تقارير

اليابان وكوريا الجنوبية.. وأعباء جراح الذاكرة!

يروج رئيس كوريا الجنوبية لأولمبياد الألعاب الشتوية في بيونجتشانج على أنه «مباريات سلام» ووسيلة لإدماج كوريا الشمالية في مجتمع الرياضة الدولي، على الأقل لبضعة أسابيع، وأنه أيضاً فرصة لتقليص التوترات في شبه الجزيرة. ولكن التصالح قد يكون أصعب مع جار آخر هو اليابان.
فالعلاقة متوترة بين كوريا الجنوبية واليابان وهما من أهم الحلفاء الأمنيين للولايات المتحدة في آسيا، وتمر علاقاتهما حالياً بمرحلة توجس وحذر بسبب نزاع يضرب بجذوره في التاريخ، وتضيف إليه أيضاً الخلافات بشأن كيفية التعامل مع كوريا الشمالية المزيد من تعقيدات.ويرى دانيال شنايدر، المتخصص في شؤون شرق آسيا بجامعة ستانفورد، أن «مشكلة العلاقات بين سيؤول وطوكيو تعد واحداً من أخطر تحديات السياسة الأميركية في جنوب شرق آسيا، وقد كانت هكذا دوماً. ونحن نحاول لمّ شمل حلفائنا منذ الحرب الكورية، ولم نحقق إلا تقدماً محدوداً على مدار ما يقرب من 70 عاماً». ويضيف شنايدر: «إننا لا يمكن أن نفي بالتزامتنا بالدفاع عن كوريا الجنوبية من دون تعاون من اليابان». ويتوقع أن يجتمع الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي-إن مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لإجراء محادثات في موقع إقامة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في التاسع من فبراير الجاري، وهو يوم حفل الافتتاح. ولم يكن حضور آبي مؤكداً حتى الأسبوع الماضي. ولكن إدارة ترامب تدخلت وطلبت منه الحضور. كما أن نائب الرئيس مايك بنس سيسافر هو أيضاً من طوكيو إلى بيونجتشانج لحضور حفل الافتتاح. وقد نقلت صحيفة «سانكي شيمبون» المحافظة عن مسؤول كبير في الحكومة اليابانية قوله إن البيت الأبيض حث آبي «بقوة» على حضور مراسم الافتتاح.
وذكرت الصحيفة أن بوسع آبي وبنس معاً أن يبعثا «برسالة قوية إلى كوريا الجنوبية» مفادها ألا تفرط في تصالحها مع اليابان، وأن تلتزم أيضاً بالاتفاقات الثنائية، وهذا أثار جدلًا في طوكيو عن ذهاب آبي وبنس إلى بيونجتشانج كي يكونا فريقاً ضد مون الذي يؤيد بناء علاقات أوثق مع كوريا الشمالية كوسيلة لحل الأزمة مع زعيمها كيم جونج أون. وعلى رغم الجهود المحفزة لمشاركة كوريا الشمالية في الألعاب الأولمبية، فقد أعلن مون أيضاً أنه يدعم نهج «أقصى درجة من الضغط» على بيونج يانج الذي تتبناه إدارتا ترامب وآبي.
وفي هذا السياق يؤكد كيتشي فوجيوارا، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة طوكيو، أن الرحلة إلى بيونجتشانج تستهدف ضمان التزام مون بهذا التعهد، وأضاف فوجيوارا: «إذا لم نورط إدارة مون فإنها قد تتقدم على الولايات المتحدة واليابان في قضية كوريا الشمالية، وهذا لن يكون مفيداً لطوكيو ولا لواشنطن. ولذا يجب أن نضع جانباً خلافاتنا ونقدم واجهة موحدة».
ولكن مجموعة من مشرعي الحزب الديمقراطي الليبرالي انتقدوا قرار آبي الذهاب إلى بيونجتشانج ليس بسبب قضية كوريا الشمالية فقط، ولكن بسبب تصرفات كوريا الجنوبية أيضاً. وقد كتب تاكاشي ناجاو النائب عن الحزب الديمقراطي الليبرالي الياباني في الغرفة الأدنى من البرلمان في تغريدة على تويتر يقول إن آبي يساعد فحسب في دعم شعبية مون بتعزيز المشاعر المعادية لليابان في كوريا الجنوبية. وهذا يتصل بانتقاد مون لصفقة عام 2015 التي يُفترض أنها «نهائية ولا يمكن التراجع عنها» فيما يتعلق بقضية العبودية الجنسية في الحرب العالمية الثانية. وقال ناجاو: «حتى إذا توصلنا إلى بعض الاتفاق مع كوريا الجنوبية، فقد رأينا مراراً أنهم لا يلتزمون باتفاقاتهم» مردداً بذلك مشاعر كثيرين في اليابان. ولكن هناك أيضاً قضايا تتعلق باحتلال اليابان لشبه الجزيرة الكورية أثناء النصف الأول من القرن العشرين ما زالت تسمم العلاقات بين طوكيو وسيئول.
فقد ذكر مؤرخون أن ما يصل إلى 200 ألف امرأة في الدول المحتلة أجبرهن الجيش الإمبراطوري الياباني على البغاء، وقد أصدرت الحكومة اليابانية تصريحات متكررة عبرت فيها عن الندم على هذه الممارسة وأقامت صندوقاً في التسعينيات لمساعدة هؤلاء النساء. ولكن بعض السياسيين والأكاديميين من الجناح اليميني أكدوا مراراً على أن النساء كن بغايا أصلاً، أو أن عدد المتضررات كان أقل بكثير، وهذا أثار غضب الكوريين الجنوبيين الذين يعدون هؤلاء المنتقدين معادلًا لمنكري الهولوكوست في الغرب. وقد تأزمت القضية لسنوات وهيمنت كثيراً على اجتماعات كاملة مع الولايات المتحدة، وطغت أحياناً حتى على مناقشة أزمة كوريا الشمالية.
ولكن البلدين توصلا فيما يبدو إلى انفراجة في عام 2015 حين عبر آبي عن «أخلص اعتذاراته» وأودعت اليابان 8.3 مليون دولار في صندوق جديد لمساعدة النساء الناجيات من البغاء. وحين تم التوصل إلى الصفقة لم يكن هناك من البغايا السابقات على قيد الحياة سوى 46 امرأة في كوريا الجنوبية، ولم يعد منهن اليوم إلا 31 امرأة على قيد الحياة. ووصف مون الذي انتخب رئيساً لكوريا الجنوبية العام الماضي تلك الصفقة مؤخراً بأنها «معيبة بشدة»، وإن لم يقل إنه سيسعى إلى تعديلها. ولكن مون جمد الأموال التي قدمتها الحكومة اليابانية، وأعلن إن حكومة كوريا الجنوبية ستقدم تمويلًا مقابلًا ليقضي أساساً على الصفقة.
ويعتقد ناروشيج ميتشيشتا، الخبير في شؤون كوريا في المعهد القومي لدراسات السياسة في طوكيو، أن «هذا يتعلق بالسياسة الداخلية لكوريا الجنوبية أكثر من تعلقه بأي شيء آخر، فالبعض في كوريا الجنوبية يستخدمون المشاعر المعادية لليابان لأغراض سياسية داخلية وليس بوسعهم أن يتوقفوا عن ذلك. وليست لدينا نحن وسيلة للرد». واليابان غاضبة أيضاً بسبب إقامة جماعات من المجتمع المدني في كوريا الجنوبية عدداً أكبر من التماثيل لما عُرف باسم «نساء المتعة» بما في ذلك تمثال أمام القنصلية اليابانية في بوسان، وآخر في سان فرانسيسكو. وهذا يُبقي الجروح القديمة مفتوحة. وقد عبّر مسؤول كبير في الحكومة اليابانية معنيٌّ بالقضية عن خيبة أمله من عدم التحسن في القضية، ووضع يده فوق رأسه معبراً عن شعوره بالإحباط.
وتذكر المسؤول الذي اشترط عدم نشر اسمه بسبب حساسية الموضوع ما حدث في عام 2015 قائلًا «لقد واجهنا انتقادات كثيرة في اليابان من القوميين والمشرعين الذين قالوا: هل تصدقون فعلًا أن كوريا الجنوبية ستلتزم بهذا الاتفاق؟ هل أنتم سذج من جديد حتى توافقوا على هذا وتستخدموا أموال دافعي الضرائب؟» في هذا المسعى المحفوف بالشكوك! وكان آبي أثناء إعلانه الذهاب إلى بيونجتشانج قد صرح بأنه سيستغل الاجتماع مع مون «ليفصح بوضوح عن موقف اليابان» بشأن الالتزام بصفقة عام 2015. وصرح أيضاً بأنه سيخبر مون «بحاجة اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة إلى أن تعمل سوياً وأن تحافظ على أقصى درجة من الضغط للتعامل مع التهديد الآتي من كوريا الشمالية». والواقع أن النزاع القائم له دلالات خطيرة على الأمن في المنطقة.
وللجيش الأميركي نحو 50 ألف جندي في اليابان و28 ألفاً في كوريا الجنوبية وهذا ضروري لتكون الولايات المتحدة قادرة على الرد سريعاً على أي استفزاز من كوريا الشمالية. ولكن هناك القليل من التعاون بين الجيشين الكوري الجنوبي والياباني.
وفي غمرة الحديث عن حرب محتملة في شبه الجزيرة الكورية سعى مسؤولون يابانيون، بتشجيع أميركي، إلى وضع خطة لترحيل 60 ألف ياباني يعيشون في كوريا الجنوبية. وتريد طوكيو -وواشنطن- أن تكون قادرة على إرسال سفن من قوات الدفاع الذاتي اليابانية البحرية إلى موانئ كوريا الجنوبية لجمع هؤلاء اليابانيين إذا اندلع صراع. ولكن حكومة كوريا الجنوبية ترفض صراحة مناقشة الفكرة بحسب قول أشخاص سعوا في هذه الجهود. وما زال الحرج الكوري تجاه اليابان مفتوحاً حتى بعد مرور سبعة عقود على التحرير.

* رئيسة مكتب واشنطن بوست في طوكيو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»