دنيا

المشاجرات الأسرية.. «فاتورة» يدفع ثمنها الأبناء من حصيلة استقرارهم النفسي

نسرين درزي (أبوظبي) - كثيراً ما تنعكس المشاكل الأسرية على الأبناء، ولا سيما في سن مبكرة، حيث تختل لديهم الصورة المثالية للاستقرار النفسي الذي يبحثون عنه بالفطرة، ولا تتضح الانعكاسات السلبية على شخصية الطفل إلا بعد مضي فترة من أجواء التوتر التي يعيش ضمنها وسط أبوين يتشاجران أمامه باستمرار، أو يحمل أحدهما في قلبه على الآخر، كما من الأسى لا يمكنه الترفع عنه.
مع أن أحداً لا يختار مصيره بيده، غير أن التحكم في بعض المجريات تكون له الأولوية لدى الأهل عندما يتعلق الأمر بنفسية الأبناء، إذ من غير المنطقي في مطلق الأحوال أن يقع الأطفال ضحية لخلافات الكبار وأن يشبوا على مشاهد عنف لغوي أو جسدي لا يمكنهم تحملها ولا حتى تفهمها. وهذا ما ينادي به علماء النفس والتربويون ويتخذه البعض على محمل الجد، في حين أن آخرين، وإن كانوا يعترفون بأهمية هذه النظرية غير أنهم لا يعملون بها عن قصد أو بغير قصد.
مشاحنات عاطفية
وتتحدث الاستشارية النفسية الدكتورة دوللي حبال عن خطر المؤثرات السلبية من أي جهة كانت على شخصية الأبناء، وخصوصاً عندما يكون الضرر قادماً من الخلافات بين الوالدين، وتذكر أن أصعب حالات الاضطراب النفسي لدى صغار السن، هي تلك المرتبطة بالقلق اليومي الذي يعيشونه كلما دار أمامهما حوار حاد ينتهي بمشهد ضرب أو نظرات كره وحقد أو كلمات مؤذية. والسبب أن الأطفال لا يتحملون مشاهدة آبائهم إلا في أفضل صورة وعلى أجمل نحو، سواء من ناحية التحاب والتراضي والتواصل. وتقول الدكتورة دولي حبال: إن أجواء الوئام بين الأبوين ضرورية جداً لاكتمال الصحة النفسية لدى الأبناء، حتى وإن كان ذلك من باب المجاملة أو التمثيل المقبول. والذي لا يضر عموماً بقدر ما يساعد في بناء كيان متوازن للطفل والمراهق اللذين يحتاجان بالقدر نفسه إلى الرعاية النفسية وإن بطرق مختلفة. وتشرح أن حاجة الطفل إلى الحنان والعطف لا تكتمل إلا في كنف مريح يسوده الهدوء داخل البيت من دون أي مشاحنات عاطفية مصاحبة. في حين أن المراهق لا تكفيه كلمات الدعم المعنوي من أحد الأبوين أو كليهما بقدر ما يعنيه أن يشعر بدفء العلاقة التي تربطهما، خصوصاً أنه يتخذهما في هذه السن كمثال أعلى وقدوة لصورته في المستقبل.
البيئة الصحية
وتوضح أن الأسر الحريصة على أن ينشأ أبناؤها في ظروف صحية وسليمة، لا بد وأن تعي إلى أهمية الأجواء التي يزرعونها في المنزل. وتؤكد أنه وإن كانت المشاكل أمرا واقعا بين الكثير من الأزواج، غير أن أمر التحكم بها هو أكثر ما يستدعي الانتباه. وتقول إنه من الطبيعي أن تنشأ مشاجرات في كل بيت، لكن من غير الطبيعي أن يتفاقم الأمر ويصبح قاعدة أساسية في كل مرة يلتقي بها الوالدان. وتوصي الدكتورة دولي حبال بضرورة أن تدور النقاشات الحادة بين الأزواج بعيداً عن الأبناء، مهما كبر الخلاف أم صغر. وتشير إلى أن هنالك الكثير من الحالات العائلية التي يكون فيها الطلاق صحيا، بمعنى أن أثره النفسي على الأطفال والمراهقين أكثر إيجابية من الزواج المتأزم. وهنا يحيا الأبناء بأقل قدر من الخسائر، طالما أن الأبوين المنفصلين يملكان الوعي الكافي ليقوم كل منهما بدوره كاملاً. وإن كان عبر مشهدين متباعدين، ولكن بلا مظاهر مؤذية لمشاعر الأبناء الذين يحتاجون دائماً ألا تختل الصورة المثالية لأمهم وأبيهم.
من جهته يذكر الاستشاري الأسري الدكتور سمير غويبة أن الأطفال يدفعون دائماً فاتورة أي خلاف يقع بين الآباء، لأنهم المعنيون مباشرة بالنتائج، ويعتبر أن الأسر الناجحة هي تلك التي تتقن فنون الحوار الراقي الذي لا يتعدى مستوى النقاش الحضاري، إذ من الضرر أن تصل الأمور بين الزوجين إلى حد الصراخ بدلاً من الكلام، أو حتى الضرب بدلاً من القدرة على الإقناع. ويقول الدكتور سمير غويبة صاحب الأبحاث حول الكيان الصحي لدى الأسرة، إن الطفل الذي يكبر في أجواء خالية من مظاهر العنف على أشكاله، هو أكثر قدرة على التركيز من الآخر. إذ إن التوتر داخل البيوت بسبب عدم التوافق بين الأبوين، يظهر واضحاً على شخصية الطفل. الذي يكون دائم العصبية وسريع الانفعال وحاد الطباع، وذلك بحسب الانطباعات العامة التي امتصتها شخصيته ومن الصعب محوها من ردات فعله.
الاستقرار
وبالحديث مع الأخصائية الاجتماعية هناء عبدالله التي تعمل في مجال الرعاية التربوية للأطفال الذين يعانون من اضطرابات في السلوك، يتضح أنه من غير السهل علاج ما انكسر في نفسية الأبناء، وتذكر أن المشاكل الأسرية يكون لها أثرها السلبي على الطفل أو المراهق بدرجات مختلفة،.
وتقول إن معظم الحالات التي تعمل معها، تعاني من مشاكل في الدراسة بسب الظروف الأسرية التي نشأت أو تنشأ ضمنها. كالعيش مع أحد الأبوين بسبب الانفصال، أو معاناة الحرمان من الأب أو الأم، إما بسبب الطلاق وإما بسبب الوفاة، وتؤكد أن البعد عن أحد الأبوين تكون عواقبه على بعض الأطفال أكثر وطأة من أن يكون الطفل يتيماً. وتشرح السبب مشيرة إلى أن صورة الأب أو الأم لا بد وأن تكون مرتبطة بالتضحية والعطاء والمشاعر النبيلة. أما أن يكون أحد الأبوين موجوداً وغير مبال بابنه أو ابنته، فهذا ما لا يغتفر أبداً من قبل الأطفال والمراهقين. ومع الوقت يشكل لديهم حالات سلبية لردود أفعال هم أكثر من يتأذون منها، كالشرود الدائم وعدم التركيز في الدراسة.
وترى أن المساعدة التي يتم تقديمها لهذا النوع من الطلبة، لا تكفي من طرف واحد، إذ إنه من واجب الأهل أن يتعاونوا مع الجسم التعليمي والمشرفين الاجتماعيين والنفسيين أحياناً كثيرة، لحل الجزء الأكبر من المشكلة، وتشير إلى أن أفضل ما يمكن تقديمه للأطفال والمراهقين الذين يعانون من عدم الاستقرار الأسري، هو دمجهم مع أبناء يعيشون حالات مشابهة لحياتهم، الأمر الذي يخفف من معاناتهم، ويجعلهم يشعرون بشيء من الأمان، على اعتبار أنهم ليسوا بمفردهم في مواجهة مع هذا النوع من المنغصات، وتقول هناء عبدالله: إنه من المؤذي للطفل المتأزم نفسيا بسبب نقص ما يعيشه، أن يتواجد باستمرار ضمن أطفال من سنه يحيون حياة طبيعية تذكره دائماً بحال الحرمان في داخله.



امتصاص الغضب أمام الأبناء
دعا الاستشاري الأسري الدكتور سمير غويبة إلى ضرورة امتصاص الغضب أمام الأبناء، وفي حال حدثت أمامهم أي من المظاهر التي تؤدي إلى القلق، فإن التربية الحديثة تتطلب من أحد الشريكين أن يعالج الأمر بسرعة. كأن يعتذر من شريكه أمام أبنائه أو يقدم له هدية تفاجئه بحضورهم، أو حتى معاودة الحديث أمامهم عن موضوع الخلاف بشكل عقلاني. ويؤكد الدكتور سمير غويبة، أن مشاهد الود والتصالح من الضروري أن تكون أمام الأبناء من وقت لآخر، فهذا يزرع بداخلهم نوعاً من الطمأنينة التي يبحثون عنها باللاوعي ويسعدون للعيش ضمن أجوائها. ويذكر أن الطفل والمراهق يحتاج كل منهما إلى كنف آمن يحتضنهما بالمعنى الحقيقي للكلمة. إذ إن العاطفة ليست فقط عبر كلام الحب والحنان، وإنما بتوفير البيئة الصحية بما فيها السعادة المنزلية والمشاريع المشتركة.