الملحق الثقافي

الأزهر.. قلعة الاعتدال الإسلامي

حلمي النمنم

دخل الأزهر حيز النقاش العام طوال هذه السنة من جوانب عدة؛ منها ما يتعلق بمشيخة الأزهر وكيف يتم اختيار الامام الأكبر ومن له حق الاختيار؟، ومنها ما دار حول «مرجعية الأزهر» في عدد من القضايا العامة وبعض التشريعات، وغير ذلك. الدكتور محمد عبدالفضيل القوصي عضو مجمع البحوث الإسلامية أو هيئة كبار العلماء، تعرض بالبحث إلى هذه القضايا في كتابه الجديد «رؤية إسلامية في قضايا العصر».
الأزهر عند الدكتور القوصي ـ وزير الأوقاف المصري السابق ـ يمثل «جامعاً أزهر» بين النص الشرعي والعقل المتبصر، فلا ينبغي إهمال دور العقل في فهم النصوص الشرعية واستنباط دلالاتها وإدراك مقاصدها وغاياتها، كما لا ينبغي ـ في أساسيات العلم الأزهري ـ إهدار قداسة تلك النصوص أو إهمال مقتضياتها وتكاليفها، ولذا، فإن الأزهر لا يرضى أن تفهم النـصوص فهمـاً جامداً ومتحجراً بما يؤدي إلى التمسك بحرفيتها وإهمال دور العقل والتفكير المنهجي بدعوى الالتزام أو الانتساب إلى السلف الصالح، كما لا يقبل الأزهر إهدار قدسية النصوص بدعاوى التجديد أو التنوير، بما يؤدي إلى ترويج أفكار التغريب.
ولعل هذا ما جعل الأزهر ـ برأي العالم الجليل ـ يبقى «جامعاً أزهر» بين رعاية التراث العلمي الإسلامي الرصين وصيانته من التبديد أو الإهمال، والانفتاح السديد على الثقافات الغربية الحديثة والمعاصرة، وهنا يجب أن نتذكر أسماء مثل الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر زمن محمد علي الذي اهتم هو نفسه بالاطلاع على الفكر الغربي وسافر مرات عدة، كما اهتم بإرسال بعض طلاب الأزهر ضمن البعثات التعليمية التي كان يوفدها محمد علي إلى أوروبا، وكان رفاعة الطهطاوي واحداً من هؤلاء.
وفي القرن العشرين، انفتح الأزهر أكثر وأرسل العديد من البعثات إلى الخارج. يلفت النظر هنا، أن معظم مشايخ الأزهر منذ أربعينيات القرن الماضي كانوا ممن نالوا درجاتهم العلمية من الجامعات الأوروبية، خاصة السوربون، بدءاً من الشيخ مصطفى عبد الرازق وحتى الشيخ الحالي الدكتور أحمد الطيب، وباستثناء كل من شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي والشيخ جاد الحقـ الشيخ الأسبق ـ فإنهم جميعاً درسوا بالخارج.
والأزهر ـ كذلك ـ يجمع بين الدأب والاهتمام بوحدة المسلمين عامة ودراسة التنوع والتعدد بينهم، أي التعدد الفقهي والمذهبي، حتى إن الأزهر وهو الجامعة السنية الكبرى، يقوم بتدريس المذهب الجعفري لطلاب الدراسات العليا به، ومن هنا، فإن الدراسة بالأزهر تتسم بالسماحة التي لا تنقلب إلى انفلات ولا تتحول إلى فوضى.
هذه المعاني، جعلت الأزهر حامياً للوسطية الإسلامية كما عبر عنها الإمام أبي حامد الغزالي بالقول: «لا معاداة بين مقتضيات الشرائع وموجبات العقول»، وهذا أيضاً ما جعل المسلمين من أنحاء العالم يهرعون إلى الأزهر بحثاً عن العلم وتمسكاً بالوسطية وبسماحة الإسلام.
ويتوقف العالم الجليل الدكتور القوصي عند مشيخة الأزهر، ويرى أن هذه المشيخة تقوم على التقاء عضوي بين بعدين، هما «مشيخة العلم» و»مشيخة المسلمين»، ولا تتحقق إحداهما من دون الثانية، لذا كان شيخ الأزهر يختار دائماً من بين العلماء الذين حققوا إنجازاً علمياً وتبحروا في العلوم الإسلامية، ويحدد له هذه المكانة العلماء أنفسهم مجتمعين، سواء عبر هيئة كبار العلماء أو مجمع البحوث الإسلامية.. وبهذه الصفة، يصبح شيخ العلم شيخاً للأزهر ومن ثم شيخاً للمسلمين، ولذا فإن مشيخة الأزهر لم تكن يوماً إرثاً ولا تؤخذ غصباً ولا يقفز عليها الطامعون أو الانتهازيون، ولا تسيطر عليها أهواء السياسة، فضلاً عن أولئك الذين يسميهم «أصحاب المطامع ممن يملكون الصوت الجهير، ويجيدون دغدغة العواطف وإثارة الانفعالات».
ويتوقف الكاتب عند دور الأزهر في التقريب بين المذاهب، وهو ما يعد أوضح تعبير عن وسطية الإسلام كما يتبناها الأزهر، والتقريب قام على أركان ثلاثة حسمت الكثير من الأمور، فيما شجر بين المسلمين من فتن وصراعات منذ مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رضي الله عنه) وما حدث بعدها.
الأول: يقوم على وجوب تعظيم الصحابة (رضوان الله عليهم) والحكم القاطع ببعدهم عن التهم وبراءتهم من المطاعن والمثالب التي نسبها الخصوم لبعضهم، تمسكاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي»، وقوله (صلى الله عليه وسلم): «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». الثاني: هو أن نكف أنفسنا وألسنتنا عما شجر بينهم من خلاف أو شجار حيناً وصراع حيناً آخر، استناداً إلى مقولة السلف الصالح: «هذه أحداث أبعد الله تعالى عنها سيوفنا فلا نلوث بها ألسنتنا».
الثالث: هو الحذر والاحتياط أو التشكك في الكثير من المرويات التاريخية في هذا الصدد، حيث حركتها الأهواء وتلاعبت بها المطامع الخاصة، فضلًا عن العصبيات البغيضة التي كانت تطل برأسها بين حين وآخر.
والحذر والتشكك في المرويات، يعني بالضرورة الدراسة العلمية وإعمال المناهج النقدية في كثير من المرويات لتحريرها مما شابها من الأغراض والأهواء، فضلاً عن الترفع وترك بعض الصغائر التي ظهرت مع الصراعات السياسية والحزبية في بعض المواقف.
والحق أن الدكتور القوصي توقف عند هذا الجانب، لأن الحديث عما يمثله الأزهر من وسطية كان مثار انتقاد بعض من يسمون الراديكاليين الإسلاميين أو بعض جماعات العنف، ويرد هو بقوة قائلاً: «لم تكن الوسطية يوماً ما مجرد حاصل جمع ضحل لأطراف متناقضة». ويقول أيضاً أنها لم تكن محاولات عقيمة لاسترضاء هذا الطرف أو ذاك الطرف على حساب الحق والحقيقة.
ما ورد في هذا الكتاب عن الأزهر الجامع والجامعة ليس إلا جانباً منه فقط، والحق أن الكتاب زاخر ومليء بعديد من الفصول والقضايا المهمة، تناولها الدكتور القوصي بأسلوب سلس بسيط، قصد به القارئ العادي وليس المتخصص، فجمع بين العمق والسهولة.