دنيا

زوجة حائرة

نورا محمد (القاهرة) - مثل كل فتاة، سعدت بالخطوة عندما تقدم لي شاب ليخطبني، لم أكن أعرفه من قبل، وإن كنت قد سمعت عنه كثيراً من دون أن أراه أو أعرف عنه الكثير، لكن ما تنامى إلى علمي كان يكفي لأن أوافق عليه، غير أنني اكتشفت فيما بعد أنه كان منقوصاً أو مشوهاً، وربما لا يكون ذلك بشكل متعمد وأيضاً أظن أنه لم يقصد أحد من ورائه تضليلي أو إخفاء معلومات عني.
كنت في السنة الثالثة بالجامعة أدرس في كلية نظرية، ولم يكن تعليم البنات شائعاً في منطقتنا، ولم يكن تعليمي بهدف العمل، ولكن لحاجة كانت في نفس أبي وأمي لم تخطر يوماً على تفكيري، وهي أن أحظى بزيجة جيدة مناسبة مريحة من رجل ثري أو في موقع مهم أو وظيفة عالية، وهذا ينطبق عليّ وعلى أخواتي الخمس، وقد تزوج منهن ثلاث، وها أنا يحين دوري وأختي الصغرى في الخامسة عشرة من عمرها.
الشاب الذي تقدم لي توافرت فيه أولاً المواصفات التي كان أبي وأمي يرميان إليها ويستهدفانها، فهو في وظيفة محترمة ومستقبله باهر، يقيم في إحدى المدن الكبرى، وتلك نقلة أخرى بالنسبة لي وميزة عن أخواتي الأخريات اللاتي تزوجن في مدينتي متوسطة المستوى نفسها، معروف أيضاً بأخلاقياته ومن عائلة طيبة كريمة وكل هذه الإمكانات والمواصفات كانت بالنسبة لي جميلة، وتمنيت بالفعل أن تتم الزيجة بلا معوقات أو مشكلات، خاصة أنني لم أكن مرتبطة بأي شخص آخر لا بوعود ولا مشاعر، إلا بعض أبناء عمومتي الذين يبدون رغبتهم في الارتباط بي، لكنهم جميعاً لا يناسبونني؛ لأنهم أقل مني في المستوى التعليمي، مع وجود خلافات بيننا، بجانب أنني لا أستريح لأي منهم كزوج.
تمت قراءة الفاتحة في لقاء أسري محدود، كانت أول مرة أراه فيها عن قرب، وتنفست الصعداء بعدما تبددت مخاوفي من تلك النظارة التي على عينيه، فقد تبين أن نظره ليس ضعيفاً بالقدر المزعج، وإن كانت ابنة عمي لم تفوت الفرصة لتجعلها نقيصة فيه تعيرني بها وتوجه إليه الانتقادات، لكي لا يكون كما أراه وأن يبدو عريساً أقل من عادي وليس فرصة، كما أتخيل أو أرى، وأن هناك العشرات، بل المئات أفضل منه من حولنا ومن أبناء عمومتنا، كما لو كانت تقدم لي نصيحة قبل أن أغرق أو يتم الارتباط الرسمي، نصيحة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، فقد لاحظت أمي أنني متغيرة كثيراً وشاردة وباكية أحاول إخفاء أثار دموعي، وعندما سألتني عن السبب وصارحتها به، قالت إنها غيرة من ابنة عمي؛ لأنها أكبر مني ولم يتقدم لها أحد حتى الآن، وقد كان ذلك الرد مقنعاً لي حتى وإن تركت الواقعة أثراً في نفسي.
في لقاء عائلي محدود تم عقد القران، لم يرق لأن يطلق عليه وصف حفل، فلم يحضره سوى بضعة نفر من الأسرتين، وقد حدث ذلك على خلاف عاداتنا، إذ في الغالب يتم عقد القران في يوم الزفاف نفسه، لكن في حالتي يعتبرون أن كل شيء غير عادي، ويجب أن يخرج عن المألوف والتخلص من العادات، وقد تم الاتفاق على ذلك باعتبار أنه ستتم إقامة حفل عرس أسطوري يدعى إليه علية القوم ويحضره الجميع من الأهل والأقارب، وبعده انتقل إلى عش الزوجية في المدينة الكبرى.
أصبحت زوجة على الورق، ورغم عقد القران، فإن ذلك لا يتيح لي في عرفنا أن أجلس وحدي مع «زوجي»، لذلك كان هناك انقطاع أو عدم تواصل، كما ينبغي أن يكون في إطار الالتزام كي نتفاهم على ترتيبات حياتنا ومستقبلنا، ومن توابع ذلك أنه بعد عقد القران لم يأت ولم يزرنا ولا مرة ولم يتصل بي، ولم أره حتى في العيد، يومها بكيت كثيراً، وزاد من حزني وألمي ابنة عمي تلك التي جاءت تذكرني بما أعرفه، فزوجي كان مرتبطاً قبلي بفتاة وأيضاً عقد قرانه عليها، وكانت بينهما قصة حب، ولكنهما اختلفا وتم الطلاق بينهما قبل الدخول، ولا أعرف أسباب الانفصال، وما قيل لي إنهما لم يكونا على وفاق، وأنه هو الذي تركها؛ لأنها لم تكن تسمع نصائحه ولا تستجيب له ولم يكن هناك بينهما أي نوع من التوافق، بينما ابنة عمي تقول لي إن زوجي لم يأت في العيد لأنه ما زال مرتبطاً ويعيش حبه القديم وإنني مجرد زوجة، لا يقيم لي وزنا، وستظل الأخرى هي محبوبته وأن بينهما لقاءات وتواصل حتى الآن.
كلامها يبدو منطقياً ومقنعاً، فأنا أرى أمامي المخطوبين يعيشون في حالة خاصة من الخروج والتنزه وشراء احتياجاتهم من أثاث ومفروشات وأجهزة كهربائية، وتكون بينهم اتصالات واتفاقات وتفاهمات، بينما أنا ما زالت بيني وبين«زوجي» فواصل وحدود ومسافات، إلى هنا رغم الارتياح من جانبي على الأقل، لكن المشاعر لم تتحرك بعد ولم ترق إلى درجة الحب، ولذلك كان ما قالته ابنة عمي صحيحاً، وزاد من آلامي، لكن أمي كعادتها قدمت رؤيتها وتخريجتها ومبررات له، وقالت إنه لم يأت طوال هذه الشهور؛ لأنه يقوم بتجميع إجازاته ليستفيد منها في فترة العرس وشهر العسل، واعتبرت ذلك مقبولاً لأخفف عن نفسي ما أنا فيه.
أما عن الشقة الفاخرة التي كنت أحلم بها، فهي مجرد غرفتين وصالة صغيرة في منطقة صحراوية، على أطراف المدينة، قال لي من يعرفون المكان إنها مجموعة من البنايات التي تستخدم في حالات الطوارئ والإيواء العاجل، لا توجد بها حياة وتفتقد لكل الخدمات، ماؤها مالح لا يصلح للشرب، المواصلات إليها تعمل حتى العصر وبعده تنقطع السبل بالسكان من الداخل أو القادمين من الخارج، كل الاحتياجات اليومية يتم شراؤها من مناطق بعيدة، كل أحلامي تنهار وتتهاوى، ما عرفته عنه من معلومات مشوه ومنقوص، ولم يبق لي الآن إلا شخصيته التي لا أدري من يكون ولا كيف يفكر أو يتعامل.
وأخيراً عاد بعد ستة أشهر، كنت سعيدة بالفعل، لكن بدأت أكتشف بعضاً من أفكاره وأسلوبه في الحياة، فهو غيور إلى حد المرض، فقد قام بتطليق «خطيبته» الأولى لهذا السبب؛ لأنه رأى لها صورة وهي طفلة مع صديق أبيها، وهو يضع يده على كتفها، وبعدما ارتبط بها منعها من العمل وقد كانت موظفة، ووافقته على ذلك، ولكن لأنه كثير الاشتراطات ويتدخل في كل تفاصيل حياتها وكان يحاسبها حساب الملكين على كل تحركاتها، فإنها آثرت أن تنجو منه قبل أن تغرق معه وتم الطلاق بينهما.
بدأ يفعل كل ذلك ويعيده معي فقد طلب، بل أمرني أن أتوقف عن التعليم؛ ولأنني بالفعل غير مهتمة بالتعليم ولأن أبي وأمي غايتهما منه زواجي، فقد وافق الجميع على أمره بلا نقاش، في الحقيقة لم أكن مقتنعة خاصة أنه لم يتم تحديد موعد الزفاف بعد، ولا مانع من أن أكمل تعليمي ولم يبق لي إلا عام واحد واحصل على الشهادة، وليس بالضرورة أن التعليم هدفه الوحيد هو العمل؛ لذا فقد وافقت على مطلبه على مضض وعدم اقتناع، ففي هذه الفترة سأكون قابعة في البيت بلا أي مهام تذكر، وبدأت أخشى تكرار تجربته الأولى معي؛ لأن الأحداث بالفعل تتكرر.
خلال عام كامل مر بعد عقد قراننا، لم يأت لي يوماً بهدية واحدة ولم يشتر شيئاً من مستلزمات وأثاث البيت ولم يتقدم خطوة واحدة، عرفت أنه بخيل من جانب، وإمكاناته المادية محدودة من جانب آخر، ووظيفته التي يقولون إنها مرموقة، عائدها عادي ولا يكفي للإنفاق على أسرة صغيرة، حتى أنه يسعى لشراء الأثاث بالتقسيط مما يعني المزيد من الأعباء، والأمر لم يقف عند هذا الحد، بل إن جريمات الذهب التي اشتراها في بداية الخطبة، يكتفي بها ولا ينوي شراء شبكة تليق بمن هن مثلي وفي المستوى الذي نعيش فيه، فكل قريباتي ونظيراتي اللاتي تزوجن جيء لهن بمئات الجرامات من الذهب واشترين مجوهرات تملأ العين وفي كل حالة يطوفون بها على البيوت للتباهي بها، وما أريد التباهي ولا التفاخر، ولكن أريد الحد الأدنى المعقول من المهر والشبكة، فلست عانساً ولا بي عيوب كي أقدم كل تلك التنازلات.
ابنة عمي لم تتوقف يوماً عن استخراج العيوب والنقائص في العريس بالحق والباطل حتى أصبحت أرى كل ما تقوله حقائق مسلماً بها؛ لأنها تلمس الأوتار عندي وتلعب عليها، وكثيرون من قريباتي كن على نفس منوالها، لم أعد قادرة على تمييز المقاصد هل هن ناصحات أمينات أم غيورات حاقدات، حتى جاءت إحداهن لتعلن أنه تقدم لها من قبل ولكنها رفضته، ولم أكن قد سمعت عن ذلك من قبل مع أننا نعيش في بيتين متجاورين ونعرف التفاصيل كافة عن حياة بعضنا، لكن ربما يكون أمر كهذا سراً لا يعرفه الجميع ومن المحتمل أن يخفى عليّ. بدأت أقف مع نفسي وأتدبر الحال هل يمكن أن أستمر، وهل أستطيع أن أواصل حياتي مع شخص بهذه المواصفات، ولم أر فيه ميزة أو بوادر أمل في غد أفضل، وصارحت أمي بمخاوفي، فكادت تلطم وجهها وضربت على صدرها، وهي تستنكر ما أقول، وعندما علم أبي بما أفكر فيه ترك لي حرية القرار باعتبار أن تلك حياتي ومن حقي أن أتخذ ما أرى حتى لا أندم يوماً، المشكلة أنني زوجة مع إيقاف التنفيذ والانفصال يعني الطلاق، فكيف سأحمل لقب مطلقة وأنا لم يتم زواجي ولا حتى الخطبة مثل كل الفتيات.
ما زلت حائرة بين الاستمرار مع كل هذه المقدمات والمخاوف ومع حمل لقب مطلقة من غير أن يسبق لي الزواج، والمؤكد أن كل من ينظر إليّ سيضع في حساباته تلك التجربة وسأكون في عينه مطلقة حتى لو كنت آنسة.