الملحق الثقافي

المستَغْلِق الأزليّ..

عماد جانبيه

فلسفة العقل كتاب صادر عن دار الفارابي للمؤلف د. صلاح فليفل الجابري - الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة. يوضح أن الحل العلمي المقدم والمستند إلى المعطيات العلمية، وفحص ما إذا كان يشكل في حقيقته إجابة حاسمة عن طبيعة العملية العقلية المنتجة للفكر، وما إذا كان يقدم تصوراً واقعياً عن طبيعة الإنسان، وأوضح أن الحل الذي يؤمن بأن الإنسان لديه عقل جوهري يعلو على الطبيعة ويتفاعل معها في الوقت نفسه، لا يستند إلى التأمل العقلي فحسب، وإنما يستند، كالحل المادي، إلى معطيات علوم مختلفة، فهما متكاملان وليس بمتناقضتين بالضرورة. وهذه هي دلالة دعم المعطيات العلمية لكلا الحلّين من زوايا مختلفة.
الحل العلمي شهدته الفلسفة الإسلامية المتأخرة، على يد صدر الدين الشيرازي، في نظرية «الحركة الجوهرية»، بحسب قول المؤلف، وهذه النظرية قدمت تصوراً عن وجود النفس وكيفية تطورها انسجم مع معطيات العلم الحديث، حيث تصور الشيرازي بأن النفس مادية الحدوث، أي أنها في بداية وجودها في الجسم، تتخذ خصائص المادة، ولكنها تتطور عبر حركة جوهرية تنقلها نوعياً من التصاقها بخصائص المادة في مرحلة الطفولة إلى تجردها واتصافها بالخصائص العقلية والروحية المفارقة للمادة، وهو بذلك فتح باب فهم العلاقة المترابطة والتفاعلية بين البعدين المادي والروحي أو الدماغي والعقلي، وأن أحدهما يساهم في تطور الآخر. نظرية تفسر لنا شدة ترابط العملية العقلية بالعمليات الدماغية، التي قد توهم بأن العقل منبثق نوعياً عن الدماغ، كما تفسر التفاوت في القدرة العقلية بين الحيوانات ذات الجهاز العصبي البسيط والكائنات ذات الدماغ الأكثر تعقيداً، ذلك أن التفاعل متبادل والتطور متبادل أيضاً، إذن نحن نتوافر على فهم دقيق لطبيعة الإنسان لا يحصره في بعده المادي ولا في بعده الروحي فقط، وإنما يجعل شخصية الإنسان الفكرية والروحية حاصل حركة جوهرية للمادة، أي هناك حركة للمادة صانعة للجواهر وليس للأعراض فحسب.

عقائد البدائيين
يعتقد العلماء أنه من الممكن تحديد مفهوم العقل لدى الإنسان البدائي، عن طريق معرفة عقائد البدائيين المعاصرين، مثل، سكان أستراليا الأصليين، والهنود الأمازونيين، وقبائل الأسكيمو «وهم أناس معاصرون ولكن حياتهم ذات طراز بدائي منشأً وسلوكاً»، إذ يؤمن هؤلاء بأرواح البشر والحيوانات، وأن هذه الأرواح تسكن الأجسام في الحياة وتغادرها نحو اللاجسمية بعد الموت.
والحقيقة أن هذا الاعتقاد ليس مقصوراً على هؤلاء الأقوام والقبائل، بل يشاركهم في هذا الاعتقاد معظم سكان الكرة الأرضية منذ العصور الغابرة وحتى عصرنا الراهن، إذ رسخت جميع الأديان هذا الاعتقاد وبنت عليه أسسها، أما الرجوع إلى موقف الإنسان البدائي فلا يتعدى أحد الهدفين الآتيين:
الأول من هذا التأصيل هو إثبات الجذور الإنسانية الأولى لهذا الاعتقاد الذي رافق البشرية منذ نشوئها وحتى العصر الراهن، مما يدفعنا إلى القول إنه اعتقاد فطري يعبر عن جوهر الإنسانية.
والثاني هو أن يرام من ذلك التأصيل إثبات فرضية كون هذا الاعتقاد يعبر عن طفولة الإنسانية وبدائية عقليتها، وبالتالي فهو يعبر عن مرحلة القصور الذهني وخرافية الفكر ما قبل العلمي.
ويأخذ المؤلف د. صلاح فليفل الجابري بالمقصد الأول لأسباب عديدة، أهمها: أن هذا الاعتقاد ما زال قائماً، ولم يستطع العلم أن يشكل بديلاً معقولاً عنه، ولم يختف عند أكثر المجتمعات تقدماً من الناحية العلمية، فضلاً عن أن النظريات المادية بشأنه لم تكن حاسمة، أو على الأقل، لم تكن متفوقة على النظريات الثنائية. من دون إغفال أن المسألة ما زالت جدلية ولم تبلغ مرحلة الحسم «العلمي والفلسفي على حد سواء» بدليل أنها لا تزال محل نقاشات علمية وفلسفية في عصر التقانة والمعلوماتية.

الخلود
يحتل الخلود فصلاً مستقلاً في هذه الدراسة، ويورد المؤلف أن هذا يستند، إلى القضية الاستنتاجية الآتية: إذا كان الوعي ليس محبوساً في صندوق الجسد، وأنه يمارس تأثيراً فعالاً في العالم الخارجي، على الرغم من عوائق الجسد، وأن هويته لا تتحدد من خلال الجسد فحسب، وإنما من خلال العالم ككل، فالذي يستتبع ذلك أنه من الممكن تصور احتفاظ الوعي بهويته مع العالم على الرغم من انفصاله عن جسده الخاص، وأن ظواهر الإدراك فوق الحسي هي مظاهر لإمكانية احتفاظ الوعي بقدرته على الإدراك من دون حاجة إلى الجسد. ففي مستويات أخرى من الواقع، تنتفي الحاجة إلى الحواس. هذا التصور غير تقليدي، وغير مستنبط من رؤية دينية، على الرغم من أنه قد يخفف من هموم الإنسان بالخلود الجسدي عن طريق برمجة الجينات، ولا يستدعي معالجة اضمحلال الخلايا الحية بطريقة معاكسة لسير الطبيعة، وربما يحتاج إلى تحسين العلاقة بالبيئة باعتبار الوعي يشكل مع البيئة الخارجية منظومة تكاملية.
يذكر الجابري أن أي دراسة حديثة لمشكلة تحديد العلاقة بين العقل والدماغ، وفهم النشاطات العقلية للإنسان، يجب أن تأخذ بنظر الاعتبار التطورات الهائلة التي حصلت في علوم الدماغ خلال القرن العشرين.
إن المظاهر الجديدة للعقل تبدو مقترنة بتغيرات تركيب أو عمل الدماغ. فقد وجد العلماء، من خلال تطور الأنواع الحية، أن هناك ارتباطاً هائلاً بين التعقيد السلوكي ومستوى تنظيم الجهاز العصبي. فالتطور العقلي للطفل يبدو مرتبطاً بالتغيرات الوظيفية والبناء الكتلوي للدماغ المتطور. وكذلك الأمر بالنسبة للبالغين، فقد ألفنا عنهم حقائق عديدة، مثل التغيرات الفيزيائية اليومية للوعي، وتأثيرات الصدمة الدماغية الخفيفة، الحادثة بسبب الإعياء والكحول أو مواد أخرى، والضربات على الرأس، وغيرها مما يؤكد ارتباط العقل بالدماغ. ولكن ماذا عن التفصيلات في العقود الحديثة المتحررة من التحريمات السلوكية الصارمة للعهد السابق، لا سيما بعد أن كشف علماء الأعصاب، بجهود حثيثة، النقاب عن الصندوق الأسود «دماغ الإنسان»، باستخدام أنواع متطورة من الطرق الإكلينيكية والعقاقيرية والجراحية والإلكتروفسيولوجية والسلوكية، لمعرفة آليته. كان العلماء والفلاسفة، في القرن التاسع عشر، ينظرون إلى الدماغ بوصفه أداة للعقل فحسب. أما اليوم، فإن العلماء يعرفون حقائق عديدة عنه رغم أنهم يؤكدون بأن هذه المعرفة ما زالت أولية مقارنة بالتعقيد الهائل الذي يمثله الدماغ البشري. فهم يعرفون القليل عن تركيب الأعصاب وعملها، ويعرفون بعض الأشياء عن التنظيم البنائي الأساسي للدماغ، ولديهم مقدار أكبر من المعرفة حول التنظيم الوظيفي للدماغ. وتسهم تلك العناصر المختلفة لبنية الدماغ في خلق المحتوى الكلي لوعي الإنسان، وتنظيم سلوكه.

الإدراك المسبق
إن الإدراك المسبق، سواء كان تخاطرياً أو استشفافياً، يبدو أنه يتعارض، للوهلة الأولى، مع الفرع الأول من مبدأ السببية الذي يقرر أن الحدث لا يمكن أن يكون له أي تأثير قبل وقوعه بالفعل. في حين ينطوي الإدراك المسبق على معنى معرفة الحدث قبل وقوعه. إذ يبدو أن حصول الإدراك المسبق مشروط، إلى حد ما، بحدث لن يقع إلا بعد حصوله «أي الإدراك»، على سبيل المثال: إن عمل الوسيط، في تجارب سوال، في كتابة الحرف الأول من اسم حيوان معين، يبدو، في حالات عديدة، مشروطاً إلى حد ما، بواقع أن المرسل سينظر، بعد دقائق قليلة، إلى البطاقة المرسوم عليها الحيوان. وينطوي هذا الأمر على إخلال بالتتابع الزمني للسبب والنتيجة، فالنتيجة «الإدراك» سوف تسبق سببها «الموضوع أو الحدث». يقول المؤلف: يجب أن لا نعد التنبؤ بالحدث مثالاً لمعرفة خارقة، ما لم نكن أنفسنا مقتنعين بأن نجاح الوسيط لا يمكن أن يفسر سواء باستدلالاته الخاصة أو بمعرفته لاستدلالات صاغها الآخرون، أو بتوقعات استدلالية مبنية على تداعيات متشكلة في ذهنه عن طريق خبرات متكررة لتتابع في الماضي. وبالنسبة إلى تجارب الدكتور سوال والأستاذ راين، فإن كل تلك الأنواع من التفسيرات مستبعدة عن طريق تصميم التجريب. وفي بعض الحالات الجيدة من الإدراك المسبق المتفرق يبدو أنها تؤكد عملياً أنه لا يمكن إعطاؤها تلك التفسيرات.
ويبدو أن الإشكالية تكمن في أن إثبات الإدراك المسبق الخارق يفرض تغييراً جذرياً في مفهومنا عن الزمن، ومن المحتمل أنه تغيير مرتبط به في مفهومنا عن السببية. ولا يعتقد برود أن التعديلات التي قدمتها النظرية النسبية إلى فكرتي الزمان والمكان الفيزيائيين ملائمة في هذا الجانب، سوى أنها، وبمعنى عام جداً، حررت عقولنا من النظرة الضيقة وفتحت المجال واسعاً لتصور إمكانات هائلة في هذا الصدد. فإذا فرضنا أن شخصاً ما حصل له إدراك مسبق خارق لخبرة ما ستحصل له لاحقاً، فإن النظرية النسبية لا تخبرنا أي شيء حول موقع وتاريخ الأحداث الفيزيائية بواسطة قضبان قياس وساعات مألوفة، أو عن طريق إشارات ضوئية يمكن أن تفيدنا مباشرة في جعل هذه الحقيقة معقولة.
على كل حال، يقول المؤلف، ما دامت المعلومات يتم تسلمها، في التخاطر، بعد إرسالها من المصدر «المرسل»، أو في وقت إرسالها نفسه، فهو لا يتعارض مع الفرع الأول من مبدأ السببية العامة. وهذا ما يبعده عن التناقض المنطقي. ولا يتعارض التخاطر، أيضاً مع الفرع الثالث من المبدأ الرابع الذي يقرر حدود طرق اكتساب المعرفة، طالما لم يحصل على تفسير ثابت يقر كيفية معينة ويستبعد الأخرى.