دنيا

الشوكاني سلك طريق الاجتهاد فأصبح إمام الإصلاح والتجديد

(القاهرة) - الإمام الشوكاني فقيه مجتهد من كبار العلماء، وصاحب كتاب «نيل الأوطار» نشأ في اليمن وتلقى العلم على شيوخها، وجد في طلب علوم الفقه والشريعة فأكثر من المطالعة والحفظ والسماع، حتى صار عالماً كبيراً يشار إليه بالبنان، وتوافد عليه الطلاب من كل مكان، وقد اشتغل بالقضاء والإفتاء، وكان داعية إلى الإصلاح والتجديد، وترك التقليد وسلك طريق الاجتهاد بعد أن اجتمعت فيه شرائطه كاملة.
نشأة الإمام
وعن حياة الإمام، يقول أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الدكتور أحمد محمود كريمة: هو الإمام محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني، ولد ببلدة شوكان باليمن عام 1173 هجرية، ونشأ في مدينة صنعاء في بيت علم حيث كان والده من العلماء الكبار، وكان له أكبر الأثر في تكوين شخصيته، حيث هيأ له فرصة التفرغ للعلم، وكفل له وسائل الحياة المعيشية، فبدأ حياته العلمية منذ الصغر، وتتلمذ على عدد كبير من علماء صنعاء في عصره، ولم يرحل منها، وكان أكثرهم تأثيراً فيه شيخه عبدالقادر بن أحمد الكوكباني، والحسن بن إسماعيل المغربي، وعبد الله بن إسماعيل النهمي.
وأضاف: درس الشوكاني جميع العلوم الشرعية والعربية ونبغ فيها، بل درس العلوم الفلسفية الشائعة في ذلك الوقت، كالمنطق، والطبيعة، والرياضة، وغير ذلك، وقد بلغ مرتبة من التفوق المبكر جعلته يتصدى للتدريس أثناء تحصيله العلم، ويفتي، وهو في العشرين من عمره، ثم يتولَّى بعد ذلك القضاء العام وهو في السادسة والثلاثين من عمره، ووجد في قضائه فرصة لنشر مذهبه في الاجتهاد ونبذ التقليد، والدعوة إلى طريق السلف الصالح، وظل متولياً منصب القضاء في صنعاء حتى وفاته.
تعاليم الإسلام
وعن الفترة التي عاشها الشوكاني قال الدكتور كريمة: عاش الإمام في فترة كانت البلاد الإسلامية فيها تعاني التفكك والضعف، وكانت الصراعات والطائفية والقبلية سائدة وقد عاصر المذاهب والفرق والطوائف الدينية المختلفة، ورأى ما فيهم من التعصب والجمود، والانحراف العقدي والسلوكي المناقض لتعاليم الإسلام، كما رأى ما وقع فيه الناس حوله من الفساد، والشرور، والبدع، والجهل بأمور الدين، ورأى قعود العلماء والحكام عن أداء واجباتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأى الظلم الاجتماعي الذي ساد المجتمع وتبدّت مظاهره في سلوكيات القضاة والعمال والحكام وهذه الأمور التي تكونت منها بيئة الشوكاني كان لها أثر بالغ في ظهوره وقيامه بالإصلاح.
ولفت إلى أن الشوكاني لم يلبث أن تخلى عن التقليد والتمذهب، وأصبح لا يتقيد بفرقة من الفرق أو مذهب من المذاهب، بل اعتمد اعتمادا مباشراً على الكتاب والسنة، وأصبح من المجتهدين في البحث عن الحكم الشرعي والرأي العقائدي من خلال الأدلة والبراهين، لا عن طريق التقليد والتلقين، وقد وصل إلى هذه المرتبة، وهو دون الثلاثين من عمره، وكانت دعوته إلى الاجتهاد ونبذ التقليد والرجوع بالتشريع إلى طريق السلف تمثل امتداداً لأدوار من سبقه من المجددين والمصلحين، كالإمام مالك، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وقد تعرض في سبيل الدعوة لأذى كثير من المتعصبين والمقلدين في عصره، واتهموه بالدعوة إلى هدم مذهب أهل البيت.
طريقة السلف
وتابع: ذهب الشوكاني مذهب الواقفية في مسألة خلق القرآن، فلم يجزم برأي هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ وقد سلك طريقة السلف في الاستدلال لكل مسألة من مسائل العقيدة التي أثبتها، فقدم الأدلة النقلية على العقلية، والمعنى الظاهر من النصوص على معنى المجاز منها، وقد كثر خصومه كما كثر المعجبون به بسبب دعوته إلى الاجتهاد والتجديد.
وقال أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر: ترك الإمام الشوكاني رغم اشتغاله بالأعمال الكثيرة عدداً كبيراً من المؤلفات والرسائل القيمة في مختلف العلوم، ولم يزل معظم هذا التراث مخطوطاً وتجدر العناية بتحقيقه، ودراسته، وتسهيل السبل إلى طبعه، ومن أشهر هذه المؤلفات كتاب «نيل الأوطار في الحديث»، وكتاب «فتح القدير في التفسير»، وكتاب «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع»، وكتاب «رشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول».
وبعد عمر زاخر بالعطاء والعمل والإخلاص لخدمة الدعوة الإسلامية توفي الإمام الشوكاني في صنعاء عام 1255 هجرية تاركاً خلفه تراثاً علمياً وفقهياً ما زال العلماء والفقهاء يستفيدون منه حتى يومنا هذا نظراً لأهمية دعوته إلى التجديد ومحاربة الجمود.