رأي الناس

صحافة حرة = مجتمع ناضج

للصحافة دور كبير في صياغة الحضارة الإنسانية، ويصب تأثيرها في مصلحة فئات المجتمع كافة لأنها وسيلة أساسية في التوعية وفهم الأحداث والقضايا، لذا فمن المهم وضع أركان ودعائم صحافة جيدة في المجتمع لكي تصنع جيلاً واعياً لما يدور من حوله، فالصحافة بجميع صنوفها وتشكيلاتها بداية بأجهزة الإعلام المرئية والسمعية، مروراً بالدراسات والبحوث التي أجريت عنها وتم توظيف نتائجها لغرض تخريج صحفيين محترفين، وصولاً إلى دور النشر والطباعة كل هذه الدورة هدفها نشر المعلومات والمعرفة والأفكار في المجتمع، هنا تسمو قيم وأخلاقيات الصحافة، وتنهض المجتمعات من سبات التخلف والجهل، وبالتالي تتشكل مجتمعات مثقفة قادرة على التعبير عن المجتمع ونقل ونشر الأخبار إليها من خلال الكلمة والصورة والفهم الصحيح للواقع، لذا فإن الصحافة الحرة الاحترافية هي التي تبني مجتمعاً ناضجاً، وهذا ما حصل منذ بدايات الحياة العصرية، حيث تشكلت أرقى المجتمعات فكرياً من خلال الصحافة، فلقد كان لها دور بارز في خلق أجواء ثقافية بين طبقات المجتمع، ومعظم الدول والشعوب الناجحة في القرن العشرين والواحد والعشرين امتلكت صحافة جيدة استطاعت إقامة أركانها ودعائمها بقوة الفكر والعقل، كما خلقت شعوباً ناضجة استطاعت توظيف قدراتها في سبيل تطوير الحياة العصرية.
وفي العصر الحديث يستهدف الإرهاب الصحافة بقوة كي لا تنقل المشهد للجمهور، لكن ما حدث لم يؤثر في مسيرتها إلا أنها عادت بقوة كلمتها الحرة وصورتها الصادقة وهدفها السامي والنبيل ورسالتها الفكرية إلى القمة من جديد، لذا فإن الصحافة بتركيبتها الفكرية عالم متمرد شرس مقاتل مناضل متميز بتخطيطه وتنظيمه، فالحرية فيها أرقى صفاتها والثورة فيها أرفع سماتها، لذا فإن الصحافة الجيدة هي صحافة حرة والحرية هنا تكمن في النقل الصحيح للكلمة والصورة دون قيود وشروط حيث يتخذ الخبر والتقرير والمقال والحوار والصورة والتغطية، وغيرها على رغم اختلاف كل واحد منها من حيث المفهوم شكلاً ومضموناً، إلا أنها تتخذ قوتها من عمق رسالتها الفكرية.
ومع التطور الهائل الذي اجتاح البشرية من كافة الاتجاهات باتت الحاجة إلى الصحافة الحديثة شيئاً أساسياً في حياة الفرد، حيث التنوع في الأحداث وسرعتها جعل من الصحافة مادة أساسية تتناولها معظم فئات المجتمع والهدف هو مواكبة ما يحصل في العالم سياسياً وثقافياً ورياضياً وأدبياً واقتصادياً والرأي والرأي الآخر حيث ازدهرت دور الطباعة والنشر وسارعت المؤسسات التعليمية إلى الاهتمام بفتح جامعات وكليات ومعاهد للصحافة لكي تقوم بدورها في بناء جيل أكاديمي صحفي ناضج وصرفت الأموال على البعثات الصحفية لغرض نقل ما يحدث على ارض الواقع وأصبحت المؤسسات الصحفية، تنافس بعضها في سبيل إيصال المعلومة والمعرفة، وبهذا أصبحت الصحافة شيئا لا يتجزأ من ثقافة الدول والشعوب، واحتلت موقعاً بارزاً فيها وحظيت بسلطتها التي تشرعها قوانين الكلمة الحرة والصورة الحقيقية فلا يمضي يوم دون أن تظهر الصحف ووسائل الإعلام بحلة فكرية بهية سلسة متغيرة وفق الواقع الذي يتغير بحكم ما يحدث فيه وهذا التغير هو بمثابة إدامة محرك بحث وتحليل وتفسير عالم الصحافة، هنا لابد من الإشارة إلى أن لكل مهنة مخاطرها ومشاكلها، فلطالما وضعت الصحافة قاب قوسين أو أكثر أمام دائرة الخوف والرعب والترهيب بحكم الأنظمة الدكتاتورية وعدم تقبل الرأي والرأي الآخر، وعدم الرغبة في إيصال الحقيقة والكشف عن الأحداث وما وراء الكواليس، بل وتجاوزت مخاطر مهنة الصحافة إلى أبعد من هذا لكن الصحافة الحرة هي التي لا تموت بل تبقى حية بكلماتها وصورها وأخبارها وتقاريرها، لأنها رسالة سامية هدفها نقل ما يجري بحيادية واستقلالية تامة بعيدة عن الربح والمتاجرة بعقول وقلوب الشعوب.

إيفان علي عثمان