تقارير

سوريا بين الحسم العسكري والحل الدبلوماسي

باباك ديجانبشه وكولم لينتش
بيروت


كسبت الجهود الدبلوماسية الحثيثة التي بذلت في الآونة الأخيرة لحلحلة الوضع السوري المتأزم زخماً جديداً في الأسبوع الماضي بعد إعلان المبعوث الأممي المشترك إلى سوريا، الأخضر الإبراهيمي، عن طرحه لمقترح تشكيل حكومة انتقالية، فيما أشارت روسيا، التي ما زالت تدعم النظام، أنها مستعدة للضغط على بشار الأسد للجلوس إلى طاولة المفاوضات وفتح حوار جاد مع المعارضة.
ورغم الغموض الذي ما زال يلف تفاصيل المقترح المطروح حالياً والمدعوم من الأمم المتحدة، فإن التحركات الدبلوماسية الأخيرة والتصريحات التي أدلى بها المسؤولون المطلعون على الملف السوري في أكثر من عاصمة سواء في بيروت، أو موسكو، أو الأمم المتحدة يؤكدون وجود شعور عام بإمكانية بدء المفاوضات والتوصل إلى حل يتوافق عليه جميع أطراف الأزمة السورية لمنع حدوث الأسوأ كما حذر من ذلك المبعوث الأممي.
لكن وفي غضون ذلك، ورغم الحديث عن المفاوضات والحل السلمي للأزمة، تتنامى المخاوف لدى العديد من المراقبين من ابتعاد التسوية السلمية عن المتناول في ظل الانشقاقات المتوالية لبعض المسؤولين في الحكومة السورية، بالإضافة إلى النجاحات العسكرية التي يحرزها الثوار والتقدم الميداني على أكثر من جبهة ليعزز رغبتهم في شق طريقهم عسكرياً إلى قلب دمشق ورفض المبادرات السلمية التي يطرحها الأخضر الإبراهيمي.
وفي تفاصيل الحل المتداول أكد الأخضر الإبراهيمي يوم الخميس الماضي أن خطة تمت مناقشتها على هامش المؤتمر الدولي حول سوريا الذي عقد في جنيف خلال شهر يونيو الماضي قد تشكل أساس خطة جديدة تروم تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة تمهد الطريق لكتابة دستور ثم تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية، لكن الخطة تُبقي مصير الأسد مفتوحاً لجهة البقاء على رأس النظام والإشراف على العملية الانتقالية، وهو ما لا يستسيغه الثوار وقوى المعارضة.
وبالإضافة إلى ذلك أوضح المبعوث الأممي بموجب الخطة الجديدة أن هياكل الدولة السورية ستبقى قائمة دون المساس بها، فيما يطالب الثوار بضمانات حقيقية لعدم تولي الأسد وأركان نظامه مسؤوليات رسمية خلال المرحلة الانتقالية التي يتعين حسب رأيهم أن تكون بمنأى عن الهياكل القديمة للأجهزة الأمنية للنظام، وقال الإبراهيمي خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده بدمشق «لا يمكن للمرحلة الانتقالية أن تقود إلى انهيار الدولة ومؤسساتها»، موضحاً أن ذلك يمثل خطورة كبيرة على مستقبل سوريا والتعايش السلمي بين مكوناتها.
وبحسب وكالة «رويترز» التي نقلت تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، فإن هذا الأخير جدد مرة أخرى موقف بلاده من ضرورة حل الأزمة السورية سلمياً، محذراً أنه من دون حل متفق عليه ستنزلق سوريا إلى مزيد من الفوضى والاقتتال الداخلي، هذا ولم يرشح شيء عن الزيارة التي قام بها الأخضر الإبراهيمي إلى موسكو يوم السبت الماضي عدا التأكيد على إمكانية بعث خطة جنيف والبناء عليها لصياغة أرضية مشتركة بين النظام والمعارضة تقود إلى مرحلة انتقالية.
ورغم الإشارات الإيجابية، التي أوحت بها التحركات الدبلوماسية الأخيرة حرص المسؤولون الأميركيون على التقليل من شأن التصريحات بأن اتفاقاً حول تشكيل حكومة انتقالية بات وشيكاً، لا سيما بعد الضربة التي تعرضت لها أحاديث سابقة عن اتفاق أميركي روسي بين وزيري خارجية البلدين في العاصمة الإيرلندية دبلن تتخلى بموجبه روسيا عن نظام الأسد، وتبلور مرحلة انتقالية بعيدة عن نظامه، حيث فندت موسكو تلك الأحاديث، لذا أوضح هذه المرة المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، «باتريك فينتريل»، أن الولايات المتحدة لا تفعل أكثر من التنسيق مع الإبراهيمي والفريق الأممي، وأنه لا شيء ملموس تم التوصل إليه حتى الآن.
وأضاف المسؤول الأميركي موضحاً الوضع «نحن نعمل مع المبعوث الأممي لإنهاء العنف وتمهيد الطريق لانتقال سياسي، وموقف الولايات المتحدة واضح بهذا الخصوص، فنحن نقف مع الشعب السوري في إصراره على عملية انتقالية تقود إلى سوريا ديمقراطية موحدة وتنعم بالسلام ويعيش فيها جميع المواطنين دون تفريق، هذا المستقبل لا نعتقد أنه ممكن بوجود الأسد».
ويرى المراقبون أن الحلول الدبلوماسية التي يتم دراستها حالياً والقائمة على تشكيل حكومة انتقالية مع بقاء الأسد، لن تحظى بموافقة الثوار بعد الاختراقات الأخيرة على الساحة العسكرية وقدراتهم المتنامية في مجال التسليح، وهو ما يؤكده «جيفري وايت»، المحلل العسكري السابق بوزارة الدفاع الأميركية قائلا: «يمتلك الثوار اليوم قدرات ذاتية مهمة، هذا في الوقت الذي تعاني فيه القوات الحكومية من انتكاسات متتالية»، متوقعاً انهيار النظام خلال أسابيع، أو شهور قليلة على أبعد تقدير.
وقد أكد متحدث باسم «الجيش الحر» أن مقترح الأمم المتحدة الذي يرعاه الأخضر الإبراهيمي لن يلاقي الدعم المطلوب من قبل المعارضة والثوار، وأوضح المتحدث الذي اختار اسماً حركياً هو أبو لؤي الحلبي الوضع قائلا: «لا يستحق مقترح الإبراهيمي مناقشته لأنه لا يرقى إلى الحد الأدنى لما يطلبه الثوار، وهو خروج الأسد من سوريا ومعه أركان نظامه الذين دمروا البلد وقتلوا الشعب، وأي طرف يتحدث إلى النظام سيلفظه الشعب السوري».
ويبدو أن تغير موازين القوى في سوريا واكتساب الثوار قدرات عسكرية أكبر بدأ يؤثر على مقترحات الأمم المتحدة التي سبقت أن طرحت فكرة نشر قوات حفظ سلام أممية تضم عدة آلاف من العناصر لرعاية وقف إطلاق النار ومساعدة الحكومة الانتقالية على مباشرة عملها، لكن بعض المسؤولين البارزين يشككون في قدرة تلك القوات حتى في ظل تسليحها الجيد في الحفاظ على الأمن بسوريا.
ورغم إصرار المسؤولين في الأمم المتحدة على دراسة فكرة نشر قوات أممية يدعمها حلف شمال الأطلسي، ظلت البلدان الأوروبية، التي كان يفترض أن تشكل القوة الرئيسية في سوريا متحفظة إزاء المشاركة. وفي جميع الأحوال لا يساعد التقدم الأخير الذي بدأت تحققه كتائب الثوار والجيش السوري الحر في الدفع باتجاه حل سياسي، حيث بدأت تتعزز إمكانات الثوار ومعها ثقتهم في القدرة على حسم المعركة عسكرياً دون الحاجة إلى رعاية أممية، أو مفاوضة النظام، هذا الأخير الذي لم يكف أبداً عن استخدام الآلة العسكرية لقمع المعارضين واللجوء إلى الطائرات والصواريخ لإخضاع المناطق الثائرة.
وفي هذا السياق، قال مسؤول في الأمم المتحدة فضل عدم الكشف عن اسمه لحساسية الموضوع «رغم المقترح بنشر قوات أممية نعرف أن النجاحات العسكرية الأخيرة للثوار وسيطرتهم على عدد من المطارات والمواقع العسكرية لا يشجع على الحل السياسي، بل يؤجج الرغبة في حسم المعركة عسكرياً حتى دون تدخل الأمم المتحدة».
وميدانياً تواصل القتال في جبهات مختلفة داخل سوريا رغم المبادرات الدبلوماسية، بحيث أعلنت قوات الثوار عن إسقاط طائرة «ميج» تابعة للنظام غرب البلاد، وأظهر شريط فيديو مقاتلا من الثوار يطلق النار من رشاشه الثقيل المثبت على ظهر شاحنة مستهدفاً طائرة تحلق في الأجواء، وسرعان ما تحولت الطائرة إلى شعلة من النار، وهي تسقط أرضاً مخلفة كرة ضخمة من الدخان الأسود، وذلك في دليل آخر على تطور إمكانات الجيش السوري الحر الذي بات قادراً على إسقاط الطائرات بفضل الأسلحة، التي غنمها من النظام وما يصله أيضاً من الخارج.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»