوله» في الشطر الثاني، كل ذلك لغايات استقامة الوزن. وهذا هو الدرس الأول الذي كنا نتلقاه في عدم تفهم الآخر، وتكفيره فوراً وبلا وازع ضمير، لمجرد أن يفكر في التشكيك فيما نعتقد.
نرجع للمباريات الشعرية، حيث على المتسابق الثاني، أن يلقي بيتاً شعرياً يبدأ حيث انتهى البيت الأول، وفي هذه الحالة كان عليه أن يلقي بيتاً شعرياً يبدأ بحرف الراء. وتستمر المباراة سجالاً إلى أن يعجز أحد الفرقاء عن إلقاء بيت شعري يتناسب أوله مع آخر حرف من البيت الذي ألقاه المتنافس الآخر... فتنتهي المباراة.
عدا كلمة: «مكرر» أو كلمة «قيل»، التي كانت تقال في حال قال أحد الفرقاء بيتاً شعرياً كان قد قيل سابقا خلال هذه المباراة بالذات. عداهما كانت كلمة «محبوك» هي أكثر الكلمات اللا شعرية التي تقال خلال المباراة، وهي تبدو وكأنها إطلاق نار - مع سبق الإصرار والترصد- على مجمع أعصاب من يلقي البيت الشعري.
كلمة محبوك تعني أن الحرف الأول من صدر البيت الشعري هو ذات الحرف الأخير في عجز البيت الشعري، مثل أن تقول:
برقــت لــــــه مســـــنونة تتلهــــب
أقــوى مــن القــدر المتــاح وأغلــب
وهذا عيب شعري مرفوض خلال هذا النوع من المسابقات، لكننا كنا لا نتورع عن الوقوع فيه عن قصد أو عن غير قصد، لكننا كنا ننكشف في أكثر الأحيان، فيجبرنا المتسابق الآخر على إلقاء بيت شعري آخر، وهنا كنا نلجأ إلى تأليف عدة كلمات لكأنها بيت شعري حقيقي، ولا يملك الآخر القدرة على تقطيعها عروضياً والحكم عليها، فتمر الأزمة بسلام «مؤقتاً»، إلى أن تنتهي المباراة لمصلحة أحد الفريقين.
انتهى عصر المباريات الشعرية، وألقينا سنوات العمر على قارعة طريق الحياة، وما زلنا نحاول الخداع، عن قصد أو عن غيره، في عالم صار محبوكاً من كل الاتجاهات.



يوسف غيشان
ghishan@gmail.com