الملحق الثقافي

«لم يُستدَل عليه».. سرد الجنون

جميل الشبيبي

من الإشكالات المهمة في الرواية الخليجية التي تكتبها المرأة، تلك العلاقة بينها وبين الرجل (الاب، الاخ، الزوج، والحبيب) من جهة، وبينها وبين الافرازات الحضارية التي تجسدها الإنجازات الهائلة في كل المجالات، فهي تعطي الكائن الانساني حرية واسعة، وتسحق بنفس الوقت كل الترسبات والأفكار التي تحد من انطلاقته الحرة في فضاء الابداع والحياة الجديدة، وتكسر جميع القيود التي تجعل منه عبدا للعادات والتقاليد والأعراف الماضية، كما ان الحضارة تزوده بإنجازات العلم والتكنولوجيا التي تتيح له حرية اكبر في التعبيرعن ذاته، في نفس الوقت تجد المرأة نفسها مكبلة بقيود الماضي وعادات وتقاليد الما قبل، بحيث تبدوالسمات العامة للمدن الخليجية الحديثة، نقيضا صارخا لما يجري في القاع من ممارسات وسلوكيات، تجعل من المرأة فريسة لأفكارها المتخلفة ورؤاها التي تجاوزها الزمن، في معظم بقاع الأرض.
في رواية «لم يستدل عليه الصادرة عن دار العين للنشر 2011» للروائية الكويتية ميس خالد العثمان، تكمن تساؤلات الانثى وانثيالات ذاتها المعذبة من أخص الناس الذين يحيطون بها لتواجه عالم اللامعقول الذي تدشنه حياة تستقي احداثها من الواقع التسجيلي المعيش، بحيث تبدوالأحداث المكثفة والحكايات المقتضبة التي تضمها هذه الرواية، وكأنها عوالم خيالية فنتازية لا علاقة لها بالحياة المعاصرة في واقع المدينة الحديثة بداية الألفية الثالثة.

ساردان خارجيان
هذه الرواية تقع بين عنوانين، يسردهما ساردان خارجيان، أولهما يتصدر الرواية ويسرد خبرا مقتضبا لوفاة ضابط من وزارة الداخلية (وقد تعرض لطلق ناري في رأسه، وترجح التحريات وفاته منتحراً) والثاني تقرير استشاري الطب النفسي بجامعة الكويت د.حميدة رأفت بعنوان حميدة تحكي (اجتماع اللجنة الطبية- تقرير أولي) الذي، يرد في نهاية الرواية يروي بشكل مكثف الحالة النفسية والعصبية للمريضة (هند) التي (أتعبتها مفاجآت الحياة التي لامست خد طفولتها منذ فتحت قلبها للدنيا ص89) في حين تروى فصول الرواية الأخرى بلسان الشخصية الرئيسية في الرواية (هند)، ومن خلال وجهة نظرها تحت شعار مستل من داخل الرواية ينص على أن (الحياة لا تعاش إلا إذا كانت جنونا) في إشارة واضحة لعالم الرواية الداخلي. في حين يشير الإهداء: إلى (أبي) إذ علمني الكثير/ الجميل دون أن يقصد ربما)، إلى إشكالية وجود الأب في مجتمع الرواية ودوره في هذا الجنون الذي تتطلبه الحياة حتى يمكن أن تعاش!!.
وإذا تتبعنا فصول هذه الرواية القصيرة، سنرى أن مؤلفتها قد وضعت فصولها على شكل عناوين ذات دلالات: حريق لم يحسم بعد مؤرخ في صيف 1998 وهوعلى شكل خطاب موجه إليه بضمير المخاطب تسرد فيه تصميمهما على أن (نهاجر عودة بأرواحنا نحو السماء محتفين بالانتهاء والابتداء....ص14) في إشارة واضحة إلى تصميمها وحبيبها عزيز على الانتحار في يوم واحد وفي نفس الساعة وكان ذلك في (آب 1998 كان القرار/ الخلاص)، وهو إشارة واضحة أيضا إلى بداية الرواية المعنون (مقتل ضابط في سيارته) في حين يسرد الفصل المعنون (على باب الله...إلا قليلا) فشل البطلة / الساردة في تحقيق القرار/ الخلاص بالانتحار لتبدأ حياتها في العنبر رقم 1 (اضطرابات ما بعد الصدمة) ولتنقل بعد سنة ونصف السنة إلى عنبر 2 للسيدات (بعد أن آذت نفسها بالخوض في المزيد من الأسئلة الكبيرة ص91) حسب تقرير استشاري الطب النفسي د. حميدة رأفت التي أشرفت على علاجها.

أسئلة الوجود
تستثمر الروائية ميس خالد العثمان تقنية الجنون لتضع على لسان بطلتها الساردة الرئيسة فيها (هند) أسئلة الأنثى، وهي تعيش اغترابها في عالم رجولي قاس، يضعها خلف بوابات موصدة ويجعل (أيامنا باردة ككفن جديد...أيام لم تستخدم بعد) وخلال ذلك تتكشف أمامنا حياة الأنثى تعصف بها أهواء الرجال وتضيق عليها عالمها بالشكل الذي يجعله محكوما بوحدة قاتلة مسورة بالممنوعات، حتى يبدو الانتحار حلا معقولا لإنهاء هذه الحياة الشائكة.
وفي هذا العالم الذي يمثل نموذجا مصغرا لحياة الأنثى، وهي تعيش عالم الجنون، تتحرى هند ما يحيط بها من نساء اجبرن على الدخول إلى المستشفى الخاص بالأمراض النفسية لكنها، إذ تصل الى بعضهن تسرد بشكل مقتضب حياة هؤلاء النساء المعذبات في السجن الأبدي (مستشفى الأمراض العقلية).
(عادلة) التي برعت بالحديث (عن زوجها الذي سرق أموالها وطار مثل (دوري) صغير مزهوا بفعلته، وحين اشتكته للدنيا، أوهم العالم بأنها بلا عقل ص39) ولم يبق لها (هي الأنثى الحقيقية) سوى صوت عال يردد: (يا رب...رحمتك). وسوسن التي تردد سؤالا دائما: (أنت... مسلمة؟) و(تستغرق وقتها في البحث الدائم عن ذريعة لأجل فرض رأي إيماني حولك، عيناها غائرتان في المحجرين..تشبهان الغور السحيق، أفكر فيهما، في هاتين الكفين اللتين لا تتركان (المصحف) ولا يهدأ لسانها عن السؤال الإيماني الأبرز (أنت....مسلمة؟؟) أما (عايدة) فشعارها (لماذا لا يتوقف الناس عن طرح الأسئلة؟؟ ص52) وحين تتنامى (وتيرة الأسئلة الموجهة إليها كعلاج حديث، يرهقها معالجها فتطرده، وتصفع بابها خلفه بعد أن تنفيه لزاوية من غرفتها (...) وكأن، حديثه تتمة لحديث لم يكتمل منذ 10 صفعات/ سنوات، كلها تركت ما يشبه الظل على خديها بلا معنى سوى التساؤل المرير ص52) في حين يكون شعار تماضر الدائم (لا أريد...أحدا! ص81) ومن اجل أن تديم تصميمها هذا هربت من الجميع (أفرغت حقيبتها... ونامت بداخلها ص 78) فكان عقاب الإدارة على تصرفها (بلا إنسانية، حلقوا شعرها عقابا على ممارسة الغياب.. وإرباكهم ص81). وفي هذا الجو الكئيب والكابوسي تعمد هند إلى كسر رتابة هذا السكون الدائم في بداية سنة جديدة (جعلتني أفكر/ ابتكر احتفالنا الخاص، أن تعد كل منا قائمتها ألـ 100 الممتلئة بالأمنيات التي ترغب في تحققها قبل أن تغادر هذا العالم! ص59). وكانت أولى الإجابات لعادلة: (أريد أن اطيَر طائرة ورقية ص60) كرغبة متغلغلة في عمق الذات بالعودة إلى عالم الطفولة، عالم الحرية البعيد عن قيود حاضر الأنثى المقيت فيما بقيت نادية مبتسمة بيأس مهمهمة: (لا أتمنى شيئا). اما بقية الاماني، فقد توزعت على: (اغيَر تسريحة شعري، اخلع الحجاب، أسافر إلى قرية بعيدة أرعى أغناما بيضاء، ازرع شتلات صغيرة جدا وأراقبها وهي تنمو....ص61).

صورة الرجل
يبدو الرجل في الرواية غائبا عن الأحداث، فليس هناك شخصية رجولية تتحدث أوتتحرك ضمن هذا العالم، إلا من خلال وجهة نظر الأنثى، فالأب في الرواية يتجسد عبر ذاكرة هند متجبراً إزاء عالم أمها الرقيقة الجميلة صاحبة الجديلة الشقراء التي يغضب الأب من رؤيتها حتى في بيته وضمن عالم عائلته الصغير فارضا على الأم تغطية رأسها، ويكرر عليها يوميا عبارة (غطي شعرك) ليعمد بعد ذلك إلى حرق أمها. تقول هند عن هذا المنظر المفزع (إنما أتذكر جيدا، جديلة ماما وهي تحترق، تلك الجديلة التي امسك بها / بطرفها الناعم حين يداعب جفني النعاس، امسكها / اقبض عليها وكأنني امتلك طمأنينة كون من الأمهات ص29). ومن خلال ذاكرة هند المتعبة نلاحظ أن صورة الأب في الرواية هي صورة مناقضة تماما لصورة الأب في مدرسة التحليل النفسي الفرويدية، بما يسمى بعقدة اوديب وعقدة الكترا، التي استقاها فرويد من مسرحية اوديب ملكا للشاعر اليوناني سفوكليس ومن حالات متناثرة في الحياة الاوربية التي عاصرها، وتقرر هذه النظرية: أن الفتاة تميل إلى أبيها جنسياً وأن الفتى يميل إلى أمه بنفس هذا المعنى، وقد حفلت مئات الروايات والمسرحيات الأوربية والعربية بصورة الأب والأم على وفق هذه النظرية، غير أن الروائية ميس خالد العثمان وروائيات خليجيات يضعن هذه النظرية موضع تساؤل وشك، حين يرسمن صورة غارقة في السواد لشخصية الأب في الرواية النسوية، ويتأكد ذلك من خلال وجهة نظر بطلة الرواية إلى الرجل عموما والى صورة الأب بشكل خاص حين تصفه بأبشع الصور: ابحث في معجمي عن كل لعنات الله لأهيلها على رأسك يا أبي.. ص29) (كنت قاسيا / مؤلما/ شديدا ومريعا.. ص30). وبنفس هذا تبدو صورة عمها (مشاري) الذي يتصف بعنوان الرواية (لم يستدل عليه..إذ ترك عمي (البلاد وعاره) وغادر خلاصاً..ص27).
وتفسر الكاتبة عبارة (لم يستدل عليه) في الهامش: (في الكويت يمنع القانون السماح بخروج أية مريضة من مستشفى الطب النفسي دون موافقة ولي أمرها وتسلمها بشكل شخصي ) الأمر الذي يكرس وجوداً أبدياً للبطلة في مستشفى الطب النفسي، كناية عن الوضع العام الذي تعيشه الأنثى في الواقع المعيش، في الحجر الصحي الدائم، دون أمل بحياة جديدة.

الخط المائل
خارج هذا القبر المتسع، الذي يروم التهام الجسد، تعمد الذاكرة إلى استحضار حياة أخرى، كانت بمثابة الأمل المرتجى، الأمل الضائع وسط خواء الحياة وجنونها، في صفحات عديدة من الرواية، وتحت عناوين مختلفة في الرواية، في تلك الصفحات تتضح صورة الحبيب في حوار ذاتي، لا تنفصل فيه شخصية الأنثى عن حبيبها، فهو حاضر في روحها مجسدا بالكاف ضميراً للمخاطب الذي يصبح جزءا من الذات، أو باستثمار ضمير الأنا الجمعي لنفس الغرض (ما أكثر حضورك في مناماتي، حين تجيئني جاثيا على ركبتيك لتصلي صلاة الغائب متأملا قمرا اصفر منفرا..ص12 ).
واستثمار ضمير المخاطب وضمير الأنا الجمعي يمثل هنا تقنية خاصة، تمحو فوارق الذات وخصوصيتها، وتجعل الرجل (عزيز) ذاتاً متعالية إزاء واقع الرجل المتجبر في المجتمع ألذكوري، حين تتعامل مع حضوره في ذاكرتها تعاملا شعرياً، خارج سياقات السرد التقليدية التي تسرد فيها حكايات النساء الشبيهات بها أوالسيرة المقتضبة لرجال الرواية، ويتضح ذلك في تشكيل فضاء الجملة الخاصة بهذا المعنى حين تستخدم الخط المائل الذي يدشن سعة العبارة، من خلال ترادفات اللغة أو تضاداتها: (تجاوزت فضلي وما سألتك، أو ربما فعلت- غير أني تعلمت أن اهرس بين السبابة والإبهام كل شك/ خشية يتسربان عبر قلبي/ نافذتي فيلوثان علاقتي بالله والعالم و..ص20)
(كنت عزيزاً آخر لا تشبه نفسك. لا تشبه حبي/ اختياري. كنت تعيد تركيب/ نحت ملامحك من جديد، فأحاول مجاراتك كفتاة يافعة نحورجل أحلامها.. ص13).
إن استثمار الخط المائل في الرواية، يستخدم هنا للتعبير عن أعماق الذات، في تجلياتها المختلفة: الفرح مع الماضي القصير الذي عاشته مع الحبيب الغائب، أو للتعبير عن حالات الغضب العارم إزاء من يريدون تخريب حياتها (الأب بشكل خاص) حين يبلغ الانفعال أقصاه ولا تستطيع كبته أوتصريفه بالطرق الاعتيادية، فتلجأ إلى هذه التقنية التي تلخص معاناتها بكلمات متداخلة مع بعضها تحمل كل تلك المعاناة، وبسبب آخر أيضا، كونها غير قادرة عن البوح التفصيلي لمعاناتها وغضبها (يا أبي لأنك بجنونك/ أعصابك/ انهيارك وغضبك وشكك حولتني من طفلة دافئة في حضن والدتها.. إلى يتيمة تكبر قبل الأوان ص29).
ونلاحظ أن هذه الثنائية التي ينظمها الخط المائل، تتوافر على قدرة صوتية يتحكم فيها السجع، بتكرار الحرف الدال على الضمير بشكل متناوب بين الكاف والضمير (نا) الجمعية وبالشكل الذي يولد إيقاعات تأخذ مداها في الرواية، لكثرة تكرار هذه التقنية في الرواية تعويضا عن السرد التتابعي في سرد الحكاية الأساسية في الرواية، كي تكون ملائمة لتقنية (الجنون) الذي أصبح هو الحالة القارة في الرواية مجسدا بالمكان الروائي (مستشفى الأمراض النفسية)، وقد استطاعت الروائية ميس خالد العثمان، ان تلغي التتابع الزمني الذي يفترض في سرد الحكاية التقليدية، لصالح التزامن، الذي يوقف حركة الزمن، أويعيد حركته بالاتجاه الذي، يكرس رؤية الساردة، فالزمن هنا ذاتي الحركة، ليس له علاقة بالخارج سوى ما تنجزه عينا الساردة حين تتطلع إلى الخارج لكنه بمعظمه صيرورة نفسية، مرنة يتداخل فيها الماضي البعيد والحاضر، ومستقبل الشخصية الروائية في آن: (لم تكن سوى كابوس اسود تجثم على ساعات حياتنا البسيطة التي تلهينا عنك، أمي وأنا، لكنك كنت تأبى أن تتركنا بلهونا/ هروبنا الجليل الممزوج بالفرحة/ الرهبة في آن، حين علينا كليل بهيم تغيَب/ تضيع فكرة اللعبة العجيبة التي تبرع ماما في اختراعها لي كل يوم..ص49).
إن هذا الاستبدال في حركة الزمن، هو إنجاز حداثي في الرواية العالمية والعربية منذ زمن بعيد، لكنه هنا يكتسب خصوصيته، بالعلاقة مع تقنية الجنون التي تفترض عدم القدرة على السرد التتابعي، وتنظيم الأحداث بشكل منطقي، وبهذا الاستبدال الدال، استثمرت الروائية الإيحاء بدلا من التصريح، وهومن آليات تحقق القصيدة، فأصبحت الرواية، مكثفة مكتنزة، بكل تلك العذابات التي تعيش الأنثى ضمن إطارها، دون الإخلال بالإطار العام للرواية.
إن رواية (لم يستدل عليه) إنجاز شكلي يتميز بثراء عالمه المكثف ودلالاته الكبيرة في الانتصار للحياة ضد التحجر والخوف من التقدم الذي يرفد حرية الإنسان، ويجعل حياة الناس أكثر أمناً وسعادة وتحررا من كل القيود والعادات السقيمة البالية.