ثقافة

حسين يونس يرصد الألم العراقي عبر الشاعر جان دمو

الغلاف (من المصدر)

الغلاف (من المصدر)

دبي (الاتحاد)- يتنقل الروائي والشاعر حسين علي يونس المقيم في ستوكهولم بخفّة بين الشعر والرواية، حتى يكاد الفرق يتلاشى بينهما، ليصنعَ مقاربات حداثية في صياغة النص مازجاً بين مفردة الشاعر وسردية الروائي المتمكن من أدواته ولغته.
ذلك ما يتضح في روايته الأخيرة «يوميات صعلوك» التي حملت عنوانا فرعيا أيضا هو: «جان دمو في الجبهة»، الصادرة مؤخراً عن دار نون للنشر والتوزيع في رأس الخيمة في مائة وثمانين صفحة من القطع المتوسط.
وظهر في الغلاف ما يكاد يكون شبحا لصورة الشاعر العراقي جان دمو الذي حاكى المؤلف ظروف حياته وأطراف من سيرته الإبداعية، رغم حضوره في الرواية كشخصية افتراضية، لذلك الرجل الذي ذهب إلى جبهة القتال في فترة من فترات حياته وأمضى هناك ما يقارب الشهرين أو الثلاثة، ليستوحي المؤلف عنوانه الفرعي من وحي الواقعة التي مر بها جان دمو، حين كانَ حسين علي يونس جندي مشاة في الجيش العراقي ضمن الخدمة الإلزامية واستثمر وجوده في الجبهة في بناء هذا الكتاب الذي ينتمي إلى لغة الشعر أكثر مما ينتمي إلى لغة السرد على الرغم من أنه رواية محضة، ليتناول فيه طبيعة علاقته الشخصية بجان ديمو الذي عانى من عدم اعتراف الأوساط فيه، وتهميش مقصود من المؤسسات الإعلامية الرسمية العراقية آن ذاك، منذ منتصف الثمانينات وحتى خروجه إلى الأردن وإلى استراليا التي مات فيها. تبدو «يوميات صعلوك» بناء روائيا من وجهة نظر شاعر فكّر بكتابة رواية، ومحاولة تجريدية في كتابة السرد، ينقلُ جنساً من الرواية يمكن تسميته بـ»الرواية الارتيابية» – إذا جاز التوصيف - وتتعدد فيه الخطابات السردية كما تتداخل فيه الأجناس الأدبية، فضلا عن أنها عمل ذو طبيعة حالمة، فيه من القسوة والرقة الشيء الكثير، سُحب فيه الماضي السحيق إلى أطراف الحاضر ودفعَ بالحاضر إلى كبد الماضي.
أما على صعيد الأسلوب، فإن الرواية مكتوبة بأسلوب نادرا ما كُتبت به الرواية العراقية والعربية بشكلٍ عام يسمى «الشذرية» التي تعتمد على مقاطع أغلبها قصيرة ومكثفة ترسم صوراً موجزة معبرة، إذ تنساب الكلمات كماء رقراق دون أن تعكر الإيقاع بتلوثٍ يجعل القارئ يشيح بنظراته عنه، فتنطلق لغته الشعرية لتحتضن العبارات وتجعلها مثل مزاج رائق عفوي وبدون أدنى اهتمام بخطوط الرقابة الحمراء، بل إنه قتل الرقيب داخله وترك لنفسه حرية البوح بكل ما يخالجه من شعور وكل ما يتراكم في رأسه من ذكريات وحكايات، تلك الحكايات التي يمكنها أن تجتذب القارئ ليكون حاضراً بوعيه فيدرك الإشارات الرمزية.
يحفل العمل، الذي كُتبَ قبل خمسة عشر عاماً ظلَّ خلالها رهين الأدراج والمراجعات الدائمة ليخرجَ على هذا النحو موجزا بشدة، ومحملا بعناوين فرعية تحمل في معظمها دلالاتٍ رمزية تخص المؤلف وعلاقته بجان دمو مثل (جلجامش وأنكيدو والمعلم)، مستثمراً تلك العلاقة التي امتدت لسنوات لم تخل من الغرابة والصدق والسخرية والمتعة لتُخرجَ عملاً متقناً متمازج الأجناس.
تتداخل في العمل الأزمنة كما الشخوص، وتوجهُ نقداً لاذعاً لكل مكونات المجتمع كما للتطرف، وللوضع الاجتماعي المتزمت إزاء قضايا عديدة، إضافة إلى نقد الوضع السياسي العراقي كما تتطرق للقمع والدكتاتورية وبشيءٍ من التفصيل، أيضا، مرحلة احتلال العراق في العام 2003 وما بعدها لتطرقَ باب الحرب الأهلية التي قامت على أنقاض النظام السابق، كما تمزج كلّ تلك الأحداث بتفاصيل من طفولة المؤلف الذي يختتمها بشذرةٍ بعنوان «مدخل إلى الملف» يقول فيها: «كانت بناية الجريدة ملطخة بالسخام، والوثائق مدلاةٌ من أحشاء المجارير، قمت بنبش كومة من الأوراق وأدهشني أن أجد أنها تابعة إلى دائرة الأمن، قلبت الأوراق، كانت تحتوي بين طيات كبدها على مجموعة من التقارير التي وضعها طاقم كامل من الأدباء والفنانين الذين كنت أصادفهم في أحيان كثيرة قرب مقر الجريدة وفي المقهى الذي كنت ارتاده فيما مضى».