تقارير

معسكرات الاعتقال في كوريا الشمالية

جارد جنسر
محام وناشط حقوقي أميركي


بينما يحتفل الأميركيون بتنصيب أوباما لولاية ثانية وعيد ميلاد مارتن لوثر كينج جونيور، الذي يعتبر عطلة رسمية في الولايات المتحدة -وهما حدثان يرمزان إلى قوة حرية الإنسان والكفاح ضد القمع والاضطهاد- تمثل هذه الحرية بالنسبة للكثير من الناس الآخرين حلماً بعيد التحقق. فكوريا الشمالية التي تعتبر من بين أكثر البلدان قمعاً في العالم، تسجن ما يصل إلى 200 ألف شخص في نظام «الجولاج»، أو معسكرات العمل المعروفة باسم «كوان لي سو».
وتحت نظام «الجرم بالتبعية» الذي تأسس خلال الحكم الديكتاتوري لكيم إيل سونج قبل أكثر من 50 عاماً، يعاقَب معارضون حقيقيون ومتخيَّلون وما يصل إلى ثلاثة أجيال من أقاربهم من أجل القضاء على «بذور» العائلات السيئة. والمسجونون ليس لديهم أي أمل تقريباً في الإفراج عنهم، كما أنه من شبه المستحيل الهرب من المعسكرات، ما يعني أنه من شبه المؤكد أن هؤلاء الأشخاص سيموتون كسجناء. وحسب تقديرات لجنة حقوق الإنسان في كوريا الشمالية، فإن مئات الآلاف منهم قضوا نحبهم هناك خلال العقود القليلة الماضية.
غير أنه لأول مرة في التاريخ الحديث، هناك سبب للأمل في أن العالم قد ينتبه أخيراً إلى محنتهم ومعاناتهم. ففي دعوة صريحة للتحرك، دعت المفوضة العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم لمتحدة، نافانيثيم بيلاي، الأسبوع الماضي إلى فتح تحقيق دولي مستقل في جرائم الفظاعات الجماعية التي ترتكب في كوريا الشمالية.
ذلك أنه في معسكرات العمل، يقوم السجناء بأعمال شاقة وقاسية، ويتعرضون للتعذيب والعنف الجنسي وسوء التغذية الحاد. كما يرغم الرجال والنساء والأطفال على الاشتغال في بيئات عمل خطيرة لما قد يصل إلى 16 ساعة في اليوم. وُيمنحون حصصاً هزيلة من عصيدة الذرة كطعام وكثيراً ما يضطرون لأكل الجرذان أو البحث في الفضلات للبقاء على قيد الحياة.
ورغم تفشي أمراض خطيرة في المعسكرات، مثل الالتهاب الرئوي والسل، فإنه لا يوجد أي علاج طبي. وبدلا من ذلك، يرغم السجناء على العمل وهم مرضى، أما أولئك الذين لم يعودوا قادرين بدنياً على العمل، فيرسلون إلى ملاجئ ليموتوا. والأشخاص الذين لا يلتزمون بالقواعد الصارمة للمعسكر يعذَّبون أو يعدَمون. و«الجولاج» عبارة عن شبكة منظمة من معسكرات الاعتقال التي تهدف إلى تجويع وتشغيل سجنائها حتى الموت.
وإضافة إلى ذلك، فإن العالم لا يعرف شيئاً بعد عن مصير عدد من المواطنين اليابانيين، والكوريين الجنوبيين، وأجانب آخرين تعرضوا للاختطاف من قبل كوريا الشمالية خلال العقود الماضية.
غير أن ثمة فرصة نادرة للقيام بعمل ذي معنى عندما يفتح «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة جلساته الجديدة الشهر القادم. وكانت هذه الهيئة، وسلفها «مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان»، قد تبنت خلال العقد الماضي قرارات عقيمة سنوية حول وضع حقوق الإنسان في كوريا الشمالية. غير أنه في هذا العام لن يكون بوسع بيونج يانج التعويل على أصوات الصين وروسيا وكوبا، وهي ثلاثة بلدان تعتبر من أشد المدافعين عن كوريا الشمالية؛ حيث اضطرت هذه البلدان للتنحي عن عضوية المجلس بعد أن خدمت فيه لولايتين متتاليتين من ثلاث سنوات كحد أقصى.
والأكيد أنه حتى إذا قام المجلس بتشكيل لجنة تحقيق، فإن ذلك لن يحل التحديات التي تواجه شعب كوريا الشمالية، غير أن جعل مجموعة مستقلة ومحايدة من الخبراء تحت لواء الأمم المتحدة تعد تقريراً مفصلا وتصدر توصيات للتحرك، يمثل خطوة بالغة الأهمية ستجعل من عدم التحرك أكثر صعوبة بكثير.
فقبل قرابة 70 عاماً، عندما كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها، اختارت الولايات المتحدة ألا تقصف خط السكك الحديدية المؤدي إلى أوشفيتز. وجاء هذا القرار رغم دعوات لوقف أكبر مجمع لمعسكرات الاعتقال النازية حيث قتل أكثر من مليون يهودي وآخرين. وكان المعتقلون في أوشفيتز يشعرون، مثلما قال أحد السجناء، كما لو أن «رجال الحرب قد نسونا».
والواقع أن لا أحد يدعي أن العمل العسكري أمر معقول ومنطقي في حالة كوريا الشمالية. لكن، ومثلما قالت بيلاي الأسبوع الماضي، فـ«إن قرص الضوء مسلط بشكل شبه حصري على برنامج كوريا الشمالية النووي وعمليات إطلاق الصواريخ التي تقوم بها... ولئن كانت هذه مواضيع ذات أهمية بالغة بالطبع، إلا أنه ينبغي ألا يُسمح لها بأن ترخي بظلالها وتغطي على الوضع المزري لحقوق الإنسان في كوريا الشمالية، والذي يؤثر بطريقة أو بأخرى على كل السكان تقريباً وليس لديه نظير في أي مكان آخر من العالم».
والواقع أن كلا من الإدارات الجمهورية والديمقراطية كانت ترفض باستمرار تركيز جهود دبلوماسية هامة على النهوض بحقوق الإنسان والوضع الإنساني في كوريا الشمالية، خشية أن يدفع ذلك بيونج يانج إلى الانسحاب من المفاوضات حول برنامج أسلحتها. غير أنه إذا كانت الولايات المتحدة لن تتحرك على نحو حاسم من أجل إنهاء الانتهاكات الكثيرة لأكثر نظام وحشية في العالم، فمن سيتحرك؟
عندما ينهار النظام الكوري الشمالي وتُفضح جرائمه بشكل كامل، سيخلص المؤرخون بدون شك إلى أنه كانت لدينا معلومات كافية للتحرك بسرعة، لكننا لم نفعل. والأكيد أنه حان الأوان لكي تتحرك الولايات المتحدة وتمنح شعب كوريا الشمالية الأمل في أن العالم لم ينساه.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»