ثقافة

«العربية» ضمير الأمة تتعرض لإهمال أبنائها

حسام محمد (القاهرة)

اللغة العربيّة هي لغة القرآن والركن الأساس في التعلّم والتعليم في البلدان العربية ولغة الحضارة والعلماء، بل إن المسلمين غير العرب يحرصون على تعلم أبجدياتها حتى يسهل عليهم قراءة القرآن، ولكن للأسف الشديد، فإن حال اللغة العربية في مجتمعاتنا لا يسر ورغم الاهتمام الكبير الذي توليه بعض الحكومات لها والكثير من المبادرات الساعية للنهوض بحالها، إلا إننا نفاجأ بالكثير من الأسر ما زالت تصر على تعليم أبنائها اللغات الأجنبية، ويهملون في الوقت ذاته لغة القرآن وهكذا أصبحت اللغة الدارجة في أسواقنا ومنتدياتنا، بل وفي وسائل إعلامنا.

ضمير الأمة

بداية، يقول الدكتور إسماعيل عبدالرحمن أستاذ الفقه بجامعة الأزهر: إن حال لغة القرآن ليس بخير بسبب تعمد إهمالها من جانب أبنائها فاليوم غلبت على ألسنتنا لغة لا علاقة لها بالعربية من قريب أو من بعيد، وأصبح الأهل يفاخرون بإجادة أبنائهم للغات عديدة ليس من بينها العربية، بحيث أصبح الحديث عن الاهتمام الشعبي بلغة الضاد مفقوداً بعد أن ارتبط تعلم اللغات الأجنبية بالحديث عن المستقبل الباهر وإمكانية الفوز بأفضل الوظائف وتحقيق دخل أعلى، وهكذا أصبحت الأسرة لا تسعى للحفاظ على لغتها الأم التي تحافظ على تراثنا الفكري والحضاري والديني، بقدر ما تسعى إلى تعلم أبنائها للغات أخرى وفي الوقت الذي تلاحمت فيه الشعوب من حولنا مع حكوماتهم من أجل الحفاظ على لغاتهم، فإننا نترك الحكومات العربية تبذل الجهد، وننفصل بإرادتنا عن لغتنا الأم.

يضيف د. عبد الرحمن: لا بد أن يعي كل عربي أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينفصل العرب عن لغتهم لغة الوحي فقد ضمن القرآن للعرب الكرامة والشرف والخلود ليس لنسبهم الأرضي، بل تشريفاً لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام الذي يقوم على القرآن وقد نزل بالعربية، والسنة المطهرة مسطورة بالعربية، ولا ننكر أهمية اللغات الأخرى لأن من تعلم لغة قوم أمن مكرهم لكن تلك اللغات ليست سبيلنا الحقيقي إلى التقدم ولنتذكر قوله تعالى في سورة يوسف: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، «الآية 2»، فالقُرآن الكريم هو حافظ تلك اللغة فالله تعالى يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، «سورة الحجر: الآية 9».

وينهي الدكتور عبدالرحمن حديثه قائلاً: إن اللغة هي ضمير الأمة ومن هذا المنطلق علينا أن نعيد لها مكانتها التي تستحقها وعلى المجامع اللغوية في كل البلاد أن تعمل على تعريب العلوم، بحيث نجد لدينا معاجم عربية لكافة المصطلحات التي نستخدم لها اليوم البديل الأجنبي.

رباط روحي

من جانبها، تقول الدكتورة عفاف النجار العميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية بالأزهر: بالفعل تواجه اللغة العربية مشكلات عديدة اليوم أبرزها النزاع الناشئ في وسط كل أسرة بين الحفاظ على الموروث الثقافي والفكري وتعليم أبنائهم في مدارس عربية الطابع والهوية وبين ما يسمونه الانفتاح على الآخر وتعلم لغات الغرب لتوسيع مدارك أبنائهم وإيجاد فرص عمل متميزة لهم، ومن الواضح أن الكفة ما زالت مائلة لصالح الرغبة في إجادة اللغات الأجنبية وهجر العربية، وإذا ما أضفنا للدور السلبي الذي تقوم به الكثير من الأسر هناك الدور السلبي الكبير الذي تقوم به وسائل الإعلام التي أصبحت تستخدم ما يسمى باللغة العامية، وهجرت الفصحى لدرجة أننا وجدنا قنوات تذيع نشراتها الإخبارية باللغة العامية.

تضيف د. النجار: لا بد أن نتبنى حملات تثقيفية تبيّن خطورة ذلك الأمر لأننا نساهم في التشويش اللغوي لدى أبنائنا، فتختلط عليهم الحروف العربية والأجنبية وكثيراً ما تحدثت الدراسات العلمية المتخصصة حول قضية الازدواج اللغوي وخطورته على هوية الطفل وانتمائه الحضاري، لأن هجر اللغة العربية والتمسح باللغات الأجنبية من الممكن أن يستتبعه هجران الدين ذاته، وهكذا نكون قد شوهنا عقول وسلوك النشء.

تناقض

يقول الدكتور عبد المقصود باشا الأستاذ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر: اتفق العلماء على أنه من علامات تحضر أي أمة الحفاظ على هويتها وخصائصها وعدم التفريط فيها واللغة أو اللسان جزء من الهوية، فهل نحن حافظنا على لغتنا، للأسف نحن نساهم في ضياعها، وهكذا نضيّع هويتنا وإذا كنا نريد الحفاظ على تراثنا وهويتنا نبراساً للطريق نحو استعادة مجدنا وحضارتنا فمن الواجب على كل عربي ومسلم أن يلتزم باللغة العربية في كلامه في تعاملاته اليومية لأنها هي أساس الدين والحضارة الإسلامية ومن يلتزم بها، فإنما يعبر عن انتمائه فكل شعوب العالم تعتز بلغاتها وتتمسك بها، ويكفي أن أقول إنه في فرنسا هناك في الجمعية الوطنية الفرنسية قرار حاسم يمنع أن يتكلم أحد أو يكتب بغير الفرنسية أو أن يضيف ما هو ليس منها، ويعاقب القانون على ذلك، ولذلك فنحن نطالب الأمة بالمحافظة على اللغة من أي ألفاظ أجنبية دخيلة أو أي تغيير، لئلا يتسبب ذلك في تشويهها وإفسادها، كما أن رقي عقيدة الفرد والمجتمع مرهون برقي اللغة، بل إن اللغة جزء من شخصية الأمة وكيانها وإذا ما تهاون الناس فيها ضعفت شخصيتهم وذابت في الآخرين.