تقارير

رسالة «هاجل» لإيران

روبرت ساتلوف
المدير التنفيذي لمعهد «واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»


دعونا نفترض أن «تشـاك هاجل» قد يكون وزير دفـاع مثالياً، لكن ذلـك لا يغير من حقيقة أن تعيينه من قبل أوباما يثير قطعاً شكوكاً بين الحلفاء كما الخصوم حول مدى التزام أوباما باستخدام جميع السبل المتاحة لمنع إيران من حيازة السلاح النووي، كما تعهد بذلك خلال حملته الانتخابية، وإذا لم يتخذ البيت الأبيض إجراءات سريعة لتبديد هذا الانطباع، فإن فرص التوصل إلى حل تفاوضي لأزمة الملف النووي الإيراني ستتراجع إلى الصفر فيما سترتفع احتمالات قيام إسرائيل بحملة عسكرية ضد إيران.
والحقيقة أن تعيين «هاجل» يأتي في وقت دقيق للغاية، بحيث يعتقد بعض الخبراء أن إيران على وشك تجميع ما يكفي من اليوارنيوم المخصب للوصول إلى مرحلة القدرة على إنتاج سلاح نووي عندما تختار ذلك، وفي الوقت نفسه هناك إشارات تقول إن استراتيجية إدارة أوباما القائمة على فرض العقوبات القاسية والتلويح باستخدام القوة قد ترغم طهران على التفاوض بشأن صفقة تغني عن المواجهة.
لكن تحقيق أي نجاح في المفاوضات النووية مع إيران، يستدعي التزام الإدارة أولاً بتشديد العقوبات عليها، وثانياً التهديد باستخدام السلاح على أن يكون ذلك جدياً ويحظى بالمصداقية. وثالثاً إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحل الدبلوماسي بطرح مبادرة معقولة، ومع أن هذه المقاربة قد لا تكون كافية، لا سيما إذا كانت إيران مصممة في جميع الأحوال على امتلاك السلاح النووي، إلا أنه أي صفقة مع إيران لن تخرج عن الأعمدة الثلاثة سالفة الذكر، وفي حال أخلت الإدارة الأميركية بإحدى تلك الأعمدة، فإن مجمل المبادرة ستنهار ما سيؤدي إما إلى لجوء واشنطن إلى السلاح لوقف البرنامج النووي الإيراني وتعطيله، أو مبادرة إسرائيل بالضربة.
والأكثر من ذلك على مؤيدي ترشيح «هاجل» للمنصب أن يعترفوا بأنه من المستحيل العثور في سجله على ما يشي بأنه مع سياسة منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ذلك أن مفهوم منع إيران الذي تبناه أوباما رسمياً يعني أنه على الولايات المتحدة كبح إيران ليس من استخدام القنبلة النووية، بل من امتلاكها.
ومع أن «هاجل» لم يرفض سياسة منع إيران من حيازة السلاح النووي، إلا أنه انتقد عناصر أساسية في استراتيجية المنع تلك، حيث عبر عن تحفظه على لجوء أميركا إلى تهديد إيران عسكرياً، مشيراً إلى أن استعراض واشنطن لعضلاتها العسكرية في الخليج العربي يعقد التوصل إلى تسوية مع طهران.
كما أنه انتقد قدرة الخيار العسكري على تعطيل، أو تدمير البرنامج النووي الإيراني. وفي هذا السياق، أدت المعركة المرتقبة في الكونجرس حول تعيين «هاجل» إلى حجب التداعيات الاستراتيجية لعملية التسمية من أساسها، فاختيار أوباما مرشحاً للبنتاجون يختلف في مواقفه مع تلك التي يتبناها الرئيس يخبرناً عن الرئيس نفسه أكثر مما يخبرنا عن المرشح، ففيما عدا النقاش الأميركي الداخلي بشأن جدارة «هاجل» وقدرته على إدارة وزارة الدفاع، سيثير القادة الأجانب أسئلة جوهرية حول مصداقية الرئيس في التزامه بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وبالطبع لا أحد منهم سيتكلم علناً عن شكوكه، لكنهم سيغيرون حساباتهم وفقاً للمعطى الجديد.
ومع أن مؤيدي «هاجل» يؤكدون أن المرشح سيوضح موقفه في جميع الأحوال خلال جلسة الاستجواب من قبل الكونجرس، بحيث من المتوقع أن يؤكد على مواقفه المطابقة لأوباما، إلا أن كل ذلك يعالج فقط مدى جدارة «هاجل»، ولا يعالج مدى التزام أوباما نفسه.
وبالنسبة لقادة العالم لن ينفع أن يسارع مساعدو أوباما لتبديد المخاوف من خلال الموازنة بين ترشيح «هاجل» ومواقف أوباما الرافضة لإيران نووية، ذلك أنه بالنسبة للعالم تحدث أوباما بوضوح عندما اختار «هاجل»، الذي لم يتبن قط فكرة وقف إيران بكل السبل عن امتلاك السلاح النووي بما في ذلك التدخل العسكري، لذا سيتطلب الأمر إجراءات عملية وليس فقط كلمات لتصويب هذا الأمر وتبديد الانطباع السلبي، فكيف تحل هذه الإشكالية لو افترضنا أن أوباما ملتزم فعلاً بوقف إيران؟
أولاً يتعين الشروع في رسم خطط الطوارئ مع «الناتو»، وباقي الحلفاء حول كيفية الاستمرار في الضغط على إيران وأخيراً على أوباما التفكير في التواصل مع شركائنا الإقليميين وتوضيح الخطط الأميركية لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، والمفارقة التي ربما لم يقصدها أوباما أنه بتعيين «هاجل» تصاعدت احتمالات الصراع مع إيران لما أثاره من شكوك حول مدى التزام أميركا الحقيقي بالتعهدات التي قطعتها إدارة أوباما على نفسها.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»