الملحق الثقافي

أغنية صامتة

شردت بذاكرتها البريئة، كانت تشعر أنه لن يحصل شيء ليوقف ما رسمته مخيلتها. ولم تتوقع أن يفسد تلك الصورة البهية التي رسمتها شيء. في ذلك اليوم أقسمت أن تنسى الألم، الحزن، المرارة . كل ما كانت تعلمه هو أنها تريد أن تغني، أن تترك حنجرتها الصامتة منذ زمن تصدح بالغناء.
كانت تريد أن تغني بلا انتهاء. تخيلت فراشات تتراقص حولها طرباً لصوتها الجميل. تخيلت تلك القلوب الحزينة البائسة تصفق متناسية كل أحزانها.
تخيلت بكل كبرياء ذلك القمر وهو يسترق السمع لغنائها، والأشجار تتمايل بدلال لا مثيل له، تماماً كدلال صوتها المنساب.
تمنت ألا يسمع غناءها أحد من البشر سوى تلك القلوب التي تماثل قلبها في براءته. وألا ترى طلتها البهية سوى تلك الأعين التي ترى بنفس رؤية عينيها. نظراتها في أي وجه ستوغلها وهي تغني ليعلم أنه المقصود. وتخيلت العصفورين الجميلين اللذين رافقا حلمها منذ الطفولة، وهما يرفرفان فوقها ليستمعا إلى صديقتهما التي تحزمت بالجرأة، وأطلقت ذلك الصوت الذي أخرسه الزمن. وتخيلت ذلك الطفل البريء ذا العينين السوداوين, وذلك الآخر الذي يرمقها بعينيه العسليتين، فقررت أن تغني جزءاً من أغنيتها للطفولة التي تعشقها. وتخيلت وجه أمها الجميل، ذلك الوجه الصبوح، الذي طالما أحبته، وسعدت برؤيته. تراها تنظر إلى ابنتها مشفقة إلى أي هاوية سيؤدي بها جنونها.
فتزيدها نظرات والدتها إعجابا؛ فتختال بنفسها أكثر.
تخيلت أولئكم الناس الذين يعرفونها بهدوئها فيتساءلون:
? أتلك هي التي تغني؟!
تخيلت ... وتخيلت ... وهي في قمة الاستعداد لتغني.
فجأة ..
ما الذي حدث؟
تناثرت تلك الأبيات المنتقاة فنستها ذاكرتها، فعرفت معنى الخيانة. حاولت أن تقرأها فكانت كأنها لا تعرف لغة الحروف فصرخت.
? أنا أريد أن أغني ...
وبكل عزم وقفت من جديد لتغني فنظرت حولها.
أين هي تلك الوجوه ؟ الفراشات، الطفلان، والعصافير؟.
? لمن سأغني إذن؟
ضحكت ضحكة هادئة مثخنة بالجرح و الألم. وانتهت أغنيتها بصمت طويل رغم أنها لم تبدأ !!!.