دنيا

سيرة رسولنا الكريم مصدر لاستلهام الدروس والعبر بين المسلمين

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، «سورة الأحزاب، الآية 21».
ذكر صاحب صفوة التفاسير في تفسير الآية السابقة: (قدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، أي لقد كان لكم أيها المؤمنون في هذا الرسول العظيم قدوةٌ حسنة، تقتدون به، صلى الله عليه وسلم، في إخلاصه، وجهاده، وصبره، فهو المثل الأعلى الذي يجب أن يُقتدى به، في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، لأنه لا ينطق ولا يفعل عن هوى، بل عن وحيٍ وتنزيل، فلذلك وجب عليكم تتبع نهجه، وسلوك طريقه (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) أي لمن كان مؤمناً مخلصاً يرجو ثواب الله، ويخاف عقابه (وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) أي وأكثر من ذكر ربه، بلسانه وقلبه، قال ابن كثير: أمر تبارك وتعالى الناسَ بالتأسي بالنبي، صلى الله عليه وسلم في صبره ومصابرته، ومجاهدته ومرابطته، ولهذا قال للذين تضجروا وتزلزلوا، واضطربوا يوم الأحزاب (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، والمعني: هلاّ اقتديتم به وتأسيتم بشمائله، صلى الله عليه وسلم»، (صفوة التفاسير للصابوني 2/520-521).
لقد اختار الله سبحانه وتعالى محمداً، صلى الله عليه وسلم،خاتمًا للأنبياء والمرسلين، وكان عليه الصلاة والسلام، المثل الأعلى في جميع جوانب حياته، لذلك، فإن واجب المسلمين تَمَثُّل أخلاقه صلى الله عليه وسلم ، والاقتداء به والتمسك بشريعته. ومن المعلوم أن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يتفيأون في هذه الأيام ظلال شهر ربيع الأول، هذا الشهر الذي وُلِدَ فيه الحبيب، صلى الله عليه وسلم، لذلك فإنّ من واجبنا أن نقوم بدراسة جوانب القدوة في حياته، لتكون محلاً للأسوة الحسنة، والمثل الأعلى للإنسان الكامل. ونحن هنا نتذكر جوانب من سيرته العطرة عليه الصلاة والسلام، لنستلهم منها الدروس والعبر.
تواضعه
وعند دراستنا للسيرة النبوية الشريفة، فإننا نلمس التواضع في كافة أمور حياته صلى الله عليه وسلم، فقد كان ، عليه الصلاة والسلام، أبلغ المتواضعين تواضعاً، وبتواضعه هذا استطاع أن يملك قلوب الناس، فقد كان، عليه الصلاة والسلام، متواضعاً في كل شيء، يلبس من اللباس ما خشن، ويأكل من الطعام ما حضر، ويجالس الفقراء، ويُحب المساكين، ولا يُقابل أحداً بما يكره، وكان يخدم بيته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، وكان يردد دائماً: «أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة»، وفي الحديث الآتي يصور لنا خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه شيئاً من تواضعه، حيث يروي: «أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ، دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَأُصَلِّيَ لَكُمْ»، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبسَ، فَنَضَحْتُهُ بمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ»، (أخرجه مسلم).
كما يروي لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقفاً من تواضعه ورقة شمائله، ترك أثراً في نفسه حتى أبكاه، يقول رضي الله عنه، وهو يصف حاله عند دخوله على رسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم: «... وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبوراً وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبهِ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكَ؟»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ»، (أخرجه البخاري)، كما ويتجلى تواضعه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أهل بيته، فهو يعيش في بيته ومع أهله معيشة المتواضعين، كيف لا؟ وهو القائل: «طوبى لمن تواضع من غير منقصة، وذَلّ نفسه في غير مسألة، ورحم أهلَ الذلّ والمسكنة»، (أخرجه الطبراني). فعلينا أن نقتدي برسولنا صلى الله عليه وسلم ، في التحلي بخلق التواضع، وأن نبتعد عن الكبر والغرور.
حياؤه
لقد دعا ديننا الإسلامي الحنيف إلى وجوب التحلي بالفضائل، ومن أعظم تلك الفضائل وأقواها أثراً في سلوك المسلم خلق الحياء، ذلك الخُلُق الذي يُثمر في صاحبه الكمال في كل شأنه، من أجل ذلك كان الحياء خيراً كله، وكان رأس الفضائل وقرين الإيمان، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحياءُ لا يأتي إلا بخيرٍ»، (أخرجه الشيخان)، فالحياء صفة جامعة هي من صميم الإيمان لقوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمانُ بضعٌ وسبعونَ أو بضع ٌ وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمانِ»، (أخرجه مسلم). لذلك، فإننا نجد عند دراستنا للسيرة النبوية أن رسولنا صلى الله عليه وسلم، عندما يريد أن يُبَيِّن لأتباعه أحكام الدين، فإن هناك ما يُستحيا منه، لذا فهو يُعبّر عنه بلفظ يؤدي إلى المعنى، لكنه لا يتنافى مع الحياء، كما ورد في الحديث الشريف عن عائشة رضي الله عنها: (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَت النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ؟ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مسْكٍ فَتَطَهَّرِي بهَا»، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: «تَطَهَّرِي بهَا»، قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي» فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بهَا أَثرَ الدَّمِ»، (أخرجه البخاري).
إن الحياء كما يكون من الناس يكون من الله عز وجل، ويكون من الإنسان نفسه، وأعلى درجاته ما كان الباعث عليه مراقبة الله وخشيته، لعلمه أنه لا تَخْفى عليه خافية كما في قوله تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، «سورة غافر، الآية 19»، وقد جمع رسولنا، صلى الله عليه وسلم، أطراف الحياء في الحديث الشريف عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ»، قال: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نَسْتَحْيي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقّ الْحَيَاءِ أَنْ تحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، والْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وتتذكَّر الْمَوْتَ وَالْبلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ»، (أخرجه الترمذي). إن الحياء شعبة من شُعب الإيمان، يبعث في النفس معاني الخير، ومن المعلوم أن الإيمان قرين الحياء، وأَنَّ مَنْ لا حياءَ فيه لا خيرَ فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِمَّا أدركَ الناس من كلامِ النبوة الأولى: إِذَا لمْ تَسْتَحِ فاصنعْ ما شِئْت»، (أخرجه الشيخان).
وعاش رسولنا صلى الله عليه وسلم، في مجتمع يحب الكرم والسخاء، حيث شدد، عليه الصلاة والسلام على أن السخيّ قريب من الله سبحانه وتعالى، فقد كان عليه الصلاة والسلام أسخى الناس وأجودهم، كما جاء في الحديث الشريف عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «كَانَ رسولُ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حينَ يلقاهُ جبريل»، (أخرجه البخاري).



الدكتور يوسف جمعة سلامة
خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك
www.yousefsalama.com