دنيا

غزو خاطفي الأجساد

أقود سيارتي في ذلك الشارع الهادئ الخالي نسبياً، وهذا شيء نادر في مصر. هنا أفاجأ بتلك السيارة المجنونة المندفعة من خلفي تتجه يميناً ثم يساراً ثم يميناً ثم يساراً.. أنت تعرف أن السيارات تكتسب طباع سائقيها، وهكذا قد تشعر أن سيارة بعينها نافدة الصبر، أو لحوح أو مستهترة أو سمجة.. هذا موضوع يطول عن كيف كنت أرى السيارات في طفولتي، وكيف كانت هناك سيارات فظة، وسيارات أنثوية رقيقة وسيارات مثقفة. ليس هذا موضوعنا اليوم على كل حال.. أقول إن السيارة تطاردني بإلحاح وتربك قيادتي.. في النهاية أنجو من سائقها بمعجزة وألتفت لأرى من هو هذا الشاب المستهتر. أفاجأ بأنه رجل أشيب وقور يضع الهاتف المحمول على أذنه ويتكلم، وبالطبع لا يبالي بي بتاتاً، ولا يلاحظ نظراتي التي يمكن أن تحرق صخرة.
لم أر في حياتي عادة أسوأ، ولم أر شيئاً يبدد انتباه السائق، ويجعله يرتكب كل الأخطاء الممكنة، ولم أر شيئاً يهبط بمستوى القيادة إلى الربع، مثل ذلك الاختراع المشؤوم. والمشكلة أنني لا أعتقد أن هناك مكالمة بهذه الأهمية، أو لا تستطيع الانتظار خمس دقائق.. لو كان السائق هو رئيس الولايات المتحدة، وعليه اتخاذ قرار قصف روسيا بالقنابل الهيدروجينية أم لا، فبوسعه دائماً أن يتوقف إلى يمين الطريق ليجري مكالمته. أما أن يتواصل على الهاتف أثناء القيادة مهدداً حياته وحياتي، وحياتك فهذا شيء لا أبتلعه بتاتاً.
لاحظت أيضاً أن الناس عندما يجرون مكالمة على الهاتف المحمول لا يسمعون آلات التنبيه أبداً. هناك بالطبع قانون يمنع استعمال الهاتف أثناء القيادة، لكنه كالسيف في غمده، يستعمل فقط عندما يروق ذلك لرجال المرور.
انطلقت بالسيارة من جديد، فكاد يصطدم بي سائق آخر.. نظرت له فوجدت أنه يتكلم في المحمول، ولا ينوي أن ينظر لي.. لقد انطلق في رحلة الحياة القدرية لا ينظر ذات اليمين، ولا ذات اليسار. أطلقت نفيراً محتجاً.. هنا كدت أصطدم بسيدة.
سيدة تعبر الطريق في تؤدة دون أن تنظر إلى أي سيارات قادمة. تضع على أذنها الهاتف الجوال، وتضحك من دعابة قالها الطرف الآخر. كنت مندفعاً بقوة وبدا لي أنه من الصعب أن أنقذ الموقف بفرملة، لذا أطلقت نفيراً عالياً، لكنها كانت في عالم آخر.. وبصعوبة توقفت على بعد 15 سنتيمتراً منها. لن تعرف أبداً أن حياة جديدة كتبت لها.
هنا سمعت فرملة من خلفي، كاد أحدهم يصطدم بي وهو مندفع. لقد توقفت فجأة طبعاً وبلا إنذار، لهذا استدرت كي أعتذر له.. كي أخبره أنني أحمق تعس الحظ، هنا وجدته يتكلم في الهاتف الجوال. لم يلحظ أصلاً أنه توقف، وإنما قامت قدماه باللازم..
انطلقت بالسيارة من جديد لأجد رجلاً يعبر الطريق والإشارة حمراء، لم يكن يحمل هاتفاً جوالاً لهذا اندهشت من بطئه الشديد.. ربما هو أصم لأنه لم يسمع صوت آلات التنبيه. عندما دنوت أكثر وجدت أنه يتكلم مع شخص ما ويحرك يديه في حماسة.. إنه يستعمل السماعة إذن حتى لا يحمل الجوال في يده..
ذهبت لأبتاع بعض الخضر، فقالت لي البائعة المحجبة:
- «سوف أمضي معك الليلة.. بالتأكيد..»
كنت أعتقد أنني وسيم.. أمي يرحمها الله قالت لي هذا، لكن سحري لا يعمل بهذه السرعة وهذه القوة.. غريب جداً.. قالت البائعة وهي تزن لي الخضر:
- «أنت حلو كقطعة من الحلوى»
ابتسمت في خجل بطريقة من يعرف أن هذا صحيح، لكنه يخجل من الاعتراف به، فعادت تقول:
- «هات قبلة..»
بدا لي هذا غريباً جداً ولحسن الحظ لم أطعها.. ثم سمعتها تقول:
- «أنت حبيب ماما»
نظرت مدققاً، فرأيت أنها تدس الهاتف الجوال تحت طرحة الحجاب وهكذا تتكلم ويداها حرتان.. تكلم ابنها في البيت طبعاً، بينما هي تتعامل معي بنصف انتباه.
نحن في عالم تنطلق فيه سيارات مجنونة يقودها أشخاص يتكلمون في الجوال، للقاء فتيات يتكلمن في الجوال، ويدهمون مارة يعبرون الطريق شاردين لأنهم يتكلمون في الجوال. ماذا حدث؟ هل هو غزو فضائي جعل كل سكان الأرض يتكلمون بهذه الطريقة؟، ربما هناك كائن فضائي علم الناس استعمال الجوال، وفي اللحظة المناسبة سوف يطلق صرخة معينة تثقب آذان كل هؤلاء فيسقطون موتى..
سوف أظل حياً، لأنني لا أستعمل الجوال إلا نادراً، لكن ماذا سأفعل في العالم وحدي وقتها؟



د. أحمد خالد توفيق