الملحق الثقافي

شهادة للتاريخ...

الطيب بشير

عبد الله عبعاب ضابط سابق في الجيش التونسي. آمن منذ شبابه الباكر، كما يقول، بالقضية الفلسطينية والقضية الوطنية التونسية. كان يتطلع منذ مدّة بعيدة إلى كتابة مذكراته ليقدم فيها خلاصة عمر، ويسرد بعض الحقائق التي يعرفها، ويميط اللثام عن بعض الخفايا التي عايشها، وهو ما تحقق له أخيراً بصدور كتابه «شهادة للتاريخ». وهو يجزم بأن قراره بكتابة مذكراته ونشرها جاء لأغراض عديدة من بينها توفير مادة للمؤرخين والباحثين وعموم الأكاديميين.
في مذكراته يتحدث عبعاب عن أصداء حرب فلسطين في تونس، مؤكداً أنّ قضية فلسطين شكلت في نهاية عام 1947 ومطلع عام 1948 الشغل الشاغل للشعب التونسي قاطبة. ولقد اعتبر الوضع في فلسطين خلال الفترة الواقعة بين الإعلان عن قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947 واندلاع الحرب العربية الاسرائيلية الأولى في مايو 1948 القضية الأم التي شدت انتباه التونسيين بمختلف شرائحهم وانتماءاتهم السياسية والأيديولوجية والعشائرية.
والكاتب - بوصفه شاهد عيان - يقول متذكراً أحداثاً عاصرها أن البلاد التونسية عاشت حالة من الاستنفار والتعبئة لم يسبق لها مثيل، وترجمت على الأرض في الاجتماعات الحاشدة في الجوامع ومقرات الجمعيات، حيث ألقى الخطباء خطبا شرحوا فيها حقيقة الأوضاع في فلسطين وحثوا الناس على التبرع بالمال والالتحاق بجبهات القتال.
ويشير في احد فصول مذكراته إلى متابعة التونسيين في تلك الفترة أخبار التحليلات السياسية الخاصة بالقضية الفلسطينية بواسطة الصحف والإذاعات بشكل غير مسبوق.

هبّة شعبية
ويقدم عبد الله عبعاب وصفاً دقيقاً لهبة الشباب التونسي إلى الجهاد في فلسطين بعد إعلان الجامعة العربية عن فتح مراكز لتدريب المتطوعين القادمين من كافة الأقطار لمشاركة الشعب الفلسطيني في الدفاع عن أرضه وحريّته، وتأسّست في تونس هيئات وجمعيّات لمناصرة الشعب الفلسطيني ومن أهمها «جمعية الدفاع عن فلسطين» التي أعلن عن تأسيسها في 18 أغسطس 1947. كما تأسست «لجنة إغاثة فلسطين الشهيدة» برئاسة أحمد بن ميلاد. وأسست جمعية الشبان المسلمين فرع المؤتمر الإسلامي بتونس لحماية القدس الشريف.
وقامت هذه الجمعيات بنشاط دعائي واستنهاضي بالغ الأهمية من خلال عقد اللقاءات والاجتماعات ومنها، على سبيل المثال، الاجتماع الذي نظمته لجنة الدفاع عن فلسطين العربية في «جامع الزيتونة» في 5 ديسمبر 1947 وحضره أكثر من 6000 شخص. وكان مشايخ وأساتذة جامع الزيتونة وعدد من الفاعلين السياسيين المنتمين لأهم الأحزاب قد نظموا قبل يوم من ذلك أي في 4 ديسمبر تجمعاً شعبياً ضخماً في «جامع «صاحب الطابع» حضره ما يزيد على 3000 شخص وخطب فيه كل من العلامة الفاضل بن عاشور والمشايخ الشاذلي بالقاضي والشاذلي النيفر والحبيب شلبي. وندد الفاضل بن عاشور خلال كلمته بموقف فرنسا التي صوتت لصالح قرار التقسيم.
تعددت أشكال المساندة الشعبية في تونس للقضية الفلسطينية بدءا بالإضرابات والمظاهرات ومقاطعة متاجر اليهود ومؤسساتهم ومرورا بجمع التبرعات والإعانات المالية وانتهاء بالتطوع للقتال في مختلف جبهات المواجهة. ومن أهم الإضرابات التي عرفتها البلاد آنذاك إقفال المحلات التجارية في العاصمة التونسية في نهاية نوفمبر 1947، وإضراب طلبة «جامع الزيتونة» من 12 أكتوبر إلى 15 ديسمبر 1947. كما شهدت العاصمة مظاهرة كبيرة يوم 3 ديسمبر 1947.
أما عملية مقاطعة المصالح الحيوية لليهود، فقد عرفتها مختلف أنحاء البلاد التونسية تقريباً، وشملت المتاجر وقاعات السينما وغيرها من المؤسسات اليهودية. من جهة أخرى اتسمت عملية جمع التبرعات لفائدة الفلسطينيين بالتلقائية والحماسة الشديدة، وذلك رغم تردي الظروف المادية لفئات عريضة من السكان. وعمدت سلطة الحماية الفرنسية في تونس إلى إيقاف بعض المشرفين على عمليات جمع الأموال مثل الصادق بسيس.
أما أرقى شكل من أشكال تضامن التونسيين مع إخوانهم في فلسطين- وفق ما جاء في الكتاب - فقد تجلى بوضوح في التطوع القتالي وقد شملت ظاهرة التطوع كل فئات المجتمع التونسي وخاصة عموم الناس من الطبقات الشعبية. وقد أمكن للمؤلف أن يلاحظ ذلك من خلال معاينته لتدفق المتطوعين التونسيين من موقع عمله بمركز «سيدي التوي» الحدودي مع ليبيا. وكشف المؤلف أن الأوامر الصادرة إلى السلطة العسكرية الفرنسية بالجنوب التونسي في مختلف الدوائر والفروع إذّاك كانت واضحة وتتمثل في منع كل مظاهر التضامن مع الشعب الفلسطيني من مظاهرات وتحركات شعبية بدعوى أنها أعمال تحريضية هدفها خلق الفوضى والقلاقل لدى السكان، وكذلك منع المتطوعين المتجهين إلى فلسطين والذين كانوا يتقاطرون على المنطقة الحدودية الجنوبية الشرقية، من التسلل إلى القطر الليبي. وكان المتطوعون ينتمون إلى كل جهات البلاد تقريبا. والملاحظة التي جاءت في الكتاب أن جلّ أولئك المتطوعين لم يكن لديهم حدّ أدنى من التكوين العسكري والدراية القتالية، هذا فضلاً عن صغر سنّ الأغلبية الساحقة منهم.
ولم تكن مجموعات المهاجرين خلسة من سلطات الاستعمار الفرنسي على معرفة بالمنطقة الحدودية مع ليبيا، وكانت تنقصها الدراية بمساربها ودروبها ومسالكها وهو ما جعل العشرات منهم يتيهون فيها. وكان مصير العشرات منهم الهلاك جراء العطش أو التعب أو الاثنين معا. وقال المؤلف أنه رأى بعينيه جثثاً لشبان متطوعين متناثرة على مقربة من الحدود ماتوا عطشاً.

إلى فلسطين
في مطلع يونيو 1948 قرر المؤلف نفسه السفر إلى فلسطي، مؤكداً أن الرغبة في الانضمام إلى المجاهدين في فلسطين قد ملكت عليه قياد نفسه خاصة بعد اندلاع الحرب هناك في مايو 1948.
ويتذكر المؤلف ليلة سفره قائلاً: «... أنبأت زوجتي أنني سأخرج باكراً في الصباح في رحلة صيد. كانت هذه عادتي في كل مرة أخرج فيها للصيد مع بعض رفاقي وخاصة ابن عمي. كانت لحظة وداع زوجتي وابني من أقسى اللحظات في حياتي وأصعبها على الإطلاق. مرت بي لحظة رهيبة وأنا أتأهب لمغادرة منزلي. وانثالت علي في تلك اللحظة صور وأفكار وهواجس شتّى: مغادرة أسرتي الصغيرة ووطني نهائيّا. أبنائي وزوجتي الذين سينتظرون عودتي في المساء. كانت الرغبة في خوض غمار الجهاد ومقاسمة المجاهدين في فلسطين شرف خوض المعركة المقدّسة أقوى من بقيّة الأحاسيس وأشدها. وكما سبق لي أن قلت فقد ملأ علي حب الجهاد كياني بصورة يصعب تصديقها».

أيام اللجان
في سياق الحديث عن رحلته للجهاد في فلسطين، سرد المؤلف معلومات تاريخية عن القضية الفلسطينية، مذكراً بأن بريطانيا عرضت قضية فلسطين على الأمم المتحدة في دورة خاصة في 28 أبريل 1947، وتشكلت لجنة التحقيق الدولية وقضت اللجنة أياماً في فلسطين اجتمعت خلالها بالمشرفين على عدد من الهيئات الفلسطينية، فضلاً عن زعماء العصابات الصهيونية. وقدم العرب مذكرة اشتملت على جملة من الحقوق السياسية والتاريخية لعرب فلسطين وإصرارهم على نيل الحرية والاستقلال. أما الصهاينة فقد لجأوا إلى العنف والإرهاب أثناء وجود اللجنة الدولية في مسعى منهم لإظهار قوة الحركة الصهيونية من ناحية، وإظهار الانتداب البريطاني بمظهر الضعف من ناحية أخرى.
وقد قدم أعضاء اللجنة توصيات عامة تلخصت في ضرورة إنهاء نظام الانتداب ومنح فلسطين الاستقلال مع بقاء الصفة الدينية للأماكن المقدسة. واضطر ممثلو الدول في الأمم المتحدة ـ تحت الضغط الصهيوني والأميركي ـ إلى الموافقة على قرار التقسيم الذي منح الصهاينة الوجود الرسمي في أرض فلسطين مع الاتحاد الاقتصادي لجميع أراضيها وبقاء القدس وبيت لحم وما جاورهما خارج حدود الدولتين. وأشارت الجمعية إلى تشكيل لجنة دولية لفلسطين تتألف من ممثلي خمس دول لتنفيذ قرار التقسيم.
ويذكر المؤلف القراء بأن القرار المذكور نص على اقتطاع 56% من مجموع مساحة البلاد لإقامة «دولة يهودية» فيما خصصت الأجزاء الأخرى 43% مجموع المساحة لإقامة «دولة عربية» و1% من المساحة الباقية وتشمل القدس وما يحيط بها لتكون «قطاعا دوليا» تتولى إدارته الأمم المتحدة. وكما هو واضح، فإنّ تلك القرارات كانت ترمي إلى تغيير الوضع الدولي لفلسطين بتقسيمها وتفتيتها بشكل يتعارض مع مصالح العرب الفلسطينيين.
رفض العرب والمسلمين قرار التقسيم واعتبروه اعتداء صارخا على حق الشعب العربي في فلسطين. وكان عموم الناس يتابعون تطور الأحداث في ارض فلسطين أولاً بأول. وكان الخطباء في الاجتماعات الحاشدة ينبهون إلى ما انطوى عليه قرار التقسيم من تهديد جدّي للحقوق العربية ويطالبون الحكومات العربية في مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق بالتحرك لنصرة الأشقاء في فلسطين.

الأمير في مصر
وروى المؤلف قصّة نزول الأمير عبدالكريم الخطابي المنفي في جزيرة لا ريينيون (La Réunion) بالقاهرة (مايو 1947). ولأن الكتاب تضمن شذرات من ذكريات المؤلف فقد أورد ما علمه من قصة مرور الأمير عبد القادر الخطابي بمصر والظروف التي أحاطت بالنزول فيها والإقامة فيها لمواصلة نضاله ضد الاستعمار الفرنسي. فقد أعلنت السلطات الفرنسية عزمها نقل الأمير عبد الكريم الخطابي في منفاه بجزيرة لا ريينيون (La Réunion) - وهي مقاطعة من مقاطعات فرنسا ما وراء البحار وتقع في أفريقيا - إلى فرنسا على متن باخرة يونانية، صحبة عائلته، و كان من المتوقع أن تمر الباخرة المذكورة بميناء السويس وترسو فيه. وعلم المناضلون التونسيون المقيمون في مصر ضمن ما كان يعرف بـ«مكتب المغرب العربي» أن الأمير خلال مروره ربما يكون غير خاضع لحراسة شديدة وربما امكن لهم إقناعه بعدم مواصلة رحلته إلى فرنسا وفق ما سطره له الاستعماريون الفرنسيون، وقد وعد الأمير الفرنسيين ألا يغادر الباخرة خلال مروره بمصر. وأكد المؤلف أن التونسيين في مصر علموا من مصدر موثوق به بالخبر فسارعوا للاتصال بالزعيم محمد بن عبود الذي كان يمثل منطقة الريف المغربية في الجامعة العربية وأحاطوه علما بتفاصيل الموضوع. وتمت دراسة إمكانية منح الأمير اللجوء السياسي في مصر إثر اتصالات مكثفة بين الجامعة العربية والقصر الملكي.
وما إن نما إلى علم محمد بن محمود خبر مرور الأمير حتى تمكن بوسائله الخاصة من التعرف إلى تاريخ وصول الباخرة التي تقله إلى ميناء السويس، وهو يوم 30 مايو 1947، وتحول وفد من مكتب المغرب العربي بالقاهرة لتحية الأمير تألف من الحبيب ثامر ومحمد بن عبود ومحافظ قناة السويس. وصعد أعضاء الوفد إلى الباخرة كي يسلموا على الأمير عبد الكريم الخطابي كما عرض عليه محمد بن محمود الإقامة بالقاهرة لدعم الحركة الوطنية وشدّ أزرها. وكرر محافظ الإسكندرية نفس الطلب باسم الملك فاروق ملك مصر والسودان. لكن الأمير- كما جاء في شهادة الكاتب - رفض بكل لطف ولباقة ما عرض عليه وذكر بوعد الشرف الذي قطعه على نفسه للسلطة الفرنسية والقاضي ألا يغادر الباخرة وذلك عملاً بالمثل القائل «المؤمن إذا عاهد وفى ولو مع أعدائه».
وعبثا حاول الوفد إثناء الأمير عن موقفه. كان ذلك خلال الرحلة من ميناء السويس إلى ميناء بورسعيد والتي رافق أعضاء الوفد الأمير خلالها. وفي النهاية، نجح أعضاء الوفد في إلانة عريكة الأمير عبدالكريم الخطابي الذي قبل النزول في ميناء بورسعيد حيث كان محافظ الميناء في استقباله، وكان موفداً من قبل الملك فاروق وزعماء مكتب المغرب العربي يتقدمهم الحبيب بورقيبة وعلال الفاسي وشخصيات من الجامعة العربية وحزب الوفد.
وشكلت إقامة الأمير عبد الكريم الخطابي في القاهرة وإقامته فيها ورئاسته لمكتب المغرب العربي علامة فارقة في نضال شعوب المغرب العربي ضد الاستعمار الفرنسي في المهجر.